ملخص
من العثمانيين إلى الوصاية السورية، ثم النفوذ الإيراني، كانت بيروت تخط أسماء شوارعها نسبة إلى زعماء دوليين أو لبنانيين، قبل أن تزيل اسم "جادة حافظ الأسد" وتضع مكانه "زياد الرحباني" في خطوة يراها المتخصصون انعكاساً لتراجع محور "الممانعة" ورغبة في تكريم رموز ثقافية لبنانية.
في مدن كثيرة، تكتب الذاكرة بالحجر، وتوثق في تماثيل وساحات عامة. أما في العاصمة اللبنانية بيروت فتعلق الذاكرة على لافتة شارع. من يغير اللافتة يغير جزءاً من الحكاية، ومن يزيل اسماً كأنه يمسح صورة من ألبوم طويل.
الأمر ليس تفصيلاً إدارياً، بل فعل سياسي وثقافي وهوياتي. خطوة كهذه، حين أزيل اسم "جادة حافظ الأسد" من قلب العاصمة ووضع مكانه اسم الموسيقار زياد الرحباني، بدت في ظاهرها مجرد تعديل في لوحة، لكنها في باطنها تستحضر قرناً ونصف القرن من الصراع على هوية الفضاء العام في لبنان، من السلطان عبدالحميد إلى الإمام الخميني، مروراً بالجنرالات الفرنسيين ورؤساء الاستقلال وقادة الوصاية السورية.
البدايات العثمانية وبعدها مرحلة الانتداب الفرنسي
في السياق يروي المؤرخ عماد مراد أن "تاريخ تسمية الشوارع والساحات في لبنان يعود إلى أواخر القرن الـ19، وتحديداً في العهد العثماني، حين بدأت بعض الساحات والمناطق تحمل أسماء شخصيات عثمانية بارزة بين أعوام 1860 و1880. ومن أبرز هذه الأمثلة "ساحة عبدالحميد" التي حملت اسم السلطان عبدالحميد في بيروت أو طرابلس بشمال البلاد. كانت هذه التسمية انعكاساً مباشراً لسلطة الدولة المركزية، ورسالة واضحة حول هوية الحكم". ويضيف "مع الانتداب الفرنسي توسعت عملية التسمية بصورة ملحوظة، إذ رافقها تنظيم مدني جديد مع إنشاء مؤسسات الدولة كوزارة الداخلية ووزارة الأشغال، وتقسيم الشوارع والمناطق بصورة منهجية. وخلال هذه المرحلة أطلقت أسماء شخصيات فرنسية على عديد من الشوارع في العاصمة وبقية المناطق، مثل الرئيس الفرنسي جورج كليمنصو، وكذلك الرئيس شارل ديغول، والمندوب السامي الفرنسي هنري غورو، إضافة إلى مفكرين وعلماء بينهم مدام كوري. ومعظم هذه الأسماء حمل طابعاً فرنسياً بحتاً، في تعبير عن النفوذ الاستعماري آنذاك، وعن محاولة ترسيخ هوية ثقافية فرنكوفونية في شوارع بيروت ومدن لبنان الكبرى".
وأشار إلى أنه في العاصمة بيروت شوارع سميت تيمناً بشخصيات ذكرت أعلاه، ومنها شارع كليمنصو الذي يقع قرب شارع الحمراء والجامعة الأميركية في بيروت، وشارع غورو الذي يقع في منطقة الجميزة، وأيضاً شارع ديغول.
من الاستقلال إلى الحرب الأهلية... صعود أسماء الزعماء اللبنانيين
بعد الاستقلال، يتابع مراد "شهد لبنان تحولاً في نهج التسمية، فاتجهت الدولة إلى تكريم الزعماء اللبنانيين، ولا سيما الذين شاركوا في معركة الاستقلال أو برزوا في الحياة الوطنية. ظهرت شوارع بأسماء زعماء ومنهم شارع باسم الرئيس السابق بشارة الخوري، وساحة باسم رئيس الوزراء السابق رياض الصلح، وساحة باسم رئيس الحكومة السابق عبدالحميد كرامي في طرابلس شمال لبنان، ومع هذا أصبح من المعتاد أن تحمل الشوارع والساحات في مناطق الزعيم اسمه تكريماً له".
لكن اندلاع الحرب الأهلية (1975 – 1990)، كما يقول المؤرخ مراد، "أوقف إلى حد كبير هذا المسار، قبل أن تدخل البلاد مرحلة جديدة مع انتهاء الحرب وبدء زمن الوصاية السورية، حيث أصبحت قرارات التسمية خاضعة لإرادة النظام في دمشق، الذي كان يعين الحكومات والرؤساء ويحدد مسار الانتخابات. وخلال تلك الفترة، أطلقت أسماء قيادات بعثية على شوارع ومناطق، مثل حافظ الأسد وباسل الأسد، في بيروت وخارجها، في تعبير مباشر عن الهيمنة السورية على الفضاء العام اللبناني".
النفوذ الإيراني و"حزب الله"... من الخميني إلى قاسم سليماني
تسارعت مرحلة ما بعد عام 2005 إثر اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وخرج في يوليو (تموز) 2005 الجيش السوري من لبنان، لكن هذا الواقع الجديد لم يُنه ظاهرة التسمية ذات البعد الإقليمي، وسرعان ما برز بعدها النفوذ الإيراني من خلال "حزب الله"، الذي تولى عملياً إدارة المشهد السياسي باسم إيران لنحو عقدين من الزمن، وتحديداً بعد حرب تموز 2006. ويؤكد مراد أنهذه السيطرة لم تقتصر على السياسة، بل شملت الاقتصاد والقطاعات الأمنية، وانعكست على قرارات بعض البلديات المؤيدة لـ"حزب الله" ومحور "الممانعة"، التي أطلقت أسماء قادة لبنانيين وإيرانيين على شوارعها، ومنها في الضاحية الجنوبية لبيروت، مثل شارع عماد مغنية وقاسم سليماني، إضافة إلى قادة آخرين. ويقدر مراد أن عدد هذه التسميات في الضاحية وحدها قد يصل إلى 10 أو أكثر. ويضيف "بعد مرور ما يقارب 20 عاماً على إطلاق تسمية "جادة حافظ الأسد" في بيروت عام 1998، شهدت العاصمة عام 2019 خطوة مماثلة، تمثلت في تسمية الأوتوستراد الذي يربط مطار بيروت بوسط المدينة باسم "جادة الإمام الخميني"، لافتاً إلى أن "هذه التسمية لاقت حينها ردود فعل غاضبة لدى معارضي "حزب الله"، وصلت إلى حد أن بعض الصحف اللبنانية والعربية عنونت بأسلوب استفهامي لاذع "هل نحن في طهران أم في بيروت؟"، في إشارة إلى ما اعتبر دلالة على حجم نفوذ الحزب في البلاد وقدرته على فرض أسماء مرتبطة بالثورة في إيران على شوارع ومرافق أساسية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويكشف عن أن "المفاجأة كانت في أن قرار تسمية هذا الطريق السريع باسم الإمام الخميني لم يتخذ عام 2019، بل يعود إلى مطلع الألفية الثانية، وتحديداً ما بين عامي 2000 و2002، في فترة رئاسة رفيق الحريري للحكومة، حين كان الوزير السابق إلياس المر وزيراً للداخلية"، لافتاً إلى أن "الوثائق الرسمية تشير إلى أن المر، الذي كان في تلك الفترة مناهضاً للوصاية السورية، هو من وقع على قرار التسمية. هذا المعطى التاريخي لعب دوراً أساساً في تهدئة موجة الاعتراض، وبخاصة أن رفيق الحريري، بعد اغتياله عام 2005، تحول إلى رمز وطني، مما جعل معارضيه السابقين يتجنبون توجيه انتقادات مباشرة له أو لقرارات اتخذت في عهده. الأمر نفسه انطبق على إلياس المر، الذي تعرض لمحاولة اغتيال في العام نفسه، واتهمت فيها أطراف سورية و"حزب الله"، مما أسهم في إحاطته بهالة من التعاطف السياسي والشعبي، وأضعف أي حملة تستهدفه".
تراجع قوة "حزب الله" ونفوذه
في السنوات الأخيرة تغير المشهد الإقليمي، وتراجعت قوة "حزب الله" على خلفية الأضرار الكبيرة التي لحقت به في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وسقوط النظام السوري الحليف الأكبر للحزب في المنطقة، وتعرض إيران لضربات عسكرية إسرائيلية، إلى جانب ضعف وتراجع محور "الممانعة" ككل، مما أعاد إلى الواجهة المطالبات بإزالة اسم "جادة الخميني" من طريق المطار.
هذه الدعوات جاءت في سياق أوسع شمل أيضاً إزالة الصور واللافتات التي كانت تزين شوارع بيروت وتحمل رموزاً وشخصيات بارزة في محور الممانعة، من بينها صور الإمام الخميني وقاسم سليماني. ومع قرار إزالة اسم "جادة حافظ الأسد" في الجلسة الحكومية الأخيرة بطلب مباشر من الرئيس جوزاف عون، تعالت الأصوات لتشمل أيضاً الطريق السريع المؤدي إلى المطار، باعتباره واجهة العاصمة وأحد أكثر الطرق رمزية في الصراع على هوية الفضاء العام في لبنان".
سياق سياسي وصعود الرموز الثقافية
يقرأ المحلل والكاتب سام منسي في هذا الملف من الزاوية السياسية، ويعتبر أن "إزالة اسم "حافظ الأسد" من بيروت تأتي في سياق سياسي واضح، يرتبط بالتراجع الكبير لمحور "الممانعة" الذي قادته سوريا وإيران على مدى أربعة عقود، مشيراً إلى أن "هذا التراجع ليس حدثاً داخلياً، بل نتيجة مباشرة لمسار إقليمي بدأ منذ أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة، مروراً بالحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى وصولاً إلى تداعيات هذه الحرب على لبنان. هذا المحور، وعلى رأسه "حزب الله" وحلفاء سوريا في لبنان – من فصائل فلسطينية إلى بقايا البعث والقوميين – تلقى ضربة قوية.
ويذكر منسي أن "سوريا وإيران حكمتا لبنان عملياً منذ تطبيق اتفاق الطائف بصيغته السورية عام 1989، بعد اغتيال الرئيس رينيه معوض، حتى اليوم. وخلال هذه المرحلة، سيطرتا على السياسة والاقتصاد والأمن والاستخبارات، لذلك لم يكن إطلاق أسماء شخصيات سورية على شوارع في بيروت أمراً استثنائياً، بل جزءاً من مشهد أوسع شمل مناطق منها الضاحية الجنوبية والغبيري والشياح، وغيرها. الفارق، كما يوضح، أن القوى السيادية لم تكن تمتلك القدرة على فرض أسماء كبرى خارج مناطقها بفعل السيطرة السورية.
اليوم، وبعد تغير الظروف، اتخذ قرار إزالة اسم حافظ الأسد عن شارع في بيروت، واستبدال اسم الموسيقار الكبير زياد الرحباني به. بالنسبة إلى منسي، "هذا الاختيار مهم لأنه لا يضع اسم زعيم سياسي في مواجهة آخر، بل يستبدل برمز سياسي رمزاً ثقافياً وفنياً يجمع حوله شرائح واسعة من اللبنانيين، على رغم التحفظات لدى البعض بسبب مواقفه اليسارية". وزياد، في رأي منسي، "شخصية متجذرة في الوجدان اللبناني، حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وتستحق التكريم أكثر من حافظ الأسد".
ويضيف الكاتب السياسي أن "اختيار اسم زياد الرحباني يعكس أيضاً غضباً شعبياً من سطوة سوريا على لبنان لعقود، وفي الوقت نفسه فرحة بتكريم شخصية لبنانية مرموقة". ويرى أن "الظاهرة ليست محصورة بلبنان، إذ شهدت دول كبرى مثل الولايات المتحدة حملات لإزالة تماثيل وأسماء رموز تاريخية مثيرة للجدل في سياقات سياسية مختلفة، من دون أن تكون مرتبطة بهزيمة أو انتصار عسكري مباشر"، لكنه يحذر من "المبالغة في قراءة هذه الخطوات كتحول بنيوي". وفي رأيه، "الأمر أشبه برد فعل على لحظة سياسية آنية، كما حدث في الماضي مع إعادة تسمية شارع فردان في بيروت باسم رشيد كرامي، من دون أن يقود ذلك إلى تغيير حقيقي في المشهد اللبناني"، مشيراً إلى أن "أثر الوصاية السورية لا يزال حاضراً في العقل السياسي اللبناني حتى بعد خروج الجيش السوري عام 2005، تماماً، كما أن هاجس النفوذ الإيراني قائم حتى في غياب الحضور المباشر".
ويختم بأن "المشكلة الحقيقية تكمن في غياب العقل الوطني الجامع، وفي سيطرة الحسابات الطائفية والمناطقية والشخصية على القرار. فاللافتات قد تتبدل، لكن الخريطة السياسية المرسومة في رؤوس الساسة تبقى كما هي، تتغير ألوانها وأحرفها، لكن جوهرها لا يتبدل".