ملخص
ريم نجمي تكشف قبح العالم في "العشيق السري لفراو ميركل"
دفع الكثير من المشاهير حول العالم أثماناً باهظة مقابل شهرتهم، كان من بينها ملاحقة المهووسين والمرضى النفسيين لهم. وبلغ الأمر أحياناً حد التعدي ومحاولة القتل. والقائمة تطول بأسماء النجوم، الذين تكبدوا تلك المعاناة ومن بينهم؛ المغنية الأميركية تايلور سويفت، التي اقتحم أحد المختلين منزلها، ونام في سريرها. والنجمة كيم كارديشيان، التي تعدى أحد المهووسين بها؛ على منزلها، بعد إرساله عدة رسائل، حوى بعضها أشياء غريبة، مثل وسيلة لمنع الحمل، وخاتم خطبة من الألماس. ولم يكتف أحد هؤلاء المرضى النفسيين، بتعقب عارضة الأزياء الأعلى أجراً كيندال جينر، والسفر خلفها من مكان لآخر، وإنما اعترف بتخطيطه لقتلها ثم انتحر. وكما عانى نجوم الفن من ملاحقة المهووسين، عانى أيضاً نجوم السياسة، لا سيما المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل التي كانت حقيقة اقتحام أحد المختلين بيتها الريفي، اللبنة الأولى التي انطلقت منها الكاتبة المغربية المقيمة في ألمانيا ريم نجمي مستعينة بالتخييل في نسج أحداث روايتها، "العشيق السري لفراو ميركل" (الدار المصرية اللبنانية).
استهلت الكاتبة سردها باقتباس من رسالة جون هينكلي جونيور، إلى الممثلة جودي فوستر، التي أرسلها قبل ساعات من محاولته اغتيال الرئيس الأميركي رونالد ريغان عام 1981، بهدف إثارة إعجاب الممثلة. ثم أعقبته باقتباس ثان من تقرير نشره موقع صحيفة "زود دويتشه"، في العام 2010، حول اقتحام أحد المختلين في حالة من الهياج، بيت ميركل الذي اعتادت أن تقضي فيه عطلة نهاية الأسبوع، في أوكمارك، لعدم ردها على رسائله. ومهدت نجمي عبر هذين الاستهلالين لما توالى من أحداث، أضاءت عبرها واحدة من الأعطاب النفسية الخطيرة، "متلازمة كليرامبو"، في سرد أكدت أنه محض "تخيلات أدبية"، وإن انطلق من بعض الوقائع الحقيقية.
تعدد صوتي
اعتمدت نجمي أسلوب الأصوات المتعددة أو البوليفوني، في سرد الأحداث، موزعة دور السارد على أربعة شخوص، هم: يونس، ميركل، ماهر الخطيب، آية. وفضلاً عما حققته عبر هذا التنوع الصوتي، من موضوعية الرؤية، واستبطان ذوات شخوصها، والدفع بمزيد من الصدقية والحميمية إلى السرد؛ أبرزت تعدد أوجه الحقيقة بعد تلونها بتأويلات أبطالها، وذاتيتهم، مما أتاح التعاطف مع خطاياهم، ونقصهم البشري، وزاد من جاذبية الشخوص، التي عززت بدورها حالة التماهي مع النص. وإلى جانب أصوات الرواة، كان للرسائل حضور كثيف داخل النص؛ أتاح اتساع مساحات البوح، والكشف عما يعتمل في الطبقات الأعمق من النفس الإنسانية، لا سيما وأن الرسائل هي الأقدر على قول ما لا يتأتى لجنس آخر قوله، ولكونها قاسماً مشتركاً وواقعياً، جمع بين غالب المهووسين بالمشاهير، مما جعلها مكوناً رئيساً، نقلته الكاتبة من فضاء الواقع، إلى فضاء السرد، واستثمرته في تحريك الأحداث. وحققت عبر استدعائها تفاعلاً بين جنسين أدبيين، الرواية والرسائل، مما زاد من جمالية النص. واختارت نجمي لروايتها قالباً تقليدياً، يحوي الديباجة والختام المألوف للرسالة، إضافة إلى الوسيط الورقي، وصبغتها بصبغة رومانسية، ممزوجة بالمعاناة والألم؛ اتسقت مع طبيعة شخصية البطل، ومع ظروف المراسلة: "حبيبتي وغاليتي أنجيلا ... إذا لم تتخذي قراراً في القريب العاجل فإنني سأقتل نفسي، سأتخلص من حياتي وأرمي بنفسي في النهر الذي تطل عليه نوافذ بيتك، ثم أبقى في ذاكرتك شهيداً للحب. أنتظر ردك بفارغ الصبر. حبيبك المخلص إلى الأبد. يونس الخطيب" ص 22.
