ملخص
يشكل الاقتصاد الرقمي ميداناً واسعاً لعمل المخترعين في لبنان وبعض التطبيقات دخلت السوق العالمي
تتعدد المبادرات التي أطلقها رواد الأعمال في لبنان، وتختلف مواضيعها على اختلاف أنشطتها في ميادين تداول الأسهم والسلع، والتعليم والصحة والخدمات المختلفة، ولكن يبقى القاسم المشترك بينها ولوج عالم الاقتصاد الجديد، والاعتماد على الأدوات المرتبطة بالبرمجة والمنصات والتطبيقات الذكية والذكاء الاصطناعي.
تعد "ذكا" واحدة من التجارب الناشئة في لبنان والعالم العربي، وهي مؤسسة أنشأها مجموعة من رواد الأعمال الشباب، وتعنى بالتأهيل المهني، والتدريب على نشر مهارات الذكاء الاصطناعي.
يتحدث أحد المؤسسين كريستوف الزغبي عن التجربة التي بدأت مع "Beirut AI Community"، قبل الانتقال في منتصف 2019 لإنشاء مؤسسة "ذكا" المعنية بنشر الوعي حول الذكاء الاصطناعي في لبنان، وسد الفجوة الموجودة في التعليم النظري.
يلفت الزغبي إلى تقديم المساعدة للأفراد والشركات في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مشاريعهم، مؤكداً على "الدور الإيجابي الذي لعبه إطلاق ChatGPT وغيره من التطبيقات في نشر ثقافة الذكاء الاصطناعي، والمهام العظيمة التي يمكن أن يقوم بها، وتطوير الخدمات العامة".
تتنوع الخدمات التي تقدمها مؤسسات التدريب على الذكاء الاصطناعي، فمنها ما هو متعلق بالمتخصصين، الذين يمتلكون مهارات البرمجة، ومنها ما هو متاح لجميع الأفراد، فبالنسبة إلى الفئة الأولى، يحصل المتدرب على الكفايات لإنشاء نموذج الذكاء الاصطناعي الخاص به وإتمام عملية البرمجة، أما الفئة الثانية، فهي لعامة الناس الذين يتدربون من أجل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة من قبل الشركات العالمية، وحسب الزغبي "هناك فرصة متاحة لأي شخص من أجل الاستفادة من التدريبات المقدمة من أجل رفع الكفاءة، والإنتاجية" و"جعله متاحاً لكل الشرائح"، وعلى سبيل المثال، تنظم تدريبات خاصة بالمحامين لتسهيل البحث العلمي، والقانوني من أجل إنجاز أعمالهم بسرعة ودقة".
ويتحدث الزغبي عن لجوء مؤسسات في لبنان والخليج العربي لتدريب الموظفين، وإدخال مفاهيم الذكاء الاصطناعي في العمل. ويغلب عنصر الشباب على طالبي التدريب، ويأتي جزء كبير من الخريجين بغية الحصول على المهارات العملية، وهو ما يكشف عن وجود فجوة في المناهج الجامعية التي لا تواكب الحاجات المتزايدة لسوق العمل، فيما يواجه تطور هذا القطاع مشكلات كبيرة، وتحديداً غياب البنى التحتية، وضعف الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، ناهيك عن عقبات ترتبط بحركة التحويلات المالية القادمة من الخارج.
لاحظ الزغبي "وجود إقبال كبير لدى الخريجين اللبنانيين من أجل تطوير أنفسهم، ومهاراتهم بصورة فردية، فيما في بلدان العالم العربي تدفع التشريعات إلى ذلك من أجل إعادة هيكلة المؤسسات وتكييف الوظائف".
ينصح الزغبي بتجاوز الصورة النمطية والخوف من "الذكاء الاصطناعي"، والانتقال إلى مرحلة "التعايش" والاستثمار فيه لرفع الإنتاجية وتسريع أعمال البحث ومواكبة التطورات العلمية والمهنية. كما "يشكل التدريب فرصة للحصول على وظائف جديدة في الخارج، وإتمام العمل من بعد، والحصول على دخل بالفريش دولار دون الاضطرار إلى الهجرة".
الاستثمار في البرمجيات
تتسع المبادرات من التدريب إلى مجال إنشاء المنصات والتطبيقات. وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن مبادرة التطوير عبر تكنولوجيا البراكيت Bracket Technologies، التي أطلقها المخترع محمد بكر عبيد الذي تمكن من وضع "لغة برمجة سهلة التعلم والاستخدام"، تتيح لأي شخص بناء وتطوير تطبيقات ومنصات ومواقع إلكترونية، وهي تتألف من نوعين، منصات التفاعل المخصصة للجمعيات والمؤسسات والبلديات وغيرها التي تتفاعل مع الناس لتأمين الخدمات والتواصل، والنوع الثاني، يتصل بمنصات السياحة والسفر والخدمات ذات الصلة، ويفتح الاشتراك باب الحصول على الخدمات المفتوحة كافة.
يشير بكر عبيد إلى "بدء العمل في تطوير المنصات عقب انتهاء الدراسة الجامعية لأنها تحتاج إلى مستوى عال من المعرفة"، بعد ذلك انطلق في تطوير منصة براكيت، وهي المكان الذي يمكن أي مستخدم بناء تطبيق أو موقع أو منصة إلكترونية من خلال استخدام لغة "براكيت"، وإدارة بيانات المستخدمين، وتصميم المنصات. ويعتقد أن التكنولوجيا ستؤمن فرص عمل غير محدودة فقد "بات بإمكان كل خريج أو شخص موهوب أن يسهم في تطوير المنصات والمواقع".
يأسف بكر عبيد لعدم القدرة على تصنيف لبنان بيئة حاضنة، وهو "متأخر نسبياً في التطور التكنولوجي"، وتحديداً على المستوى الحكومي، حيث يحتاج المواطن إلى الحضور شخصياً إلى المؤسسات العامة من أجل القيام بالمعاملات، ويلفت إلى بعض محاولات الدولة اللبنانية بإنشاء منصات لم يتم تطويرها، للدواء واللقاح، ومنصتي الشؤون الاجتماعية، وتسجيل جوازات السفر.
يكشف بكر عبيد "في مختلف مؤسسات الدولة الرئيسة هناك البنية التحتية الأساسية لناحية "الداتا سنتر"، الاتصال بالشبكة، والإنترنت. بالتالي يمكن الانطلاق من ذلك إلى إنشاء منصات مختلفة لخدمة المواطنين والشركات وتحسين الأعمال دون أي كلفة إضافية، ولكن تبقى الحاجة إلى القرار الرسمي".
من لبنان إلى العالم
تمكنت الفئة الشابة من حمل إسهامات لبنان إلى العالم، على رغم ضعف التمويل والبنية التحتية وتفاقم المشكلات الاقتصادية والميل المتزايد إلى الهجرة.
يتحدث مدير النمو وتطوير الأعمال الابتكارية هشام الضيقة عن "لعب الفئة الشبابية دوراً حاسماً في التأقلم، والحاجة إلى تطور سوق العمل"، و"الحد من هجرة النخب"، والعمل في ظل بيئة غابت عنها الحواجز المادية، ويشير الضيقة أحد خبراء شركة "Win" إلى شكل جديد من الشركات الرائدة في مجال الاستشارات والحلول التكنولوجية، والبرامج الرقمية الذكية، في ما يتعلق بالتحليلات المالية المتقدمة، ناهيك عن إتاحة منصات "خبرة التعلم" التي تعتمد على الاستفادة من دمج ميزات الأشكال المختلفة للتعلم الشامل والاستفادة من التكنولوجيا، وكذلك برامج الحوكمة الذكية، وهي جميعها خدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي.
يشدد هشام الضيقة على أهمية العامل البشري ودور الكفاءات اللبنانية في عالم التكنولوجيا، مضيفاً "تتمتع التطبيقات والمنصات المصممة بأدمغة لبنانية بتنافسية كبيرة في السوق العالمية"، وهي "تعد ملهمة" للقوى العاملة الشابة التي يمكنها الاستفادة من المزايا والبيئة الحاضنة التي تؤمنها الدول في الخارج من تشريعات وبنى تحتية وتمويل ودعم، إضافة إلى الاحتكاك مع الشركات العالمية ومراكمة الخبرات.
يعتقد الضيقة أن "المنافسة ضرورية للاستمرار والتطور"، و"القوى العاملة اللبنانية أثبتت أنها سريعة التعلم، وسريعة التأقلم مع المتغيرات الواقعية، واجتراح الحلول".
غياب البنى التشريعية
أحدثت الثورة الرقمية تغييرات بنوية عميقة في الاقتصاد وسوق العمل، ودفعت لإعادة النظر في مفاهيم كثيرة مثل مكان أداء العمل وأوقات الدوام، وانتشار أشكال جدية من علاقات العمل المرنة، ناهيك عن انتشار أنظمة العمل الجزئي والمؤقت، ويشكل الزمن تحدياً كبيراً للدول التي تأخرت عن مواكبة التطور الكبير في عالم التقنية، سواء على مستوى التشريعات، أو الخطط لتشجيع التحول الرقمي، وقيام بيئة حاضنة له. وفي لبنان تبقى هناك إشكالية في تطوير القوانين، من قانون العمل الصادر عام 1946 الذي يقتصر على تنظيم علاقات العمل التقليدية بدوام كامل إلى قانون التجارة الذي يحتاج إلى تطوير التجارة الإلكترونية وغيرها من التشريعات، إضافة إلى وجوب تفعيل أنظمة التدريب والتأهيل المهني.
فيما تقتصر المحاولات حتى الآن على إقرار قانون المعاملات الإلكترونية في عام 2018، حيث تستمر البلاد بالعيش في ظل فراغ تشريعي، إضافة إلى الجمود الذي يحيط المؤسسات على غرار المؤسسة الوطنية للاستخدام التي يقع على عاتقها رسم وتنفيذ سياسة الاستخدام في لبنان، وإنشاء مكاتب في المناطق لمكافحة البطالة.