ملخص
يتجاوز الفنان نورس عثمان التصنيفات الكلاسيكية في عرضه "متوالية"، فاشتغل ضد الفهم التقليدي لفن الرقص، ومضى إلى تحرير أجساد راقصيه من القوالب المدرسية، مبتعداً من القصة البسيطة، أو ما يسمى بـ"الحكاية اللطيفة" على نحو "كسارة البندق" و"الجميلة النائمة". الكوريغراف الفلسطيني استوحى في تجربته الجديدة "مسرح سعد الله ونوس" مواضيعه من يوميات راقصيه، ومضى إلى المزج بين الرقص والمسرح الجسدي، وذلك ضمن سياق معاصر، فألغى عثمان حذاء الباليه- الـ«point»، وفرد شعور راقصيه متحرراً من الصورة النمطية لراقص الكلاسيك، واستغنى عن الكولون الزهري لراقص "بحيرة البجع"، وابتعد من كل مفردات اللباس التقليدية لرقص الباليه، وأبرزها التنانير البيضاء التي كانت من روح الرقص الأرستقراطي.
خلال 65 دقيقة، أبرز عرض "متوالية" حالة الاغتراب الحاد لجيل الشباب السوري عن محيطهم، والقطيعة التي يعيشها هؤلاء مع أفكار الآباء والأجداد. وهو ما بدا واضحاً في تقسيم الجمل الحركية للراقصين، التي جسدتها متتاليات أقرب إلى لعبة الدومينو، فكل جسد يهوي تتساقط على إثره أجساد لا نهاية لها ولا لسقوطها. هذه الحركة الدائرية توضحت أكثر فأكثر في الغنى الحركي للعرض، وكان جلياً إلى حد بعيد حرية الارتجال في صياغة صراع خفي بين الجسد ورغباته. الجسد كما قدمه عثمان هنا بحضوره العضلي والنفسي لم يترك مسافة أيضاً بين الفعل ورد الفعل، بل واظب المؤدون على إبراز تلك التورمات العميقة في النفس البشرية، والانتقال من سكونية ورضوخ للسائد إلى مجابهة مع قيم غيبية وسياسية وقبلية، وأبرز تجليات ذلك جاء في لوحة الإنسان المختلف، والضريبة التي يجب أن يدفعها لقاء اختلافه.
ضريبة الاختلاف هذه تماشت مع تصدير جماليات الجسد، أتى ذلك ضمن صراع درامي مع القيم البالية، إذ كان واضحاً في مفاصل العرض أن هناك دراسة لكل حركة، بل يمكن القول إن "متوالية" جازف في إطلاق العنان لمخيلة جماعية نسجت رسمها الحركي بأناة ودربة، فكل شيء كان مدروساً ومنوطاً على نحو لافت، وهذا ما تجلى في نسف المخرج للمسافة التقليدية بين الراقصين، وبناء علاقات حركية مبتكرة في ما بينهم، سواء في ثنائيات أم ثلاثيات راقصة، أم على شكل كورال جماعي يتحرك كجسد واحد. اشتغال عثمان على التلامس الجسدي المعتمد على القوة العضلية عند الراقص الرجل، لم يعول على مراكز ثقل الجسد، بقدر ما اعتمد على دراسة تشريحية لهذا الجسد، وسلامة البناء العضلي للراقص من خلال فهمه لجسده.
وعكس "متوالية" في لوحاته انسجاماً بين الراقص ومفكرته الشخصية، هكذا أمسى الرقص نوعاً من السرد الذاتي، وتماهياً غير محدود بين الشخصي والموضوعي. حدث ذلك عبر الاعتناء بوقفات الصمت، وبالتركيز على بوح الجسد عن مكنوناته وحميمياته. خصوصية أسبغت على هذه التجربة مذاقاً مختلفاً، وأتاحت مساحة للتعبير عن سمات الجسد المشرقي، وما يعتري هذا الجسد من نوبات أقرب إلى نوبات الصرع والجنون. الحرب أيضاً حضرت في هذا التوليف الدرامي الراقص. ومن دون مواربة كان بإمكان هذا اللعب الحر مع المخيلة إطلاق صرخات مكبوتة، وتحرير طاقات جوانية للمؤدي. معادلة لم يكن من السهولة بمكان إنجازها إلا بالدخول إلى عوالم الراقصين، والسعي إلى ما يشبه تدوين أحلامهم، وصياغة هذه الأحلام على هيئة اعترافات جريئة بدواخل النفس ولواعجها.
