زينت عبارة "ملتزمون تحسين حالة العالم" جدران مركز الاجتماعات الرئيس للمنتدى الاقتصادي العالمي، في كل يوم من أيام أسبوع اجتماعات المنتدى الذي اختتم أعماله أمس الجمعة في "دافوس" بسويسرا، وهي تذكير جديد وعابر للمسؤولين التنفيذيين والسياسيين بالحربين اللذين يهددان الأمن العالمي اليوم ويخيمان على الاقتصاد، وهما حرب أوكرانيا التي تحدث عنها الرئيس الأوكراني الثلاثاء الماضي وحرب إسرائيل و"حماس".
على رغم قساوة الحربين وخسائرهما البشرية والاقتصادية الهائلة فلم يتمكن أي منهما من جذب الاهتمام الجماعي في تجمع المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي تركز هذا العام بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي والسياسة الشعبوية، صحيح أن غزة وأوكرانيا حضرا بشكل يومي على الأجندة العامة في "دافوس"، إلى جانب تغير المناخ وعدم المساواة الاقتصادية، لكن في القاعات الدافئة والشوارع الموحلة في جميع أنحاء المدينة تتحول المحادثات حتماً إلى الاتجاهين المتسارعين اللذين يزعزعان استقرار نماذج الأعمال والديمقراطيات.
انطبقت مقولة "الغائب الحاضر" على فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، فعلى رغم غياب سيد الكرملين والرجل الآخر الذي يخطط للعودة للبيت الأبيض ما زال الرجلان قادرين على السيطرة على "دافوس"، فلم تخل جلسة من الحديث عن الحرب الروسية - الأوكرانية والقلق من عودة ترمب للبيت الأبيض.
قال زيلينسكي إنه من دون مزيد من المساعدة من الولايات المتحدة وغيرها "ستحدث أزمة ضخمة... لدينا حرب الآن، وسنواجه أزمة ضخمة، أزمة لأوروبا بأكملها".
وتحدث عديد من القادة عن غزة والصراع الأوسع الذي أحدثته في الشرق الأوسط، وإن كان ذلك عادة أمام حشود أصغر، وفي غرفة ضمت نحو 60 شخصاً الأربعاء الماضي، دعا رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني، النائب السابق لرئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، إلى ضرورة وقف العمل العسكري وتقديم مساعدات دولية إضافية لشعب غزة وإنهاء الحرب.
ويبدو من الواضح أن عودة ترمب المحتملة لسدة الرئاسة الأميركية لم تكن موضع ترحيب لدى القادة الأوروبيين، كما أنها تقلق المنظمات الدولية، فالمديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نجوزي أوكونغو إيويالا، بدت كأنها مستعدة لمنازلة ترمب في معركة الرسوم الضخمة التي يهدد الأخير بفرضها إذا ما أعيد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، محذرة إياه من محاولة تقويض منظمة التجارة العالمية.
وذكرت إيويالا الرئيس الأميركي السابق من أن 75 في المئة من تجارة العالم اليوم وفقاً لأحكام المنظمة، بما في ذلك جميع الرسوم التي اتفق عليها دولياً.
وبصورة عامة إذا حكمنا من خلال المزاج السائد في المنتدى، ففي حال أصبح ترمب رئيساً للولايات المتحدة للمرة الثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن أجندة ترمب التي يتصدرها إنهاء الحرب في أوكرانيا في غضون 24 ساعة، ووضع الولايات المتحدة أولاً والتراجع عن العولمة تتعارض مع عقيدة "دافوس".
رسائل قادة وغياب آخرين
أما عن القادة الآخرين فأتاح "دافوس" لهم عرض استراتيجيات حكوماتهم، إذ عرض رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانج خطة الصين المكونة من خمس نقاط لإعادة بناء الثقة، واستخدم خافيير مايلي أول رحلة خارجية له منذ أن أصبح رئيساً للأرجنتين لوضع أجندته الخاصة بالسوق الحرة، وتفاخر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنجاحه في تنشيط الاقتصاد الفرنسي.
وكان غياب السياسيين الآخرين ملحوظاً أيضاً، إذ كان ريشي سوناك سيستمتع بالاحتكاك مع رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا الذين يتحدثون غنائياً عن فوائد الذكاء الاصطناعي، لكن وجوده في "دافوس" مع النخبة العالمية لا يعتبر مظهراً جيداً لأغنى رئيس وزراء في بريطانيا على الإطلاق، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، لكان سوناك قد بقي في المنزل بسبب الصعوبات التي واجهتها الحكومة في تمرير مشروع قانون رواندا للاجئين من خلال البرلمان.
ومع وصول وزير خزانته جيريمي هانت في الساعات الأولى من الخميس الماضي على متن طائرة خاصة، بعد أن تأخر التصويت بسبب التصويت في رواندا، قامت نظيرته في حزب العمال، راشيل ريفز، بملء الفراغ لقيادة هجوم ساحر، في حين ترك وزير الخارجية البريطاني، ديفيد كاميرون، لتمثيل بلاده لحين وصول هانت.
نشاط سعودي بارز
لم تخل أبرز جلسات المنتدى من المشاركة السعودية، إذ سلط الوفد السعودي الضوء على التقدم الذي أنجر في إطار "رؤية 2030"، ومسيرة التحول والتنمية التي تشهدها البلاد في مختلف المجالات، وأطلع قادة العالم وكبرى الشركات على الفرص التجارية والاستثمارية المتاحة في عديد من القطاعات التي تستهدف الوصول إلى اقتصاد مزدهر ومتنوع ومنفتح على فرص التعاون المشترك.
وفي ظل ما تمتلكه السعودية من قدرات تنافسية عالية، استعرض ثمانية وزراء الجهود القائمة لتعزيز جاذبية الرياض كوجهة للاستثمار الخاص والأجنبي، واستعرض الوفد أفضل الحلول والممارسات التي طورتها السعودية لتعزيز مرونة الاقتصاد وتحقيق الاستدامة المالية بما يتلاءم مع طموحاتها للتنويع الاقتصادي والنمو المستدام، تماشياً مع "رؤية 2030".
رسالة السعودية كانت واضحة مفادها أنها جاهزة لاستقبال الشركات العالمية، وأصبحت رقماً صعباً ومنافساً عالمياً مرموقاً، وجذبت المشاركة السعودية اهتماماً كبيراً من قبل كبار المستثمرين وشركات إدارة الأصول العملاقة من العالم.
وحرصت السعودية على إبراز موقفها الواضح تجاه الأزمات الحاصلة في المنطقة، عبر تصريحات وزير خارجيتها فيصل بن فرحان الذي ترأس وفد بلاده لـ"دافوس"، إذ لاقت تصريحاته اهتماماً كبيراً في تحليلها من قبل وسائل الإعلام العالمي، وكذلك تصريحات سفيرة الرياض لدى الولايات المتحدة الأميركية الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان في شأن موقف السعودية تجاه عديد القضايا.
الذكاء الاصطناعي تصدر المقابلات
وفي المقابلات، شرح المسؤولون التنفيذيون بحماس كبير عادة فوائد التكنولوجيا وعيوبها، وكان الجميع يريد التحدث عن كيفية عمل الذكاء الاصطناعي. وقالت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الحكومات في حاجة إلى "الاستيقاظ" على أخطار الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة، وقالت إنه مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية أصبحت أخطار التضليل "كبيرة وربما شديدة للغاية، ودافعاً كبيراً لعدم الثقة".
ولكن على رغم كل هذا القلق قال هانت إن بريطانيا ترحب بالذكاء الاصطناعي ورواده المبشرين بالتكنولوجيا، واعتبر أن "الخيار الذي يتعين علينا اتخاذه هو كيفية تسخيرها، لذا فهي قوة من أجل الخير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد لا يظل هانت وزيراً للخزانة بحلول موعد انعقاد قمة "دافوس" بعد عام واحد، فمن المقرر أن تعقد الانتخابات في البلدان التي تضم أكثر من 40 في المئة من سكان العالم في عام 2024، وستعتمد الحالة المزاجية السائدة في المنتدى الاقتصادي العالمي المقبل على ما سيحدث في المنتدى الذي سيعقد في أوائل نوفمبر المقبل في الولايات المتحدة.
أيضاً كان هناك حديث عن إمكانية أن تؤدي انتخابات هذا العام، بخاصة في الولايات المتحدة، إلى زعزعة أركان العالم، فيما غرقت المقاربات بين الحرب الروسية على أوكرانيا وهجمات "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على إسرائيل والقصف الإسرائيلي الذي أعقب ذلك على غزة.
وأعرب عديد من الحاضرين عن أسفهم لعدم وجود مزيد من الطاقة وراء المناقشات المتعلقة بالحرب، أو الاعتراف بالأخطار التي تشكلها الحروب على الاقتصاد والأمن العالميين.
الاقتصاد العالمي يتحرك نحو وضع طبيعي جديد
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إنها لا تتوقع العودة إلى "الوضع الطبيعي" الاقتصادي في عام 2024، على رغم رؤية توازن في بعض نقاط البيانات على مدى الـ12 شهراً الماضية.
وفي حديثها أمام جلسة "بلومبيرغ" في المنتدى، وصفت لاغارد فترة ما بعد جائحة كورونا بأنها "غريبة وغير عادية ويصعب تحليلها" وحددت ثلاثة اتجاهات بدأت في العودة لطبيعتها العام الماضي، وهي الاستهلاك والتجارة والتضخم.
وقالت لاغارد إن أفضل خطة للاستعداد لعودة محتملة لدونالد ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025 هي تعزيز السوق الأوروبية الموحدة.
وقالت لاغارد عندما سئلت كيف يجب أن تستعد القارة لهذا السيناريو "إن أفضل دفاع، إذا كانت هذه هي الطريقة التي نريد أن ننظر بها إلى الأمر، هو الهجوم... لكي تهاجم بشكل صحيح، عليك أن تكون قوياً في ملعبك، لذا فإن كوننا قويين يعني أن يكون لدينا سوق قوية وعميقة، وأن يكون لدينا سوق واحدة حقيقية".
الاستهلاك قوي وتراجع التضخم
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي الجمعة الماضي "في عام 2023 شهدنا بداية عودة الأمور إلى طبيعتها، وعندما ننظر إلى الاستهلاك على سبيل المثال، في جميع أنحاء العالم... لا يزال الاستهلاك قوة دافعة للنمو، لكن الرياح الخلفية التي استفدنا منها تتلاشى تدريجاً".
وأضافت لاغارد "إن التجارة، في الوقت نفسه تعطلت بسبب تفضيل المستهلكين شراء الخدمات على السلع في عامي 2021 و2022، لكن الأمر بدأ الآن في التحسن حقاً، وفي أكتوبر الماضي كانت لدينا أرقام التجارة العالمية التي ارتفعت لأول مرة منذ أشهر عدة."
وتتوقع منظمة التجارة العالمية (WTO) زيادة التجارة بنسبة 3.3 في المئة في عام 2024، وفقاً لتوقعات صدرت في أكتوبر الماضي.
وأشارت لاغارد أيضاً إلى الخفض الكبير في التضخم في عام 2023، وقالت "في جميع أنحاء العالم، يتراجع التضخم، وشهدنا ذلك في نوفمبر الماضي، كل من التضخم الرئيس والتضخم الأساس، لذلك هذا ما أسميه العودة للطبيعة الذي لاحظناه في عام 23".
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي اختار البنك المركزي الأوروبي الإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير للمرة الثانية على التوالي، فحول توقعاته للتضخم من "من توقعات بأن تظل مرتفعة للغاية لفترة طويلة للغاية إلى توقعات بانخفاضها تدريجاً على مدى العام المقبل".
وقال مكتب الإحصاء الاتحادي الإثنين إن اقتصاد ألمانيا - الأكبر في أوروبا - انكمش بنسبة 0.3 في المئة على أساس سنوي في عام 2023. وأضاف المكتب أن الاقتصاد الألماني شهد ركوداً في الربع الثالث من عام 2023، مما يعني ضمناً أن البلاد تجنبت بصعوبة الركود الفني.