Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في غزة أصوات قنابل ورصاص... وموسيقى

عازفون يتمسكون بموهبتهم وسط الأنقاض وطلاب يتدربون على ألحان تمنحهم الأمل والشفاء

اشترى المعلمون بعض الآلات من نازحين ليستخدمها الطلاب (رويترز)

ملخص

خلال درس الأسبوع الماضي، تجمع أكثر من 10 طلاب تحت خيمة بلاستيكية للتدرب على الآلات الموسيقية المحفوظة بعناية لحمايتها من أضرار الحرب. وشاركوا جميعاً في العزف والغناء. 

وغنى فتى "لن تذبل فينا ورقة تين"، وهي جملة من أغنية تحظى بشعبية كبيرة وترثي خسائر الفلسطينيين عبر الأجيال من النزوح، منذ قيام إسرائيل عام 1948.

ملأ صوت أغنية يرددها فتى أرجاء خيمة داخل مدينة غزة مع ألحان هادئة يعزفها المغنون المساعدون، لتتسلل الموسيقى الناعمة لشوارع يسودها هذه الأيام إيقاع القنابل والرصاص والقتل.

كان عدد من الطلاب صغار السن يحضرون درساً خلال الرابع من أغسطس (آب) الجاري، يقدمه مدرسون من معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى والذين واصلوا دروسهم في مخيمات النزوح والمباني المدمرة، حتى بعدما أجبرهم القصف الإسرائيلي على التخلي عن المبنى الرئيس للمعهد داخل المدينة.

تقول ريفان القصاص (15 سنة) والتي بدأت تعلم العزف على العود في التاسعة من عمرها "عندما أعزف، أشعر وكأنني أحلق بعيداً".

وأضافت "الموسيقى تمنحني الأمل وتهدئ مخاوفي".

وتحدثت القصاص، خلال حصة دراسية في نهاية الأسبوع بكلية غزة، وهي مَدرسة في مدينة غزة تعرضت لقصف عنيف، عن أملها في أن تعزف في الخارج يوماً ما.

وقصف الجيش الإسرائيلي مناطق من المدينة مجدداً خلال الـ12 من أغسطس الجاري. وقالت السلطات الصحية في القطاع إن ذلك رفع عدد قتلى الأيام القليلة الماضية إلى أكثر من 120.

تأسس معهد الموسيقى داخل الضفة الغربية وكان بمثابة شريان حياة ثقافي لغزة منذ أن افتتح فرعاً هناك قبل 13 عاماً، وكان يدرس الموسيقى الكلاسيكية إلى جانب الأنواع الشعبية حتى أطلقت إسرائيل حربها على القطاع رداً على هجوم قادته "حماس" عليها خلال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

 

وقبل اندلاع القتال، كانت إسرائيل تمنح أحياناً أفضل الطلاب تصاريح خروج للسفر خارج غزة للعزف مع أوركسترا فلسطين للشباب، وهي الفرقة الموسيقية المتجولة التابعة لمعهد الموسيقى. أما الآخرون، فقد كانوا يشاركون في فعاليات داخل غزة ويقدمون حفلات موسيقية عربية وغربية.

يقول سهيل خوري رئيس المعهد إن القصف المستمر منذ 22 شهراً تسبب بمقتل بعض الطلاب، من بينهم عازفة الكمان لبنى عليان البالغة من العمر 14 سنة والتي قتلت مع عائلتها خلال وقت مبكر من الحرب.

ويظهر مقطع فيديو نشره أحد المعلمين خلال يناير (كانون الثاني) الماضي مبنى المدرسة القديم وقد تحول إلى أطلال. انهارت الجدران وتناثرت الأنقاض في الغرف، واختفى بيانو كبير.

سألت "رويترز" الجيش الإسرائيلي عن الأضرار، لكنه أحجم عن التعليق دون مزيد من التفاصيل وهو ما لم تستطع "رويترز" تحديده بصورة مؤكدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال درس الأسبوع الماضي، تجمع أكثر من 10 طلاب تحت خيمة بلاستيكية للتدرب على الآلات الموسيقية المحفوظة بعناية لحمايتها من أضرار الحرب. وشاركوا جميعاً في العزف والغناء.

وغنى فتى "لن تذبل فينا ورقة تين"، وهي جملة من أغنية تحظى بشعبية كبيرة وترثي خسائر الفلسطينيين عبر الأجيال من النزوح منذ قيام إسرائيل عام 1948.

وكانت هناك ثلاث طالبات يتدربن على أغنية (جرين سليفز) "الأكمام الخضراء" على الجيتار أمام الخيمة، بينما كانت مجموعة أخرى من الفتيان يعزفون إيقاعات على طبول يدوية شرق أوسطية.

يوضح فؤاد خضر منسق الفصول الدراسية المعاد إحياؤها للمعهد أن آلات موسيقية قليلة نجت من القصف، واشترى المعلمون بعض الآلات من نازحين آخرين ليستخدمها الطلاب، لكنه أضاف أن بعضها تحطم جراء القصف.

وأشار خضر إلى أن المدربين يجربون صنع آلاتهم الإيقاعية الخاصة من علب الصفيح والعبوات الفارغة لتدريب الأطفال.

ابتسامة عريضة

في أوائل العام الماضي، كان أحمد أبو عمشة مدرس الجيتار والكمان صاحب اللحية الكبيرة والابتسامة العريضة من أوائل المعلمين والطلاب الذين بدأوا في تقديم الدروس مرة أخرى بعدما فرقتهم الدروب.

وكان يعزف على الجيتار في المساء بين خيام النازحين جنوب غزة، حيث اضطر السواد الأعظم من بين إجمال السكان البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة إلى النزوح بسبب أوامر الإخلاء الإسرائيلية والقصف.

وبعد بدء وقف لإطلاق النار خلال يناير الماضي، كان أبو عمشة (43 سنة) من بين عشرات الآلاف من الأشخاص الذين انتقلوا شمالاً من جديد إلى مدينة غزة، التي دمر القصف الإسرائيلي معظم أنحائها.

 

وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، ظل يعيش ويعمل في المنطقة المركزية للمدينة، برفقة زملائه الذين يدرسون العزف على العود والجيتار والطبول اليدوية والناي للطلاب الذين يستطيعون الوصول إليهم في الخيام أو المباني المدمرة في كلية غزة. ويتوجهون لرياض الأطفال لتقديم جلسات للصغار.

ووفقاً لمعهد الموسيقي فإن المعلمين يقدمون أيضاً دروساً جنوب ووسط غزة، حيث قام 12 موسيقياً وثلاثة مدرسي غناء بالتدريس لما يقارب 600 طالب في شتى أنحاء القطاع خلال يونيو (حزيران) الماضي.

ويوضح أبو عمشة أن المعلمين وأولياء أمور الطلاب يشعرون حالياً "بقلق بالغ" من تهجيرهم مجدداً، بعد قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي خلال الثامن من أغسطس الجاري بالسيطرة على مدينة غزة. ولم تعلن إسرائيل عن موعد شن هجومها الجديد.

أنهكهم الجوع والتعب

خارج خيمة معلمي الموسيقى، تمتد مدينة غزة التي تحولت إلى كومة من الخرسانة المدمرة ولجأ جميع سكانها تقريباً إلى أماكن الإيواء والخيام، من دون أي طعام أو مياه نظيفة أو مساعدات طبية تذكر.

ويؤكد الطلاب والمعلمون أنهم مضطرون للتغلب على ضعفهم الناجم عن نقص الغذاء، حتى يتمكنوا من حضور الفصول الدراسية.

وقالت بريطانيا وكندا وأستراليا وعدد من الحلفاء الأوروبيين خلال الـ12 من أغسطس الجاري إن "المجاعة تتكشف أمام أعيننا" داخل غزة. وتشكك إسرائيل في أرقام حالات سوء التغذية داخل القطاع.

 

تروي سارة السويركي (20 سنة) أن الجوع والتعب يجعلانها في بعض الأحيان غير قادرة على قطع المسافة القصيرة إلى دروس الموسيقى التي تحضرها مرتين كل أسبوع، لكنها تحب تعلم العزف على الجيتار.

وتقول "أحب اكتشاف أنواع موسيقية جديدة، وبخاصة موسيقى الروك. أنا أعشق موسيقى الروك".

وتقول السلطات الصحية الفلسطينية إن الحملة العسكرية الإسرائيلية قتلت أكثر من 61 ألف شخص، أكثر من 1400 منهم خلال محاولة الحصول على مساعدات غذائية.

وتحمل إسرائيل من جانبها حركة "حماس" المسؤولية عن المعاناة بعدما أشعلت فتيل الحرب الأحدث في صراع مستمر منذ عقود بهجومها الذي شنته خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من غزة، وتقول الإحصاءات الإسرائيلية إنه أسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 250 رهينة.

العلاج بالموسيقى

في إحدى الغرف المتبقية في الطابق العلوي داخل كلية غزة، حيث الجدران المليئة بآثار الشظايا والنوافذ المحطمة، يحضر ثلاث فتيات وفتى درساً للعزف على الجيتار.

وقال معلمهم محمد أبو مهدي (32 سنة) إنه يعتقد أن الموسيقى يمكن أن تساعد في شفاء سكان غزة نفسياً من آلام القصف والفقد ونقص الإمدادات.

ويوضح "ما أفعله هنا هو إسعاد الأطفال من خلال الموسيقى لأنها واحدة من أفضل الطرق للتعبير عن المشاعر".

وقالت إليزابيث كومز التي تدير برنامج العلاج بالموسيقى في جامعة جنوب ويلز البريطانية وأجرت أبحاثاً مع الفلسطينيين داخل الضفة الغربية إن المشروع يمكن أن يساعد الشبان على التعامل مع الصدمات والتوتر وتعزيز شعورهم بالانتماء.

وأضافت "بالنسبة إلى الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية شديدة أو يعيشون في مناطق صراعات، فإن مواصفات الموسيقى نفسها يمكن أن تساعد الناس وتدعمهم حقاً".

وقال مدرس العود إسماعيل داوود (45 سنة) إن الحرب سلبت الناس إبداعهم وخيالهم، واختصرت حياتهم في تأمين أساسات الحياة كالطعام والماء. وتمثل العودة إلى الفن هرباً وتذكيراً بالإنسانية الأسمى.

وأضاف داوود "الآلة الموسيقية تمثل روح العازف، تمثل رفيقه وكيانه وصديقه... الموسيقى بصيص أمل يتمسك به جميع أطفالنا وشعبنا في الظلام".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير