Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحذير من انخراط دول آسيوية في المناورات الأميركية

اختراق غير معلن لجهود روسيا والصين

ثمة تحول غير معلن لطاجيكستان صوب "الشريك الأميركي" (رويترز)

لم تكن الاتهامات المتبادلة بين كازاخستان وروسيا قد هدأت بعد على خلفية التوتر المكتوم وما يتعلق منه بمخاوف عودة ما يصفه مراقبون بـ "مطامع توسعية سوفياتية" حتى عاد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف ليحذر من مغبة انخراط عدد من بلدان آسيا الوسطى ومنها كازاخستان وطاجيكستان في المناورات المشتركة التي أعلنتها الولايات المتحدة في هذه المنطقة.

وتوقف باتروشيف في كلمته خلال الاجتماع السنوي الـ 17 لأمناء مجالس الأمن القومي لبلدان منظمة شنغهاي للتعاون الذي عقد في طشقند عند "مناورات التعاون الإقليمي 2022"، التي جرت في طاجيكستان ما بين 10 و20 أغسطس (آب) الحالي بمشاركة عدد من بلدان هذه المنظمة تحت رعاية القيادة المركزية للقوات الأميركية، وفي مقدمها طاجيكستان وكازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان إلى جانب منغوليا وباكستان من دون مشاركة روسيا.

وهدفت هذه المناورات إلى تعزيز العمليات متعددة الجنسيات لضمان الاستقرار ومكافحة الإرهاب وتطوير التعاون والقدرات المشتركة بين دول وسط آسيا وجنوبها والولايات المتحدة والدول المشاركة الأخرى، بحسب بيان السفارة الأميركية في العاصمة الطاجيكية دوشنبه.

وأشار البيان إلى أن "الدول المشاركة تنخرط في مناورات للقيادة والأركان لمدة ستة أيام، فيما سيكون لطاجيكستان والولايات المتحدة مكون ثنائي مدته خمسة أيام ويتضمن تدريبات ميدانية في مركز فخر آباد".

ومن اللافت بهذا الصدد استمرار التعاون العسكري الأميركي على هذا النحو الذي سمح بإعلان الولايات المتحدة في مايو (أيار) الماضي عن أنها سترصد لطاجيكستان أكثر من 60 مليون دولار على مدى العامين المقبلين "كمساعدة لقطاع الأمن"، وذلك بعد أن تلقت دوشنبه من واشنطن منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021، معدات ومركبات بقيمة 3.7 مليون دولار "لاستخدامها في تعزيز الحدود"، في الوقت نفسه الذي ترتبط فيه طاجيكستان بعلاقات وثيقة مع روسيا، وقد اختارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتكون محطته الأولى في زيارته الأولى إلى خارج البلاد منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، فضلاً عن كونها الدولة الآسيوية الأولى التي كانت روسيا هبت لمساعدتها إبان سنوات الحرب الأهلية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، واختارتها موقعاً لأولى قواعدها العسكرية في آسيا الوسطى (الفوج 201) في ذلك الحين.

وجدير بالذكر ما سبق وأعلنته روسيا من مساعدات واستثمارات اقتصادية هائلة إلى جانب المعونات العسكرية التي كان آخرها ما رصدته من مبالغ تقدر بـ 200 مليون دولار لاستثمارها في تحديث القوات المسلحة الطاجيكية خلال السنوات الخمس المقبلة.

أخطار المناورات

ومن هذا المنظور كشف المسؤول الروسي الأمني الكبير عن أخطار هذه المناورات المشتركة في مثل هذا التوقيت بالغ الأهمية، وما يشهده العالم من متغيرات جيوسياسية ثمة ما يشير إلى أنها ستكون في صدارة الاجتماع المرتقب بين الرئيسين بوتين والصيني شي جينبينغ على هامش القمة المرتقبة لمنظمة شنغهاي للتعاون في سمرقند.