رقص متحرر
ومثلما حرر مخرج "متوالية" الجسد تماماً من الأصول التقليدية للرقص في عرضه، انتهج أفكاراً أكثر عمقاً، وراهن الأداء الجماعي لـ14 راقصاً وراقصة على تقديم مواضيع إنسانية صرفة، فخرج العرض عن سياق القصة ذات النهايات السعيدة. هذا الانقلاب على مدارس فن الرقص قابله اشتغال على العالم الداخلي للمؤدين والمؤديات، فلم يقدم العرض السوري مبالغة في طريقة إظهار المشاعر، ولا سيما في تعابير الوجه، وإنما قلصت حركة الراقص لتصبح أقرب إلى حركات يومية محضة، بهذا الفهم للرقص كأداء درامي صامت تخطى عدد من سمات الرقص التعبيري القديم نحو انفتاح على مدارس وصيحات الرقص المعاصر.
أفاد العرض من أسلوبية مزجت الحركة مع التمثيل، هذا النوع من الأداء اعتمد على ارتجالات حركية كاتجاه خالص بحد ذاته، إذ إن نورس عثمان لم يركن في تصميمه للعرض على علاقات حركية متماثلة بين راقصيه، بقدر ما اتكأ على فهم عميق لتشريح الجسد وآليات المشاركة مع الراقص الشريك. أي كيف يستطيع أن يوزع الراقص وزنه على وزن شركائه. طبعاً يمكن اقتفاء كثير من مهارات التجريب التي قدمها "متوالية" لفهم مواطن ثقل الجسد وكتلته، وبالتالي نقلها إلى الجمهور كحركة انسيابية لا قطع فيها، إلا أن ذلك لا يعني أن جنس الراقص الشريك أو طوله ووزنه له علاقة في إبراز هذه المهارات، بل تطلب الأمر حساسية عالية لالتقاط إشارات الشريك على الخشبة، وبالتالي مدى تأثير هذا الشريك في بناء الحركة سلباً أم إيجابياً.
وابتعد العرض من الإبهار الجسدي، وواكب بعناية عوالم راقصيه وأحلام يقظتهم. لم يكن هذا خياراً فنياً بقدر ما كان آليات مركبة أكملت جماليتها في حركة لولبية، وحاول مصممها أن تتسم باللطف والرهافة والقرب من المتلقي. معاناة إنسان الحروب ورغبته في الهرب من الواقع تجسدت أيضاً من دون الحاجة إلى تظاهر مادي أنثوي من جهة، ولا إلى استعراض عضلي ذكوري من جهة أخرى. لقد ساندت السينوغرافيا (غيث المرزوقي) في إبرام هذه المتوالية الجسدية، فاقتصرت على خشبة شبه فارغة، مع العمل على إغناء خلفية المسرح. توظيف الإضاءة (عمار الحامض) ساهم إلى حد بعيد في نحت الجسد الراقص وإضفاء أبعاد جمالية لحضوره على الخشبة. يمكن الإشادة هنا بمنابع الضوء والتنويع عليها بين مقدمة الخشبة وجانبيها، والعمل على الخلفيات الزرقاء الباردة لتعزيز مشاعر الاغتراب والعزلة التي طرحها العرض.
وينضم عرض "متوالية" اليوم إلى عشرات العروض التي قدمتها فرقة "مختبر دمشق للرقص المعاصر"، وهي تجارب لم تركن إلى نسق واحد من الأداء، بل راهن مصمموها على فصاحة الجسد، وعلى هجرة رقص الصالونات، فلا حضور هنا لرقصات كالتانغو والسالسا والفالس والرقص الشرقي، إنما هي رغبة في تصدير مسرح لجسد بأبعاد إنسانية. مسرح يراهن على تحطيم المقولات الكبرى لصالح الانتصار لهموم الفرد اليومية. واكب ذلك الاستغناء عن عناصر التزيين والديكورات الضخمة، والابتعاد من عناصر الزركشة والتزيين، والخلاص إلى "متوالية" من الغضب والصراخ في وجه الحرب والموت والقتل العبثي.