ملخص
التونسية وفاء الطبوبي كاتبة المسرحية ومخرجتها طرحت السؤال الإشكالي بجرأة
تتواصل عروض مسرحية "آخر مرّة" في تونس ومعها تطرح أسئلة جديدة جوهر العلاقة بين الذكر والأنثى، ولئن كان الموضوع قديماً فإن المدى السجالي لا يزال يراكم حيثياته، وفي كل مرة تكون البداية متجددة عبر المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، وهكذا تكون بحسب العنوان "آخر مرّة" هي بداية للتفكر وطرح السؤال، وليست انتهاء إلى نتيجة أو رسم صراط.
العمل من تأليف وفاء الطبوبي وإخراجها، وتمثيل أسامة كشكار ومريم بن حميدة، من إنتاج شركة الأسطورة للإنتاج وفنون التوزيع بدعم من فضاء الريو ووزارة الشؤون الثقافية التونسية.
المسرحية عبارة عن علاقة بين ذكر وأنثى في ثلاث تمثلات عامة، علاقة الرجل والمرأة في العمل وعلاقة الأم والابن وعلاقة الزوج والزوجة، وقام خلالها كل من الممثل أسامة كشكار والممثلة مريم بن حميدة بأداء الأدوار عبر طاقة رهيبة تنوعت خلالها نجاعة الأداء بين الحركة والرقص والنص المنطوق. وأعطت هذه القدرة التمثيلية للعرض مساحات انفجاره وتمثل ظلاله ورؤاه، لا بصفة إسقاطيه يحتل فيها الموضوع درجة الصدارة، بقدر ما يجذب المتفرج تباعاً لاكتشاف الجماليات الأخرى الموظفة.
ويقول بريشت إن "المسرح ليس مرآة المجتمع بقدر ما هو مطرقة تسعى إلى تشكيله"، والعرض ليس "بريشتياً" بمعنى دعوة العقل ومن ثم تحفيزه للتغيير في إطار تعليمي ملحمي، لكنه يستدعي فعل المطرقة لإزالة حاجز النمطية والانعكاس النرجسي من أجل فتح المجال الحيوي لاشتغال الانفعالات والتضاد واتساع هامش البين بين، وهذا ما تشي به الفكرة في العرض ولذلك بُني سياقها عبر ثيمات عكس المادة الفكرية والاثقال الفلسفي والتنظيري، تتراوح بين مراحل العرض بصفة مباشرة وغير مباشرة، ومنها العزلة والخوف والعنف.
وتشكل كلها رحى صراع، فهنا يمكن ترك العرض مجال التأويل للمتفرج كي يتورط في التموقع "مع/ضد" و"اصطفافاً/ نفوراً"، وليستيقظ الكل في لحظة أن الصراع وهمي متى تمثلناه تقسيماً "ذكر/أنثى" و"هي/ هو"، أي أن الأبدي أو الدائم فيه هو موقفنا من مواضع مختلفة في القراءة مثال رقمي الستة والتسعة.ويتضح مما سبق أن البحث عن الماهية الجامعة هو الأساس، كل هذا مر عبر تضمين جمالي معبر وفاعل، بدءاً بالنص الذي وإن اتسم باللهجة التونسية الدارجة، إلا أنه لم يغرق في تأكيد المدى المخصوص للموضوع.
والنص أجرى مكاشفة في أحايين مع الواقع التونسي وأعطى تمثلات للشخصيات بروح تونسية، لكنه كان في ذاته فاعلاً في إيصال رسالة كونية. وهناك توظيف جمالي آخر أعطى العمل نجاعته هو المسرح الفارغ، رسخ حضور الكرسي بصفته الهرمية والطاولة بصفتها الأفقية مجالاً لتمرير جملة الثنائيات المتناقضة "ائتلاف/اختلاف" و "تقارب/ تباعد". و"المساحة الفارغة" بحسب تعبير بيتر بروك هي التي تفسح المجال للعب الممثل وحركته وتعبيره الجسدي، ولكن بخطوات مدروسة.
وقد حضرت الإضاءة بصفتها التمثيلية الفاعلة، وهذا اشتغال تعمل عليه مخرجة العرض منذ مسرحيتها السابقة "الأرامل" بحيث تتحول الإضاءة إلى دور بصري ثابت في التأثير وتوجيه الفعل المسرحي شكلاً ومضموناً، أي أن الضوء في العرض كان دوره تمثيلياً إلى درجة تلاقي فعل الممثلين على المسرح، المسارات الضوئية المتوازية والمتقابلة والمتحولة في سياق حركة الممثلين وتعبيراتهم المنطوقة، وكانت رافعة عملية في تأكيد صبغة الصراع والتضاد وبيان الملامح الداخلية والخارجية للمساحة الواقعية والمتخيلة للشخصيات، أما الموسيقى فكانت مازجت هذا التوظيف الناجع لطاقة الممثل والفضاء الفارغ والإضاءة، ليكون التوازن سمة الفضاء المسرحي ومجال لعب حرفي تتدعم فيه رمزيات العرض وتتلون في صلبه ثيمات الفعل، وإن صح القول فيمكن أن نسمي هذا العمل بالنضج في مستوياته التعبيرية الـ "سينوغرافية" والتمثيلية.
"آخر مرّة" مسرحية تسحبك إليها لتلاسن الراكد والمتجذر، لكنها لا تعطي درساً فقط بل تستفز إيجابياً روح السؤال والإشكالات، وهو عمل بمجرد انتهاء مشاهدته يجعلك تدرك معنى الروح الجامحة في تشكيل البناء نصاً وحركة وأداء وإخراجاً. والعرض يضعنا أمام قناعة أن هنا مسرحاً وصدقاً ومشروعاً"، وعمل على محمل البساطة في إطار لا يدركه كثر "السهل الممتنع"، وغير مثقل بالمادة المعرفية والإسقاط التنظيري. وينطلق من فعل قلب الصورة المجتمعية لا الانعكاس النمطي، وهذا الانقلاب يسقط معادلة التلقين في مستوى الموضوع، وينتصر لرهان البحث عن ماهية ما. ويتمثل مشروع المخرجة وكاتبة النص وفاء الطبوبي في الانضمام إلى الموجة الجديدة التي تعيد تشكيل المسرح التونسي وتعيد صوغ رؤاه للعالم والقضايا، وهي تضم أسماء أخرى تبحث وتقدم مشاريع وعي وجماليات هادفة.