أمراض النفس
عبر أحداثها المتخيلة، تتبعت نجمي سقوط النفس في براثن الهوس المرضي، وما يحفزه من مثيرات اجتماعية، وكذلك تداعياته. فهذه المتلازمة، التي كان يعاني منها يونس "متلازمة كليرامبو"، أضاءت خللاً اجتماعياً، وتربوياً، يتصل بطفولة البطل، ونشأته في أسرة قاسية، تفتقر للحب، وكل مظاهر الاحتواء، وتنتهج العنف في تعديل السلوك، لا سيما ما يتصل منه بالفروض، والطقوس الدينية. فالعائلة التي قامت بحشو رأس طفلها صغيراً، بقصص دموية، وأفكار متطرفة عن الاختلاف، وعن الانتقام، كانت مسؤولة عن مخاوفه المرضية، التي تسببت في تبوله اللاإرادي، ومهدت الطريق إلى إصابته بعطب نفسي مركب، خصوصاً أن هوسه بميركل التي هي في عمر أمه، يحيل إلى عقدة أوديب، ويعكس افتقاده لحنان أمه، التي كانت تعاني بدورها مازوخية، بدت في عشقها لزوج يعنفها، وصمتها إزاء تعنيفه لابنها الوحيد. وكما أضاءت الكاتبة العطب النفسي الناجم عن خلل في تنشئة البطل الاجتماعية، أضاءت أيضا مشكلات نتجت عن انقسامه بين ثقافتين، إحداهما شرقية تمثلها العائلة السورية النازحة إلى ألمانيا، والتي تنتمي إلى واحدة من جماعات الإسلام السياسي، والأخرى يمثلها المجتمع الألماني والحضارة الغربية. وأسفر هذا الانقسام عن أزمة هوية، ترتب عليها تشظي الشخصية المحورية.
وعبر هذه الأزمة تجلت المسافة الشاسعة بين الشرق والغرب، اللذين برزا كقطبين لثنائية كلاسيكية متقابلة، تبعتها ثنائيات أخرى، مثل الخير والشر، الحب والإعراض، الرحمة والقسوة، الجبر والحرية. وكانت جميعها وقوداً للصراع الذي اندلع في جنبات النص، مجسداً الشقاق بين جيل الآباء وجيل الأبناء، وبين قيم الغرب وثقافته وقيم الشرق وثقافته، وكذلك بين المصلحة السياسية والقيم الإنسانية: "بدأت الحديث عن الحرية الشخصية عندما انهال عليّ بعصا المكنسة القصديرية...، كان والدي يضرب بعصا المكنسة بشدة وكأنه في مهمة جهادية. بالغ في جهاده حتى تناثر دمي على الحائط وعلى الغطاء الأبيض الخفيف على السرير. أما "نبع الحنان" أمي فقد كانت واقفة تتابع المشهد وكأنها في قاعة السينما تشاهد فيلمها المفضل" ص 84.
كسرت نجمي الصورة النمطية للأم عبر انحياز شخصية "فردريكا أوبر" أو الحاجة "فاطمة" لمشاعرها تجاه زوجها العنيف، على حساب أمومتها، وعدم قدرتها على منح طفلها سوى أمومة سطحية. وكسرت كذلك الصورة النمطية للمرأة الغربية المتحررة، عبر رضوخ "فردريكا" لزوجها، حد تلاشي ذاتها، وقبولها انتهاك حقوقها، وحقوق ابنها، إضافة إلى تحولها بعد إسلامها باتجاه التطرف. وكما أبرزت الكاتبة قسوة الأب، وسلبية الأم، كأهم أسباب تطور مرض البطل واضطرابه النفسي، أضاءت قضية الشيزوفرنيا الأخلاقية، لدى المنتمين إلى جماعات الإسلام السياسي، وتعاطت معها كسبب من الأسباب، التي عمقت أزمة شخصيتها المحورية.
