ملخص
ترك ترمب شركاء أميركا في موقف صعب، إذ إن انتقاد الولايات المتحدة هو الملاذ الأخير للعديد من قادة العالم، وحينما يحدث ذلك في وقت مبكر من فترة الرئاسة، يصبح الأمر محفوفاً بالمخاطر، بخاصة أن إدارة ترمب تمتلك غريزةً وشهيةً للتخريب، بحسب ما يقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية، جون ألترمان، الذي يشغل حالياً منصب مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن
بعد ثلاثة أسابيع فقط من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية، تحولت نظرة الترقب والكلمات الدافئة العلنية من حلفاء أميركا حول العالم إلى صمت وذهول مصحوب بمشاعر من القلق والإحباط إزاء الضجيج والمواقف الغريبة التي يجلبها البيت الأبيض تقريباً كل يوم بدءاً من مواقفه حيال كندا والمكسيك مروراً بقناة بنما وانتهاء بغزة، فيما يشعر كثير من الأميركيين في الداخل وكأنهم يعيشون في بلد تغير بشكل لا رجعة فيه تحت وطأة سيل من الأوامر التنفيذية التي استهدفت المهاجرين غير الشرعيين، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وعدد من الوزارات مثل العدل والطاقة والدفاع والخزانة والعديد من الوكالات الفيدرالية الأخرى، فهل انطفأ الوهج الذي رافق ترمب حينما تم تنصيبه؟ وما المفاجآت التي يمكن أن تحملها سياساته الداخلية والخارجية؟
الأكثر استفزازاً
منذ تنصيبه في 20 يناير (كانون الثاني)، استمتع ترمب بسيل من الكلمات الدافئة، وانتقادات نادرة من زعماء أوروبا والدول الأنغلوسكسونية وحلفائه الآخرين حول العالم، الذين قد يبدون انزعاجهم في السر من أسلوبه الفج في الحكم والكلام الصاخب الذي يجلبه إلى البيت الأبيض. لكن أصدقاء أميركا لم يتمكنوا من الصبر طويلاً على عقد ألسنتهم، وتحطم جدار الصمت الأسبوع الماضي بعد أن أطلق ترمب فكرته الأكثر استفزازاً في السياسة الخارجية حتى الآن، وهي وضع غزة تحت السيطرة الأميركية، ونقل سكانها الفلسطينيين، وإعادة تطوير القطاع ليكون "ريفييرا" الشرق الأوسط، بحسب وصفه عقب لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو لا يزال يكرره في أحاديثه مع الصحافيين مع بعض التعديلات التي يضيفها بين حين وآخر.
ومع ذلك، بدا الاقتراح وكأنه يمزق في لحظة عقوداً من السياسات الأميركية والغربية الثابتة حيال الشرق الأوسط، ويبتعد عن نموذج حل الدولتين الذي ظل راسخاً لفترة طويلة، ما جعل الدول تسارع إلى رفض الاقتراح، والتعبير عن عدم التصديق والقلق بشأن التأثير الذي قد تخلفه الدعوة على الجهود الدبلوماسية لوقف إطلاق النار الجاري ومفاوضات الرهائن بين إسرائيل وحركة "حماس"، بينما أعرب الفلسطينيون عن فزعهم إزاء احتمال مغادرة وطنهم.
موقف صعب
ومع ذلك، ترك ترمب شركاء أميركا في موقف صعب، إذ إن انتقاد الولايات المتحدة هو الملاذ الأخير للعديد من قادة العالم، وحينما يحدث ذلك في وقت مبكر من فترة الرئاسة يصبح الأمر محفوفاً بالمخاطر خاصة وأن إدارة ترمب تمتلك غريزة وشهية للتخريب بحسب ما يقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية جون ألترمان الذي يشغل حالياً مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
ولأن حلفاء أميركا مذهولون، لأنهم لم يتوقعوا ما يرونه الآن من الإدارة الأميركية، فمن المتوقع أن يجروا وخصوصاً في أوروبا، بحثاً أعمق كثيراً في النفس حول الكيفية التي يريدون بها التعامل مع الولايات المتحدة، التي أصبحت أكثر انغماساً في ذاتها، وأقل التزاماً بدعم النظام المتعدد الأطراف القائم على احترام القواعد الدولية، الذي أسسته عقب الحرب العالمية الثانية.
ترمب ضد أوروبا
ولعل تاريخ ترمب من التدخلات الجيوسياسية العشوائية حول العالم يزيد من فرص عزل الولايات المتحدة أيديولوجياً شيئاً فشيئاً بين حلفائها العالميين، بما في ذلك هوسه بشراء غرينلاند الذي يجعل الأوروبيين يشعرون بعدم الارتياح، والدنمارك تبحر في مياه مضطربة بشأن المستقبل السياسي للجزيرة.
ومع إشاراته المتكررة إلى الاستحواذ على الجزيرة، كان ترمب يضفي الشرعية على فكرة أنه يمكن استخدام الإكراه لتغيير الحدود الأوروبية، وما يجعل الأمر محيراً للغاية هو أنه يفعل ذلك بصفته زعيم التحالف الرئيس، حلف شمال الأطلسي، الذي من المفترض أن يحمي أمن أوروبا، وهذا وحده يجعلها القضية الأكثر تحدياً على الطاولة الدبلوماسية لأن الأوروبيين أصبحوا أكثر قلقاً بشأن رؤية ترمب لغرينلاند من حرب روسيا وأوكرانيا.
وإذا كانت تصريحات ترمب بشأن غرينلاند أو غزة تأتي في سياق فن الصفقة، كما يصفها أنصاره، فإن أغلب حلفاء الولايات المتحدة الغربيين عالقون في مأزق، إذ تتوخى أغلب الدول الغربية الحذر إزاء عدم القدرة على التنبؤ الذي يجلبه ترمب إلى البيت الأبيض، على رغم أنها كانت أكثر استعداداً لفوزه الثاني في الانتخابات مقارنةً بفوزه الأول.
عزلة أميركا
ولكن إذا كانت خطة ترمب هي فك الجمود الدبلوماسي المستعصي، فإن هذا يأتي مع أخطار لن يرحب بها حلفاء أميركا، لأنه عندما يذوب الجمود، يمكن إطلاق العنان لقوى أكثر سلبية مما يمكن حتى التفكير فيه، ومن بين هذه القوى العزلة الأميركية بشأن القضايا العالمية التي من شأنها أن تخلق فراغاً في القيادة الدولية، إذ من المتوقع أن تشعر العديد من البلدان بأنها بحاجة إلى علاقة مختلفة مع روسيا والصين حتى ولو بشكل جزئي كي لا تعتمد على الولايات المتحدة، فضلاً عن أنها قد لا ترى فوائد أخلاقية يمكن أن تترتب على إقامة علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة.
ويتزايد هذا الخطر في سياق تحركات ترمب الخارجية، ليس فقط عبر انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقات ومنظمات دولية مثل اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان، وإنما أيضاً لمعاقبة وتفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والتي يمثل نشاطها استثماراً استراتيجياً عالمياً ووسيلة مهمة لدعم أصدقاء أميركا وتوسيع نفوذها العالمي.
ولن يكون هذا هو آخر قطيعة جيوسياسية بين ترمب وأوروبا، فالعديد من الناس يتطلعون بالفعل إلى المفاوضات المحتملة لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا باهتمام، حيث اقترح ترمب في السابق التنازل عن الأراضي الأوكرانية لموسكو، وكان المسؤولون في دول حلف شمال الأطلسي يخشون منذ فترة طويلة أن يكشف علناً عن مقترح يترك كييف والعواصم الأوروبية في حالة من الفوضى.
وربما يحاول ترمب وفريقه تبديد هذه المخاوف الأسبوع المقبل، عندما يسافر العديد من كبار مسؤوليه مثل وزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جيه دي فانس إلى مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا، قبل عقد القمة التي أعلن عنها ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قريباً.
طموحات إمبريالية
لكن الرئيس الأميركي الـ47 لم يتوقف عند حدود أوروبا، بل ذهب إلى تطلعاتٍ يتعامل معها البعض على أنها مجرد مزحة أو حيلة تفاوضية عندما يتحدث بشكل متكرر عن ضم كندا إلى الولايات المتحدة. وهو ما أوضحه رئيس الوزراء الكندي، جاستين ترودو، بأن ترمب جاد في هذه المسألة، وأنه ربما يطمح في الحصول على المعادن النفيسة الكندية وثرواتها الضخمة، الأمر الذي عكسته أيضاً تعليقات غامضة لترمب في مكالمته الهاتفية الأسبوع الماضي مع ترودو حول قراءته لمعاهدة عام 1908 التي تحدد الحدود بين كندا والولايات المتحدة، والتي وجدها مثيرة للاهتمام من دون توضيح.
وبصرف النظر عن أن المقترح لا يحظى بشعبية في البلدين وتواجهه حواجز ضخمة مما يصعب إمكانية الموافقة عليه في الكونغرس الأميركي والبرلمان الكندي، إلا أن هناك أدلة كافية للاشتباه في أن ترمب لم يعد راضياً عن وضعه الحالي كرئيس للولايات المتحدة لمدة فترتين وأن لديه طموحات إمبريالية كما يشير الأستاذ في جامعة نورث وسترن دانييل إيمروار، المتخصص في الإمبراطوريات والذي لا يستبعد أن يكون ترمب جاداً.
ويعني ذلك أن الرئيس الأميركي لا يسعى إلى أقل من العودة إلى النظام العالمي الذي كان موجوداً قبل الحرب العالمية الثانية، ومن هذا المنظور، سيكون العالم الذي كانت الولايات المتحدة تخفي فيه قوتها الصلبة وتستخدم أدوات القوة الناعمة مثل التجارة والمساعدات والمؤسسات العالمية لممارسة نفوذها الهائل وتحقيق النتائج المرجوة قد انتهى تماماً، وسيكون هذا بمثابة عودة إلى عالم تهدد فيه القوى العظمى أراضي جيرانها مثلما رأينا الصين وروسيا تفعلان خلال السنوات الأخيرة، والآن تنضم إليهما علناً الولايات المتحدة.
ولأن فكرة ضم أراضي نصف الكرة الغربي إلى الولايات المتحدة الأميركية تعود إلى القرن التاسع عشر ومبدأ مونرو، كما أشار ترمب في خطاب تنصيبه بالحديث عن توسيع الولايات المتحدة، فإن ما يفعله ترمب لا يزال لحظة فاصلة في تاريخ أميركا كما يقول ستيفن ويرثيم، محلل السياسة والاستراتيجية الأميركية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، لأنه إذا لم يكن ترمب يستخدم تهديدات الضم كمجرد حيل تفاوضية، فلا شك أن العالم في منطقة مجهولة إلى حد كبير.
نهاية شهر العسل
غير أن تهديدات ترمب بشأن الاستحواذ على قناة بنما بدت تكتيكاً سياسياً فعالاً من ترمب، حيث انتهت الحملة التصعيدية على ما يبدو بموافقة بنما على خروجها من مبادرة الحزام والطريق الصينية وعدم تحصيل رسوم من السفن الحربية الأميركية التي تمر عبر القناة، ومع ذلك كان من الممكن أن تتم هذه التفاهمات من دون استخدام أسلوب ترمب الذي يعتمد على الإكراه والذي من شأنه أن ينفر الحلفاء من الاستمرار في الصداقة مع الولايات المتحدة على المدى البعيد، وهو ما تشير إليه أزمة ترحيل المهاجرين إلى كولومبيا عقب تولي ترمب السلطة على رغم أن كولومبيا من أقرب حلفاء الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.
ويبدو أن شهر العسل العالمي لترمب قد انتهى في أكثر من قضية، وإذا كانت الدول الحليفة للولايات المتحدة بحاجة إلى تذكير بالاضطرابات التي يمكن أن يحدثها ترمب في الشؤون العالمية، فقد حصلت عليها، وكما يقول ألترمان "حاولت إدارة جو بايدن جاهدة أن تكون موثوقة ويمكن التنبؤ بها على الساحة العالمية، لكن إدارة دونالد ترمب لديها غريزة معاكسة تماماً".
الزعيم المطلق
وحتى على الصعيد الداخلي، وقّع ترمب منذ تنصيبه في 20 يناير (كانون الثاني)، عدداً قياسياً من الأوامر التنفيذية التي بدأت في إعادة تشكيل البلاد عبر إلغاء السياسات القديمة لعكس المسار الذي حدده الرئيس السابق جو بايدن، ويشير هذا العدد من الأوامر التنفيذية، غير المسبوق في العصر الحديث، إلى مجموعة أوسع من الإجراءات الشاملة التي تهدف إلى تفكيك الوزارات والمؤسسات والوكالات القائمة بسرعة مع إنشاء إطار حكم يتماشى مع أجندة ترمب وقاعدته الشعبوية.
لكن هذه الإجراءات تخدم غرضاً آخر أيضاً وهو تعزيز صورة ترمب باعتباره الشخص الذي لا غنى عنه في السلطة، والزعيم المطلق، ومن خلال التصرف بشكل أحادي الجانب، يجسد الصفات الأساسية للرجل القوي التي يرغب بها الكثيرون في قاعدته الشعبوية، كما يوضح ويليام هاويل، أستاذ العلوم السياسية والسياسة العامة في جامعة جونز هوبكنز.
وبهذا، بدأت هذه الإجراءات بالفعل في اختبار الدرجة التي يمكن بها استخدام السلطة التنفيذية غير المقيدة لتحدي المعايير المؤسسية القائمة والضوابط والتوازنات في الحكومة، غير أن هذه التصرفات أثارت في الوقت نفسه ارتباكاً واسعاً داخل الحكومة وعدداً متزايداً من التحديات القانونية من المعارضة والمجتمع المدني، وشمل ذلك منح الملياردير إيلون ماسك مسؤول لجنة الكفاءة الحكومية، الضوء الأخضر لشن حملة غير مسبوقة للوصول إلى المعلومات الحساسة في وزارات مثل الطاقة والخزانة والدفاع والتعليم والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في واشنطن وبدأت معه سلسلة من أحكام القضاء التي تعطل تنفيذ الوصول إلى هذه الوزارات والوكالات الفيدرالية.
ومن المرجح أن تختبر المعارك المقبلة علاقة ترمب بالغالبية الجمهورية الجديدة، والنظام القضائي الذي ساعد في تشكيله خلال ولايته الأولى وكذلك مع الجمهور الأوسع، وإذا كانت شعبية ترمب سجلت في الأيام الأولى من حكمه 53 في المئة، فسوف تكشف الأيام المقبلة عما إذا كان وهجه قد انطفأ في الداخل مثلما انطفأ في الخارج أم لا.