وذكر باتروشيف شركاء روسيا بأن "الأميركيين يحتاجون قبل كل شيء إلى مثل هذه الأحداث لدرس مسرح العمليات المحتمل، وتوضيح إحداثيات الأهداف وتعديل الخرائط الرقمية للأسلحة عالية الدقة"، وأعرب عن أمله بأن تدرك جميع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون الأخطار الشديدة التي تهدد أمنها جراء مثل هذه المبادرات الأميركية.

وفي إشارة غير مباشرة إلى ما شهدته هذه المنطقة من تحولات ومتغيرات في العام الماضي بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان صيف العام 2021، أعاد باتروشيف للأذهان أن "واشنطن لا تتخلى عن محاولات التوصل إلى اتفاق مع جيران أفغانستان في شأن إنشاء بنية تحتية يفترض أنها موقتة هناك لعمليات مكافحة الإرهاب، ومن هذا المنطلق تنظر موسكو إلى التعاون الإقليمي 2022".

وفي هذا الصدد استعاد باتروشيف ما سبق وتناولته "اندبندنت عربية" خلال أكثر من تقرير من موسكو عن محاولات الولايات المتحدة إيجاد موطئ قدم لها في المناطق القريبة من أفغانستان في آسيا الوسطى، والتوصل إلى اتفاق مع عدد من بلدانها في شأن إقامة قواعد عسكرية لها هناك، بما يشكل تهديداً عسكرياً مباشراً لمنظمة بلدان معاهدة الأمن الجماعي، وهو ما أحبطته موسكو في حينه.

تعاون أمني عسكري

وفي السياق ذاته، انتقد رئيس هيئة رئاسة المنظمة العامة "ضباط روسيا" الجنرال سيرغي ليبوفوي عودة الولايات المتحدة للمنطقة "بعد فرارها من أفغانستان" على حد قوله، لتكون على مقربة مباشرة من روسيا مرة أخرى، على أن ذلك لا يمكن أن يقتصر على تهديد أمن روسيا، نظراً إلى أن ما جرى ويجرى من تحركات في هذه المنطقة، منذ مطلع القرن الحالي يقول إن الولايات المتحدة وضعت نصب عينيها الاستمرار في تمددها عبر حلف الـ "ناتو" حتى تحقيق الحلم المؤجل، وهو الوصول إلى الصين بعد أن تكون انتهت من "التهام" بلدان الفضاء السوفياتي السابق، وها هي تعود للعب في الفناء الخلفي لكل من الصين وروسيا بمناوراتها الأخيرة التي باتت تقوم بمثلها على نحو دوري، وإن اختلفت شعارات تنظيمها وأهدافها ومواقعها.

ولا تقتصر العلاقات العسكرية الطاجيكية الأميركية على مجرد إجراء مناورات مشتركة، بل تتعداها إلى تعاون أمني عسكري تمثل بعضه في ما أشارت إليه نائبة السفير الأميركي في دوشنبه بريدجيت وولكر، حول "تخصيص الولايات المتحدة الأميركية أكثر من 60 مليون دولار لطاجيكستان على مدى عامين "لمساعدة قطاع الأمن"، فضلاً عن "تسليم ثمان شاحنات وقطع غيار بقيمة إجمالية قدرها 2.3 مليون دولار للجيش الطاجيكي "تأكيداً على الشراكة القوية بين البلدين"، على حد قول وولكر التي أضافت أن الإدارة الأميركية كانت قدمت أكثر من 330 مليون دولار مساعدات أمنية لطاجيكستان منذ العام 1992، بما في ذلك برامج للتدريب والمعدات والبنى التحتية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن هنا تكتسب المناورات الأخيرة التي أجرتها الولايات المتحدة مع بلدان آسيا الوسطى الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون أهمية خاصة لما قد يكون مرتبطاً بنجاحها في اختراق الجبهة التي كانت روسيا والصين نجحتا في إقامتها مطلع القرن الحالي، إضافة إلى ما تمثله من معان في أعقاب "خروجها المهين" من أفغانستان والعودة للمنطقة من دون "إعلان رسمي" عبر ما شهدته كازاخستان من أحداث واضطرابات خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وما اعقبها من اضطرابات كادت تطيح باستقرار أوزبكستان المجاورة في وقت لاحق.