تطرقت نجمي لبعض القضايا الخطرة، مثل التلصص وانتهاك الخصوصية الفردية، على الرغم من القوانين التي تحميها في الغرب، والتي لم تمنع عامل المتحف من التقاط صور لميركل داخل شقتها لسنوات عديدة. كذلك طرحت قضية اللاجئين. واستثمرت بعض الوقائع الحقيقية، من بينها قرار ميركل بفتح حدود ألمانيا أمامهم وخاصة السوريين منهم، ورفض العديد من الأصوات السياسية والشعبية الألمانية لهذا القرار. وأتاحت الكاتبة عبر تعدد الأصوات، وتنوع أيديولوجياتها وأفكارها؛ تمرير رؤى أكثر موضوعية، وأكثر شمولاً، تفند مآسي اللاجئين، وتبرز في الوقت نفسه تداعيات اللجوء على الدول التي تستقبلهم. وتطرقت للعنصرية، التي يواجهها العرب والمسلمون، في المجتمعات الغربية.
الخطاب المعرفي
مررت الكاتبة معارف طبية حول متلازمة "كليرامبو". وتتبعت تطور مراحلها، وأسبابها، والظروف المحيطة بالمصابين بها. فسماتهم تتنوع بين إنكار مرضهم، تشوشهم، وتوهمهم ما لا يحدث، وإمعانهم في تتبع كل ما يتصل بضحاياهم، فضلاً عما يهاجمهم من نوبات التوتر، والغضب، والقلق. وخدمت هذه المعارف القضية الرئيسة للنص، وقادت بدورها إلى أنواع أخرى من أمراض النفس، وأعطابها. وعبر هذا الإبحار في سيكولوجية الشخوص، اكتسى السرد بصبغة نفسية، عززها صوت البطل كراوٍ غير موثوق به، دفع به خلله النفسي؛ لاستقبال الأحداث على نحو غير واقعي. فبينما كان نسيان ميركل وجود زوجها في السيارة أثناء تكريم الرئيس الأميركي أوباما لها؛ نابعاً من عدم اعتيادها مرافقته في زياراتها الرسمية، استقبل "يونس" الأمر، على نحو يتسق مع مرضه، فتوهم أنها تؤكد له عبر رسائل مشفرة، أن زوجها لا يعنيها. كذلك اعتبر أن احتفالها بمرور 27 عاماً على وحدة ألمانيا، هو رسالة مشفرة؛ تعني تهنئته بعيد ميلاده السابع والعشرين.
كذلك تضمن السرد الكثير من المعارف، حول المستشارة الألمانية السابقة، شملت حياتها، ونشأتها، وزيجتيها، ومسارها العلمي، وكذا مسارها السياسي، منذ تقلدها منصب وزيرة المرأة والشباب في حكومة هلموت كول، إلى أن أصبحت مستشارة ألمانيا لأربع دورات متتالية. وتطرقت الكاتبة لما تعرضت له ميركل – على رغم شعبيتها- من انتقادات، صُوبت في أغلب الأحيان نحو مظهرها: "قالوا إني أبدو إلى جانب محتضني هلموت كول مثل تلك القريبة الفقيرة القادمة من الأرياف" ص25. وأبرزت عبر تلك الانتقادات نزعة ذكورية كامنة، تهيمن حتى على عقول الغربيين، وتحصر المرأة داخل حدود الجسد والمظهر، وتشكك في قدرتها على الحكم والإدارة. غير أنها مررت في الوقت نفسه انحيازاً لهذا الغرب، الذي أثمر نضال المرأة فيه -رغم بقايا ذكورية عالقة- واقعاً يسمح للنساء بممارسة كافة حقوقهن، لا سيما السياسية، فضلاً عما يتسم به من شفافية، وحرية تسمح بانتقاد السلطة ومحاسبتها