ملخص
بلغت صادرات القارة إلى الولايات المتحدة 49 مليار دولار في 2024، منها 39.5 مليار دولار لدول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بحسب مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، ويبلغ العجز التجاري الأميركي مع أفريقيا 7.4 مليار دولار، وهذا قليل مقارنة بمناطق أخرى من العالم
ستخضع المنتجات الأفريقية المصدرة إلى الولايات المتحدة بداية من اليوم الأربعاء لرسوم جمركية إضافية تتراوح بين 10 في المئة و50 في المئة وهي متفاوتة تختلف وفق الدولة الأفريقية المستهدفة، وذلك بعد أن أعلنت إدارة ترمب عن رسوم جمركية جديدة تطبق على المنتجات المستوردة إلى الولايات المتحدة، مع فرض ضريبة بحد أدنى في حدود 10 في المئة على جميع المنتجات التي تدخل الولايات المتحدة ورسوم جمركية أعلى بكثير للعديد من البلدان.
وينتظر أن يشكل ذلك زلزالاً حقيقياً للاقتصاد العالمي، الذي تطور منذ الحرب العالمية الثانية على أساس التجارة الحرة، وبالتحديد للبلدان ذات الاقتصادات الهشة مثل بلدان أفريقيا جنوب الصحراء.
ويتذرع الرئيس الأميركي بإجراءات متبادلة، معتبراً أن بلاده مظلومة منذ أعوام على يد حلفائها ومنافسيها الذين يطبقون إجراءات حمائية تضر بالصادرات الأميركية.
وبهذا الإعلان، المسمى "يوم التحرير"، يعتزم ترمب وضع حد لـ"عقود من الانتهاكات التجارية" وفق عبارته، لكن الأمر يتعلق هنا ببلدان أفريقية أنهكتها الأزمات والحروب والأوبئة.
إنها الولايات المتحدة ضد بقية العالم الذي لم تستثن منه الضعفاء من بلدان جنوب الصحراء الذين يتلمسون طريقهم إلى التنمية المحلية من طريق صادرات هي بالأساس أغذية مع بعض المواد الصناعية الفتية.
3 في المئة من التجارة العالمية
لا تمثل أفريقيا سوى ثلاثة في المئة من التجارة العالمية، لذا فإن مكانتها في التجارة مع الولايات المتحدة تظل بالضرورة محدودة للغاية.
وبلغت صادرات القارة إلى الولايات المتحدة 49 مليار دولار في 2024، منها 39.5 مليار دولار لدول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بحسب مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، ويبلغ العجز التجاري الأميركي مع أفريقيا 7.4 مليار دولار، وهذا قليل مقارنة بمناطق أخرى من العالم.
وللمقارنة يبلغ هذا العجز مع الاتحاد الأوروبي 157 مليار دولار عام 2023 للسلع وفائض 109 مليارات دولارات للخدمات التي غالباً ما تنسى الإدارة الأميركية تحديدها.
وتصدر القارة الأفريقية إلى الولايات المتحدة بصورة أساسية النفط الخام بقيمة 7.3 مليار دولار، والمعادن والأحجار الكريمة بقيمة 6.9 مليار دولار، والسيارات بـ1.7 مليار دولار، والملابس بـ1.4 مليار دولار.
ليسوتو ومدغشقر الأكثر تضرراً
وستشهد بعض البلدان مثل ليسوتو ومدغشقر فرض رسوم على منتجاتها بنسبة 50 في المئة و47 في المئة على التوالي، مما يطرح التساؤل عن سر استهدافهما من إدارة ترمب.
وفسر المتخصص والأستاذ في جامعة السوربون جان بابتيست فيلوت، ذلك قائلاً "لأن الولايات المتحدة لا تبيع أي شيء هناك!".
وأوضح أن إدارة ترمب، حددت هذه الرسوم الجمركية عن طريق صيغة رياضية معقدة لا تأخذ في الاعتبار مستوى التنمية، فالعامل الرئيس المحدد هو العجز التجاري للولايات المتحدة مقارنة بالدولة المعنية، فمدغشقر التي تصدر كثيراً من مادة الفانيليا إلى الولايات المتحدة سيطر القلق على الصناعة برمتها، التي كان عميلها الأول هو الولايات المتحدة، ولكن واشنطن تستورد القليل في المقابل، ولدى مدغشقر فائض تجاري مع الولايات المتحدة قدره 627 مليون دولار، لذلك هوى عليها فأس الرسوم الجمركية بنسبة 47 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما متوسط الرسوم الذي تفرضها ليسوتو على المنتجات القادمة من الولايات المتحدة فهو في حدود 99 في المئة وهو الأعلى مستوى في العالم، وهي حسابات تبرر تطبيق رسوم جمركية جديدة تصل إلى 50 في المئة من قبل إدارة ترمب، وتصبح بذلك الدولة الأكثر تضرراً.
وينتظر أن يتحول هذا إلى كارثة بالنسبة لهذا البلد الصغير غير الساحلي في جنوب أفريقيا الذي استفاد حتى الآن من اتفاقات أجوا "Agoa" التي سمحت له بالتصدير من دون رسوم جمركية إلى الولايات المتحدة.
وبفضل هذا الاتفاق، طورت البلاد صناعة النسيج التي أصبحت إحدى ركائز اقتصادها، وأصبحت صناعة النسيج أكبر جهة توظيف في البلاد، إذ تضم أكثر من 35 ألف عامل، وهكذا يصدر الجينز المعفي من الضرائب "المصنوع في ليسوتو" إلى الولايات المتحدة.
وأعلن ترمب أمام الكونغرس الأميركي في مارس (آذار) الماضي، وقف المساعدات الأميركية لليسوتو، الدولة التي "لم يسمع عنها أحد" بحسب عبارته.
ليسوتو هو بلد هش للغاية، إذ يعيش واحد من كل أربعة بالغين مصاباً بفيروس نقص المناعة البشرية ولا يزيد دخلها القومي الخام على 2.1 مليار دولار.
مستقبل اتفاق "أغوا"
ويأتي تباعاً بعد ليسوتو ومدغشقر الأكثر تضرراً موريشيوس برسوم في حدود 40 في المئة، وبوتسوانا بـ37 في المئة، وأنغولا بـ32 في المئة وليبيا بـ31 في المئة، ولكن أيضاً الجزائر بـ30 في المئة وجنوب أفريقيا بـ30 في المئة، وتونس بـ28 في المئة في أعلى الدول الأكثر فرضاً للضرائب من قبل إدارة ترمب.
أما الدول الأفريقية الأخرى فرسومها الجمركية تتراوح بين 21 في المئة و10 في المئة، وفرض على ناميبيا وكوديفوار ضريبة 21 في المئة، تليها زيمبابوي بـ18 في المئة، وملاوي بـ17 في المئة، وزامبيا 17 في المئة وموزمبيق 16 في المئة ونيجيريا 14 في المئة، وتشاد 13 في المئة، وغينيا الاستوائية 13 في المئة، إضافة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية والكاميرون 11 في المئة.
وتواجه غالبية الدول الأفريقية رسوماً جمركية في حدود 10 في المئة، وهو المستوى الأدنى الذي تطبقه الولايات المتحدة في سياسة التعريفة الجمركية الجديدة، ومن بينها نجد على سبيل المثال، مصر والمغرب وكينيا وإثيوبيا، السنغال وأوغندا والغابون وتوغو.
وحتى الآن، تستفيد أكثر من 30 دولة من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من اتفاق تجاري وهو "Agoa" قانون النمو والفرص في أفريقيا.
وبفضل هذا الاتفاق، يصدرون معظم منتجاتهم إلى الولايات المتحدة من دون رسوم جمركية ومن دون التزامات المعاملة بالمثل.
وكان الهدف من هذا النظام الذي وضعه بيل كلينتون منذ عام 2000 هو دعم اقتصادهم، واستفاد أكثر من 6500 من المنتجات الأفريقية من هذا الاتفاق، وهكذا، ووصلت الصادرات من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى الولايات المتحدة بموجب نظام "Agoa" إلى 8 مليارات دولار في عام 2024، وفقاً لمركز "أبحاث الكونغرس".
ويبدو الآن مستقبل الاتفاق في مهب الريح، إذ كان من المقرر إعادة التفاوض في شأنه في سبتمبر (أيلول) 2025.
ومع ذلك، يبدو من المرجح أن يحاول ترمب وضع حد لها، حتى لو تطلب ذلك مثوله أمام الكونغرس، لأن هذا الاتفاق يحكمها القانون الفيدرالي.
ومن شأن هذا التحدي أن يعطل اقتصادات الدول الأعضاء، وتشهد جنوب أفريقيا التي استفادت من قانون "Agoa" رسوماً جمركية جديدة بنسبة 30 في المئة، ويرى رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوسا، أن التفاوض على اتفاق تجاري ثنائي جديد أمر ملح. والولايات المتحدة هي ثاني أكبر شريك تجاري لجنوب أفريقيا، بالتالي فإن عشرات الآلاف من فرص العمل أصبحت على المحك، خصوصاً في قطاع السيارات، وهو أحد قطاعات التصدير الرئيسة في جنوب أفريقيا.
وبالنسبة لجميع البلدان المستفيدة من قانون "Agoa"، بلغت عائدات التصدير إلى الولايات المتحدة 8 مليارات دولار في عام 2024.
وبصورة ملموسة، على المدى القصير، ستؤدي هذه الرسوم الجمركية إلى تقييد التجارة وزيادة أسعار السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم، ويمكن لكل دولة أن تحاول الدخول في مفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة، ومن المرجح أن تكون المناقشات طويلة ومريرة وهو شأن البلدان الأفريقية.