وثمة ما يشير إلى أن ما شهدته كازاخستان وأوزبكستان قد يتكرر بشكل أو بآخر في الجمهوريات السوفياتية السابقة المجاورة، ومنها طاجيكستان وقرغيزستان وتركمنستان من خلال شبكات منظمات المجتمع المدني من جانب، وجماعات الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي من جانب آخر.

سذاجة طاجيكستان

وفي وقت التزم فيه مراقبون كثر في موسكو بما هو أقرب إلى الصمت وتجاهلوا التعليق على المناورات المشتركة، فضلاً عما يبدو من تحول غير معلن لطاجيكستان صوب "الشريك الأميركي" في توقيت بالغ الخطورة، نشر الموقع الإلكتروني لوكالة "ريجنوم" الإعلامية الروسية حديثاً أجرته المعلقة السياسية يفجينيا كيم مع الخبير في شؤون آسيا الوسطى أجدار كورتوف ، وفيه انتقد صمت موسكو تجاه المناورات بقوله إن موسكو "لن تلاحظ مرة أخرى المناورات العسكرية الأميركية في طاجيكستان".

واستهل كورتوف حديثه بالقول إن "طاجيكستان تبدو غير راضية عن قلة اهتمام موسكو وتحاول بسذاجة اللعب على تقارب وهمي مع الولايات المتحدة"، أما عن مدى تأثير هذه المشاركة على علاقات موسكو مع دوشنبه فقال كورتوف إن تاريخ العلاقة بين البلدين، بل مع شركاء روسيا الآخرين في منظمة بلدان معاهدة الأمن الجماعي، لطالما شهد كثيراً من تكرار حالات عدم تقدير هذه البلدان لما قدمته وتقدمه روسيا من مساعدات وأدوار سياسية ومعنوية ومادية، واستعرض كورتوف ما صادفته موسكو من خيبة أمل تجاه علاقاتها مع كثير من شركاء الأمس من بلدان الفضاء السوفياتي ومنها كازاخستان.

أما عن طاجيكستان فأشار كورتوف إلى ما وصفه بـ "فقدان الذاكرة التاريخي"، وما يتعلق بدور روسيا في إنهاء الحرب الأهلية في طاجيكستان وما تحملته من أعباء في إطار قوات حفظ السلام هناك، إلى جانب أعباء حراسة الحدود الطاجيكية المتاخمة لأفغانستان، وقال "إذا تذكرت السلطات الطاجيكية هذه الظروف فإن ذلك يتم كطقوس وعلى نحو يبدو فيه في إطار عبارات روتينية ممتعة للكرملين أثناء لقاءات المسؤولين الطاجيك مع القيادة الروسية"، على أن الرئيس في ما قاله كورتوف قد يتمثل في ما أعرب عنه من مخاوف تجاه احتمالات انقلاب القيادة الطاجيكية على العلاقات مع موسكو، ومنها ما يتعلق باحتمالات السماح للطيارين الأفغان الانطلاق بما يملكونه من طائرات أفغانية – أميركية سبق وهربوا بها إلى طاجيكستان بدايات الانسحاب الأميركي من أفغانستان للمشاركة إلى جانب القوات الأوكرانية في القتال ضد القوات الروسية.

وذلك كله وغيره ما لا بد من أن يكون في صدارة اهتمامات رؤساء بلدان منظمة شنغهاي التي من المتوقع أن يحضرها زعماء كل من الهند وباكستان وتركيا وإيران، فضلاً عن وجوده ضمن دائرة الرؤية لكثير من المناورات الروسية - الصينية المشتركة، ومنها المناورات المرتقبة التي ستشارك فيها الهند ومنغوليا وطاجيكستان وبيلاروس على خلفية "الأوضاع السياسية والعسكرية غير المستقرة في المنطقة والعالم، وضرورة تنسيق الجهود في مواجهة التحالفات الجماعية الغربية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير