Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العهد: قصة موسى"... مسلسل يتلاعب بالرواية التاريخية

حلقات ثلاث تستعرض حياة النبي بدءاً من الطفولة مروراً بحياته في البلاط الفرعوني والتكليف بالرسالة وتحرير قومه

مشهد من العمل (نتفليكس)

ملخص

القصة مستندة إلى التأويلات من التوراة وتحديداً سفر الخروج والتثنية، من دون أية مراعاة لقصة النبي وفق ما ورد في القرآن الكريم

ثمة خلط في المسلسلات التاريخية، ما بين الواقعي والمتخيل. ويعود ذلك لأسباب عدة، أهمها إضافة أحداث إلى الرواية الحقيقية، لزيادة جرعتي الإثارة والتشويق في العمل وجذب المشاهد، خصوصاً أن بعض القصص قد تكون مهمة، لكنها بحاجة إلى بعض الأكشن.

ومنذ انطلاقة منصة البث التدفقي "نتفليكس"، تعمد إلى الغوص في أحداث تاريخية عبر الدراما أو الوثائقيات، خصوصاً أن هذا النوع من الأعمال يحقق نسب مشاهدة عالية بسبب الإنتاج الضخم وتميز الفكرة، وحب الاطلاع لدى المشاهد على حقبات مضت.

لكن هذا التوجه نتج منه عديد من الأخطاء، لأن كتاب السيناريو يعتمدون في عملهم على الموروث الفني، من دون الرجوع إلى الوثائق الأصلية أو الاستعانة بمؤرخين.

والأمثلة كثيرة على ذلك، منها الجدال الذي حصل على مسلسل "التاج" حول تاريخ العائلة الملكية في بريطانيا، إذ كان جزءاً كبيراً من سيناريو العمل من وحي الخيال، وليس من المفاجئ أن مصادر مقربة من أفراد العائلة الملكية أصدرت تصريحاتها على الصفحات الأولى لوسائل الإعلام للتعبير عن غضب العائلة تجاه المسلسل.

وتضمن العمل عديداً من المعطيات الخاطئة الأخرى التي كان الهدف منها تحريف تاريخ حزب المحافظين، على سبيل المثال لا الحصر، أن نائب مايكل فاغان كان يدعى ريتشارد هاستينغز، بينما كان في الواقع جون غرانت، وهو عضو برلماني عن حزب العمل انضم إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي عام 1981.

في المقابل تكرر الأمر مع "كليوباترا" الذي عرض أخيراً، وأورد موقع شبكة "سي بي إس" الأميركية، أن منصة "نتفليكس" لم تلتزم الدقة في عرض التاريخ المصري القديم بسلسلتها الوثائقية التي أنتجتها من الملكة. إذ قدمت "شيئاً من الخيال" وليس "عرضاً وثائقياً" عن الملكة الشهيرة، بعد أن أظهرتها ببشرة سمراء داكنة للغاية، في محاولة جديدة للسطو على هوية الحضارة المصرية القديمة، وإلصاقها بالأفارقة. واستدعى ذلك رداً رسمياً من وزارة السياحة المصرية، إذ أكدت أن "الملكة كليوباترا تتمتع ببشرة فاتحة وملامح هلنستية".

لم يتوقف الأمر عند ذلك، فتكرر الأمر مع فيلم "الملاك" الذي يروي القصة الحقيقية لأشرف مروان صهر الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، والمستشار الخاص وموضع ثقة خلفه أنور السادات، وهو  واحد من أبرز وأهم جواسيس إسرائيل في القرن الـ20.

 

 

ومن الأدوار التي لعبها مروان، التحذير الذي أدى إلى تعبئة طارئة للقوات الإسرائيلية مما سمح لها بالاستعداد نوعاً ما لمواجهة الهجوم المفاجئ من القوات المصرية وحال دون فقدان إسرائيل للجولان وأراض أخرى. وكانت مصر ردت على تلك المزاعم بالتأكيد على أن مروان كان عميلاً مزدوجاً عمل على خداع إسرائيل.

قصة النبي موسى

آخر الاخفاقات التي ارتكبتها "نتفليكس"، ورد في المسلسل الوثائقي الذي بدأ عرضه أخيراً على المنصة "العهد: قصة موسى" (Testament: The Story of Moses)، للمخرج والكاتب البريطاني بنيامين روس، وهو من إنتاج تركي، صور في المغرب باللغة الإنجليزية.

يتكون العمل من حلقات ثلاث بعنوان "النبي" و"العقاب" و"الأرض المعهودة"، ويستعرض حياة النبي موسى بدءاً من الطفولة في المهد، مروراً بحياته في البلاط الفرعوني، ومن ثم حادثة القتل التي اضطرته إلى الهرب، لتبدأ بعدها رحلة النبوة والتكليف بالرسالة وتحرير قومه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونوهت المنصة إلى أن المسلسل عبارة عن رؤية استكشافية لقصة موسى والخروج، بناء على دمج آراء علماء دين ومؤرخين من مختلف الديانات والثقافات، كما ذكرت أن مساهمتهم تهدف إلى إثراء عملية السرد ولكن لا ينبغي اعتبارها رواية متفق عليها.

وشارك في الوثائقي الدكتورة سيلين إبراهيم، أميركية الجنسية ومؤلفة كتاب «النساء ونوع الجنس في القرآن»، والدكتورة المصرية مونيكا حنا، أستاذة مساعدة في كلية الآثار والتراث الثقافي في أسوان، والدكتور شادي ناصر، أستاذ مشارك في لغة وحضارة الشرق في جامعة هارفارد، والأسقف أندي ليوتر، مؤرخ وحاصل على زمالة الكنيسة المعمدانية، والحاخام موريس هاريس وتوم كانغ، قس كنيسة نيوستوري والمؤلف جوناثان كيرش. وبحسب ما تزعم المنصة أن المسلسل يستند إلى ما ذكر في كل من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم.

 

 

يمكن القول إن القصة مستندة إلى التأويلات من التوراة وتحديداً سفر الخروج والتثنية، من دون أية مراعاة لقصة النبي وفق ما ورد في القرآن الكريم، ويظهر ذلك بالضيوف الذي استضافهم المسلسل للحديث عن القصة، وهنا السؤال لم لم تتم الاستعانة برجل دين مسلم، هل كان ذلك سيغير مجرى السيناريو مثلاً؟

من خلال بحث بسيط عبر الإنترنت، يظهر أن النبي موسى ذكر في القرآن الكريم 136 مرة، وهي معلومة متوفرة مع ذكر الآيات، وثمة آيات توضح حقيقة بني إسرائيل، وكيف عاقبهم الله بالتشتت في الأرض.

لذلك تجاهل هذه الجزئية أوقع العمل في فخ اللاموضوعية وعدم الحياد، وسماع القصة من جانب واحد، علماً أن بداية العمل تفيد بأنه يعتمد على الكتب السماوية الثلاث، لكن ذلك مجرد جملة ذكرت في البداية ولا وجود لها في السياق الدرامي.

أخطاء

وتكر سبحة المغالطات في العمل، إذ تقدم المرأة التي التقطت موسى الرضيع من نهر النيل على أنها شقيقة الفرعون، في حين أن الرواية الإسلامية تفيد بأنها زوجته وهي السيدة آسية بنت مزاحم.

ومن ضمن المشاهد الجدلية، وجود الفرعون رمسيس الثاني في العمل، إذ لم يؤكد عديد من المراجع التاريخية هذه المعلومة، وهي موضع جدل كبير، خصوصاً أن جثة رمسيس الثاني موجودة في المتحف المصري، مما يدل على أنه لم يمت غرقاً، كما يرد في القصة.

 

 

والملاحظ أن ثمة فوارق ما بين القصة المروية بالصوت من المختصين والمدعومة بالاستشهادات، وما بين القصة الدرامية المصورة، وكأننا نتكلم عن قصتين مختلفتين، مع اختلافات ما بين المشاهد في قصر الفرعون وبين اللقطات المصورة في الصحراء.

واتسمت المشاهد التي جمعت الفرعون (التركي محمد قورتولوش) والنبي موسى (الإسرائيلي آفي أزولاي) بالحركة والمنافسة، مما ساعد في كسر رتابة مشاهدهما في بقية العمل.

في المقابل لم يقدم العمل جديداً عن القصة المعروفة، وبدا كأنه أشبه بفيلم تعليمي، وكان يجب الغوص أكثر في تفاصيل الصراع بين الفرعون والنبي موسى، خصوصاً أنه ليس صراعاً بين شخصين، بل دينين جديدين ومفاهيم جديدة.

 

 

من جهة ثانية قدم العمل شخصية النبي موسى على أنها ضعيفة ومنفعلة وسريعة الغضب، مصوراً الضياع الذي رافقها خصوصاً بعد انقطاع الوحي قبل صعوده إلى الجبل وتلقي الوصايا الـ10. وركز صناع العمل على الطريقة غير اللائقة التي يتكلم بها النبي مع ربه، في حين أبرز دور المرأة بشكل كبير خصوصاً في المواقف الحرجة.

النبي في السينما

هي ليست المرة الأولى التي يتناول فيها قصة النبي موسى سينمائياً، ففي عام 1956، قدم المخرج الأميركي سيسيل بي. ديميل فيلمه "الوصايا الـ10" (The Ten Commandments)، وهو عمل ملحمي تاريخي من تمثيل شارلتون هيستون ويول براينر وآن باكستر وإدوارد روبنسون وإيفون دي كارلو وديبرا باجيت وفرانك لاكتين. ويروي قصة الأمير المصري الذي تبنته أسرة فرعون حتى أصبح المخلص لأهله الأصليين وهم العبيد العبرانيون. ومن ثم خروج شعب إسرائيل من مصر وقصة التيه، وتلقي النبي موسى الوصايا الـ10 من ربه عند طور سيناء.

كما قدم المخرج البريطاني ريدلي سكوت عام 2014 فيلمه "الخروج: آلهة وملوك" (Exodus: Gods and Kings) الذي أثار ضجة بمجرد إعلان تفاصيله، إذ إنه يتحدث عن شخصية النبي موسى.

منع عرض الفيلم في عدد من الدول العربية، خصوصاً بعد تصريحات أدلى بها بطل العمل كريستيان بيل وتطاوله على النبي، وتصريحات المخرج الذي قال إنه صور معجزة شق البحر على أنها حدثت نتيجة زلزال، وليست معجزة إلهية وهو ما يتنافى مع المعتقدات الإسلامية.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون