Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لا تخشى الصين حربا تجارية مع ترمب؟

حددت حكومة الرئيس شي جينبينغ سلسلة من السياسات لتعزيز الاستهلاك المحلي وتعمل على تنويع الأسواق

استوردت الولايات المتحدة سلعاً صينية بقيمة 439 مليار دولار عام 2024 (أ ب)

ملخص

داخلياً، أعلن الحزب الشهر الماضي عن سلسلة من السياسات لتعزيز الاستهلاك المحلي من بينها رفع سقف العجز في الموازنة من 3 إلى 4 في المئة

منذ عقدين من الزمن، مثل مقهى "ستاربكس" الواقع في قلب المدينة المحرمة في بكين، مقر الحكم الإمبراطوري السابق، رمزاً للعولمة، ودليلاً على قدرة التجارة على توحيد أنظمة سياسية متنازعة من أجل المصلحة المشتركة.

لكن هذا الفرع أغلق منذ زمن، ضحية لتصاعد النزعة القومية وتفضيل الأصالة التاريخية، غير أن زحف القهوة بالحليب بدا كأنه لا يقاوم، ففروع "ستاربكس" واصلت التوسع في أماكن أخرى، وطموحات الشركة العالمية لم تتوقف، إلا أن هذه الطموحات قد تضطر إلى التراجع الآن.

من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطط منذ البداية لتحويل سياساته التجارية الثورية إلى حرب مفتوحة مع الصين بقيادة شي، لكن هذا ما آلت إليه الأمور، فالقوتان العظميان تبدوان كأنهما تمضيان نحو الانفصال مجدداً عن بعضهما بعضاً.

استيقظت بكين الخميس الماضي على نبأ مفاده أن معظم الرسوم الجمركية جرى تعليقها، لكن الصين لا تزال تواجه ضريبة تتجاوز 100 في المئة وهي كافية لإنهاء معظم أشكال التجارة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل يمكن لأي من البلدين الاستغناء عن الآخر؟ وإذا كان الجواب نعم، فمن منهما سينجو؟

في فرع "ستاربكس" كانت الأحاديث تنبض بروح التحدي، إذ قالت جيانغ، 64 سنة، وهي مهندسة متقاعدة "النتيجة النهائية بالتأكيد لن تكون كما يتوقعها ترمب، ولن تسير الأمور وفق استراتيجيته".

وتقول صحيفة "التايمز" إنه في بلد تهيمن فيه الدولة على وسائل الإعلام وتراقب فيه منصات التواصل الاجتماعي، ليس من المستغرب أن تعكس آراء الناس العاديين الرسائل الرسمية للحكومة.

وكانت الآراء المتداولة في "ستاربكس" تعكس بوضوح الموقف الرسمي، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة التجارة، خه يونغتشيان، الخميس، "موقف الصين واضح وثابت، إذا كانت الولايات المتحدة تريد الحوار، فبابنا لا يزال مفتوحاً، لكن يجب أن يجرى الحوار على أساس الاحترام المتبادل والمساواة، وإذا أرادت الولايات المتحدة المواجهة فسنواصل الرد حتى النهاية".

لكن بعض المحللين الأميركيين ورجال الأعمال يوافقون على ذلك، فهم يرون أن ترمب ربما يراهن على أن الدول الثالثة، في مواجهة على نمط الحرب الباردة، ستختار الولايات المتحدة على حساب خصمها الشيوعي، لكن الصين ليست كالاتحاد السوفياتي السابق، فالحزب الشيوعي الصيني يمتلك اليوم القدرة نفسها التي كانت لدى موسكو سابقاً على إرغام شعبه على تحمل المعاناة باسم الكرامة السياسية، لكن هذه المرة تدعمه أيضاً نهضة اقتصادية قوية ونمو طويل الأمد وابتكار صناعي متسارع.

الصين استعدت لسيناريو الرسوم منذ 5 أعوام

قال مدير شركة "تريفيوم" للاستشارات، أندرو بولك، ومقرها الصين، للصحيفة "لقد كانوا يستعدون لهذا منذ خمسة أعوام... من المستحيل أن يكونوا قد غفلوا عن هذا السيناريو أو لم يضعوه في حساباتهم".

وردت الصين بفرض رسوم جمركية إضافية على السلع الأميركية، وقيدت، الخميس، عرض الأفلام الهوليوودية في البلاد، وتستعد لاتخاذ تدابير مضادة أخرى على الساحة الدولية، بالتوازي مع إجراءات دعم داخلية، كما لو أنها تستعد لحصار طويل الأمد.

وبحسب ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية والحسابات المقربة من الحكومة، تشمل المقترحات حظراً شاملاً على واردات الدواجن والمنتجات الزراعية الأميركية، واستهداف شركات الخدمات الأميركية مثل مكاتب المحاماة والاستشارات — وهي قطاعات تسجل فيها الولايات المتحدة فائضاً تجارياً — بل وحتى تعليق التعاون مع واشنطن في مكافحة تهريب مادة الفنتانيل.

داخلياً، أعلن الحزب الشهر الماضي عن سلسلة من السياسات لتعزيز الاستهلاك المحلي، من بينها رفع سقف العجز في الموازنة من 3 إلى 4 في المئة، في خطوة تعد بمثابة حزمة تحفيز مالي كبير، وتفعل الحكومة حالياً هذه الإجراءات على أرض الواقع.

وتستند سياسات ترمب الجمركية إلى قلق أميركي مشترك بين الحزبين في شأن اختلال التوازن التجاري بين الولايات المتحدة والصين وبقية دول العالم، وهو أمر يجمع كل من الجمهوريين والديمقراطيين على أنه نتيجة مباشرة للسياسات الاقتصادية التي تتبعها بكين، فالحزب الشيوعي الصيني استخدم نفوذه السياسي والاقتصادي لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات صناعية تستغل العمالة المنخفضة الأجور، بهدف توسيع حصة الصين من التصنيع العالمي، وتصدير كميات هائلة من السلع التي لا يستطيع العمال الصينيون أنفسهم تحمل كلفتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشكلة بالنسبة إلى محاولات ترمب لإنهاء هذه الممارسة هي أن بكين يمكنها استخدام نفس النفوذ السياسي والاقتصادي لجعل الشعب الصيني يتحمل المعاناة بينما تعيد تشكيل الاقتصاد وفقاً لمصالحها، وسيتحملون المعاناة بالفعل، ففي وقت مبكر من هذا الأسبوع، بدأت الشركات الصينية في تسريح الموظفين مع تعليق الشركات الأميركية للطلبات.

قرار ترمب تعليق الرسوم الجمركية على دول أخرى يجعل وضع الصين أسوأ بكثير، فشركة "أبل"، التي توظف نحو مليون شخص في الصين، تمتلك أيضاً مصانع في فيتنام والهند.

وكان تحويل الإنتاج إلى تلك البلدان أقل جذباً عندما كانت ستواجه رسوماً جمركية قاسية، تصل إلى 46 في المئة على فيتنام، لكن هذه لم تعد الحال الآن.

ومع ذلك فقدت الصين وظائف من قبل، وفي وقت استعدادها للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، أدت إعادة هيكلة الصناعات الحكومية إلى تسريح 50 مليون وظيفة في غضون بضعة أعوام.

وتعمل الصين على إعداد خططها لهذا الدور، إذ نشرت "صحيفة الشعب" في هذا الأسبوع افتتاحية طويلة توضح لماذا يعتقد الحزب أن الصين يمكنها أن تكون أكثر صلابة من ترمب.

تراجع حصة أميركا من صادرات الصين

أشارت الصحيفة إلى أن حصة الولايات المتحدة من صادرات الصين كانت في تراجع سريع، من أقل من 20 في المئة في 2018 إلى نحو 14 في المئة في العام الماضي.

وعملت الصين بجهود مكثفة لتنويع أسواقها، مستفيدة من مبادرتها "الحزام والطريق" لجذب أسواق نامية في جنوب وجنوب شرقي آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلى مجالها الاقتصادي، لكن ذلك لن يكون كافياً لتعويض خسارة أسواق الولايات المتحدة، التي تظل الكبرى في العالم.

وقد يعمل الاتحاد الأوروبي ككتلة واحدة كداعم موازن، لكنه من المحتمل أن يتوصل إلى اتفاق خاص مع الولايات المتحدة، وفي جميع الأحوال يستخدم أيضاً الرسوم الجمركية لمنع صناعة الاتحاد من أن تغمرها الواردات الصينية الرخيصة.

وكانت الولايات المتحدة استوردت سلعاً صينية بقيمة 439 مليار دولار عام 2024، بينما صدرت نحو 144 مليار دولار.

وقال الأكاديمي الذي يدرس تجارة النسيج الدولية في جامعة ديلاوير بالولايات المتحدة، شينغ لو، إنه لا يرى كيف يمكن للشركات الأميركية أو الصينية المعنية تحمل تأثير رسوم ترمب الجمركية، وتساءل "إذا ضاعفت سعر الملابس، هل سيشتريها الناس؟".

وكان هناك وقت يمكن فيه للشركات تجنب الضرائب على الواردات من طريق شحن البضائع إلى دول ذات رسوم منخفضة، وإضافة العلامات هناك وإعلان تلك الدولة كمصدر للمنتجات.

وأضاف أن شركتي "شيين" و"تيمو"، اللتين تهيمنان على نموذج التجارة عبر الإنترنت بشحن المنتجات الصغيرة مباشرة، كانتا قد تجنبتا الرسوم الجمركية تماماً حتى غير ترمب القواعد، ولن تتمكن هذه الشركات من شحن البضائع بكميات كبيرة إلى سنغافورة ثم إرسالها إلى المستهلكين من هناك، وأوضح لو أنه لكي يستمر نموذجها منخفض الكلفة سيتعين عليها ببساطة نقل الإنتاج، مما يهدد سبل عيش مئات الآلاف من العمال الصينيين منخفضي الأجور، ومعظمهم من النساء.

وقال لو "شخصياً لا أعتقد أنه سيكون هناك أي فائزين في حرب الرسوم الجمركية". وشهدت الصين تراجعاً كبيراً نسبياً في الأعوام الأخيرة، إذ تسببت انهيارات سوق العقارات بعد الإغلاقات الصارمة بسبب كوفيد في تدهور الوضع الاقتصادي، ولا يعتقد كثير من الاقتصاديين أن إحصاءاتها الرسمية، التي تظهر بالفعل تباطؤ النمو، تعكس الحجم الكامل للمشكلة.

"الضرر وقع"

الخطر الذي يواجه الصين، والذي قد يكون شي جينبينغ يستهين به نظراً إلى تفضيله التقليدي لدى الحكام "الرجال الأقوياء" في تصديق ما يقال لهم، هو أنه غير مهيأ للتأثير الذي ستتعرض له البلاد، ففي النهاية لا تزال صادرات الصين إلى الولايات المتحدة تتجاوز 400 مليار دولار سنوياً، ومع ذلك ما يأمل فيه هو أنه بمجرد أن تهدأ العاصفة سيجعل ثبات الصين منها شريكاً تجارياً أكثر موثوقية، وفي النهاية قوة عالمية أكثر من تلك التي أظهرتها الولايات المتحدة.

وأبرز المتحدثون باسم الصين هذا الأسبوع الاتفاقات التي قدمتها للدول الأفريقية والدول الفقيرة الأخرى من دون رسوم جمركية، والتي يفرض ترمب بعضاً من أقسى أوجاعه عليها.

وقال جورج ماجنوس، من مركز الصين بجامعة أكسفورد، "لقد أقحموا أنفسهم في مشكلة حقيقية، حتى لو اختار الأميركيون مساراً مختلفاً بعد أربعة أعوام، فإن الضرر وقع".

في الواقع، يبدو أن رسالة شي هي أنه إذا كان من الضروري أن تعود النساء في منتصف العمر إلى قراهن، فليكن ذلك، ومن وجهة نظره، فإن أصوات الناس في بكين هي الأهم على الأرجح.

وفي "ستاربكس"، قالت سيدة صينية أخرى في منتصف العمر، تدعى هان، إنها كانت قلقة في شأن الأسعار مثل أي شخص آخر، لكنها تعتقد أنها ستتمكن من الصمود أمام أي شيء قد يفرضه ترمب، وأكدت "يمكنني العيش من دون السلع الأميركية... أعتقد أنه مع قوة الصين اليوم، ليس هناك طريق للعودة".

اقرأ المزيد