ملخص
تصاعد العنف في معارك الخرطوم والسودان يبعد 15 دبلوماسياً إماراتياً
تصاعدت وتيرة عنف المواجهات والاشتباكات بين الجيش وقوات "الدعم السريع" بصورة وصفت بالأعنف خلال الأسابيع الماضية، استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة من قصف جوي ومدفعي وصاروخي، في مختلف محاور وجبهات القتال داخل ولاية الخرطوم، في موازاة تصعيد دبلوماسي رسمي تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، وجدل حول موقف الحكومة الرافض البيان الختامي لقمة "إيغاد" الطارئة التي أنهت أعمالها قبل يومين.
انفجارات ولهب
وشهدت معظم أنحاء العاصمة السودانية انفجارات قوية في كل من الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، على أثر الغارات الجوية المكثفة وتبادل القصف الصاروخي والاشتباكات، كما هز انفجار ضخم محيط مصفاة الخرطوم للنفط بمنطقة الجيلي شمال الخرطوم بحري، أدى إلى احتراق أحد المستودعات الكبيرة بالمصفاة.
قصف وانفجارات
واستهدفت المقاتلات الحربية والمسيرات التابعة للجيش تجمعات ونقاط ارتكاز قوات "الدعم السريع" بالرياض والمعمورة ومناطق سوبا شرق وغرب وجنوب شرقي الخرطوم، كما استهدفت منطقة الأزهري شرق كلية "الرازي" الجامعية، تزامناً مع قصف مدفعي في محيط أرض المعسكرات والمدينة الرياضية.
جنوب الحزام
وأفاد شهود بأن الطيران الحربي قصف، مرات عدة، مواقع "الدعم السريع" شرق الرازي ومنطقة السلمة، جنوب شرقي الخرطوم، وأيضاً محيط منطقة الشجرة العسكرية وشرق النيل بالخرطوم بحري. وفي محيط سلاح المدرعات جنوب العاصمة، سمع دوي انفجارات عنيفة. واحتدمت المعارك والقصف المدفعي المتبادل بين الطرفين في أحياء الامتداد والمنشية ودوت أصوات انفجارات قوية باتجاه كبري المنشية شرق الخرطوم، كما شهدت أحياء أم درمان القديمة وامتداد المنطقة الصناعية والسوق الشعبية مواجهات كر وفر برية، استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والثقيلة والمقذوفات الصاروخية.
هجوم محرم
في هذا الوقت، عبرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف عن الصدمة والفزع إزاء هجوم من الجيش على قافلتها الإنسانية في الخرطوم وصفته بالمتعمد. وقال بيان للجنة إن الحادثة التي وقعت في حي الشجرة أدت إلى مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين، من بينهم ثلاثة من موظفي اللجنة الدولية. وقال رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالسودان بيير دوربيس "لقد صدمت من عدم الاحترام التام لشارة الصليب الأحمر التي يجب احترامها وحمايتها وفقاً للقانون الدولي الإنساني".
وأعرب الجيش، في المقابل، عن أسفه لتعرض موكب منظمة الصليب الأحمر الدولي لإطلاق نار من طريق الخطأ وإصابة عدد من منسوبيه، خلال عملية إخلاء مدنيين من بينهم أجانب من جنسيات مختلفة، كانوا موجودين بكنيسة "القديسة مريم" بمنطقة الشجرة بالخرطوم.
إدانة
وشرح بيان للجيش ملابسات الحادثة متهماً موكب المنظمة بمخالفة خط السير المتفق عليه وفق إجراءات التنسيق التي تمت، إذ دخل الموكب إلى نقطة التسليم في مستشفى "بست كير" من الجهة الجنوبية بدلاً من الشمالية، وكانت ترافقه عربة مسلحة بمدفع رشاش تتبع لـ"الدعم السريع" اقتربت من المواقع الدفاعية مما أدى إلى إطلاق النار. وجدد البيان التزام القوات المسلحة القاطع التعاون مع مختلف المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني، مشدداً على التقيد بالترتيبات المسبقة المتفق عليها.
في المقابل، دان بيان لقوات "الدعم السريع" ما سمته بالجريمة المروعة باستهداف وفد اللجنة الدولية للصليب الأحمر وإطلاق النار عليه بواسطة الجيش مما أسفر عن قتلى وجرحى من بينهم سيدتان من جنسيات أجنبية. وأوضح البيان أنه بحسب التنسيق المسبق، انسحبت قوة حماية "الدعم السريع" للموكب عند آخر ارتكاز لها، إلا أنه وبمجرد دخول الموكب مناطق سيطرة الجيش أطلقت عليه نيران كثيفة.
إبعاد 15 دبلوماسياً
وسط هذه الأجواء، قررت حكومة السودان إعلان 15 شخصاً من الدبلوماسيين العاملين في سفارة الإمارات أشخاصاً غير مرغوب فيهم. واستدعت وزارة الخارجية السودانية القائمة بالأعمال بالإنابة لسفارة الإمارات في السودان بدرية الشحي، بحسب وكالة السودان للأنباء الرسمية "سونا"، وطالبتها بنقل القرار إلى حكومتها ومغادرة الدبلوماسيين المعنيين السودان خلال 48 ساعة.
ترحيب ورفض
في الأثناء، وفي وقت وجد البيان الختامي لقمة "إيغاد" الطارئة ترحيباً داخلياً ودولياً، أعلنت الخارجية السودانية رفضها البيان لتضمنه وقائع لا تتسق مع ما تم في القمة واعتبرت نفسها غير معنية به. وأوضح تعميم للناطق الرسمي للخارجية السودانية أن السودان طالب بحذف فقرات من البيان في شأن مشاركة وزير الدولة بوزارة خارجية الإمارات في القمة، وهو ما لم يحدث، وأن عقد الرؤساء مشاورات مع وفد "الدعم السريع"، وفق البيان، مجاف للحقيقة، فضلاً عن أن المكالمة الهاتفية لم تتم بين رؤساء "إيغاد" وقائد "الدعم السريع"، بل مع الرئيس الكيني وليام روتو فقط وبعد انتهاء القمة، وليس ضمن أعمالها. وشدد تعميم الخارجية على أن موافقة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان على لقاء قائد "الدعم السريع"، كانت مشروطة بإقرار وقف دائم لإطلاق النار، وخروج قواته وتجميعها خارج العاصمة، مطالباً سكرتارية "إيغاد" بالتصحيح وفق الملاحظات التي أرسلها لها.
ترحيب أميركي
وأعلنت الولايات المتحدة ترحيبها بالالتزامات المعلنة في قمة "إيغاد" من جانب البرهان وقائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو بوقف إطلاق النار غير المشروط وعقد اجتماع ثنائي بينهما، ومن أجل شعب السودان والاستقرار الإقليمي. وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ماثيو ميلر أن بلاده تطالب الطرفين بالالتزام والدخول في محادثات من دون تأخير. مضيفاً "ننضم إلى منظمة إيغاد في التأكيد مجدداً أنه لا يوجد حل عسكري مقبول للصراع في السودان، ونؤيد بقوة إدانة المنظمة لدعم الأطراف المتحاربة مما لا يؤدي إلا إلى تأجيج الصراع".
وفي معرض ترحيبها بنتائج قمة "إيغاد"، ثمنت قوات "الدعم السريع" جهود التوصل إلى اتفاق وقف العدائيات في منبر جدة والمساعي الدولية إلى توحيد مبادرات حل الأزمة مؤكدة، في بيان، أن قائدها وافق بناءً على طلب المجتمعين على مبدأ الاجتماع المقترح مع الفريق البرهان بصفته قائداً للجيش فقط.
"تقدم" ترحب
وكانت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم" برئاسة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك قد رحبت بالبيان الختامي للقمة الطارئة، المتضمن التزام البرهان وقف إطلاق النار وحل النزاع عبر الحوار السياسي، فضلاً عن موافقته على الاجتماع مع قائد قوات "الدعم السريع" بتيسير من منظمة "ايغاد"، وقبول الطرف الآخر عبر اتصالات مباشرة بهم خلال اجتماعات القمة كخطوة طال انتظارها لإنقاذ البلاد.
ما بعد القمة
في السياق، أوضح اللواء أمين إسماعيل مجذوب المتخصص في إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث الاستراتيجية أن مشاركة البرهان في قمة "ايغاد" "سيكون لها ما بعدها في ظل التأكيد القاطع بوقف الحرب، مما يجعل الفرصة متاحة للاتفاق ويفتح الأبواب للسلام"، وأعرب مجذوب عن اعتقاده أن ثمة مسودة اتفاق جاهزة وفق الخطة الأميركية سبق أن بشرت بها مساعدة وزير الخارجية الأميركي مولي في، خلال زيارتها الأخيرة إلى السعودية، تقضي بوقف إطلاق النار وفق سيناريو محمي بآلية قوات مشتركة من دول منظمة "إيغاد" والسعودية والولايات المتحدة للفصل بين القوات المتحاربة وإخلاء العاصمة من "الدعم السريع" وتجميعها في معسكرات محددة خارج العاصمة.
ووصف مجذوب مشاركة البرهان بالقمة بالمميزة ووجه فيها رسائل عدة للدول الداعمة للسلام. وأكد عدم التنازل عن جيش وطني واحد ومعالجة وضع "الدعم السريع" ضمن الملف العسكري، معتبراً أن اتفاقيتي جدة، في 11 مايو (أيار) الماضي، والقضايا الإنسانية الأخيرة، أساس لأي اتفاق قبل الدخول في شق القضايا السياسية من المفاوضات.
نفي الانتهاكات
ورداً على البيان الأميركي الأخير في شأن الانتهاكات في حرب السودان، نفى بيان لقوات "الدعم السريع"، بشكل قاطع، الاتهامات الموجهة لها، وادعاءات جرائم الحرب والتطهير وترويع النساء والفتيات من خلال العنف الجنسي، مؤكدة استعدادها للتعاون مع أي لجنة تشكل للتحقيق في الأمر بمعايير شفافة وعادلة. ووصف البيان اتهامات الخارجية الأميركية بأنها لا تستند إلى معلومات دقيقة وتجاوز حقيقة من أشعل هذه الحرب التي خاضتها مجبرة دفاعاً عن النفس.
فصل مظلم
في غضون ذلك، قالت السفارة الأميركية بالخرطوم، في بيان، إنه بعد مرور 75 عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإننا "نرى فصلاً مظلماً آخر من تاريخ البشرية يظهر للعيان في السودان". وأشار بيان السفارة إلى تعرض الشعب السوداني لعديد من انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي منذ اندلاع النزاع بين القوات المسلحة وقوات "الدعم السريع" منتصف أبريل (نيسان) الماضي، من قصف مستمر وهجوم على المناطق المأهولة بالسكان والمستشفيات والمدارس في الخرطوم وفي دارفور وجنوب وشمال كردفان.
قتل جماعي
وأكدت السفارة تلقيها تقارير مؤكدة في شأن تجنيد الأطفال كمقاتلين، واختطافهم وقتلهم وتشويههم، فضلاً عن العنف الجنسي، ومنع وصول المساعدات الإنسانية إليهم، فضلاً عن تعرض أعداد كبيرة من النساء والفتيات السودانيات لأعمال شنيعة من العنف الجنسي المرتبط بهذا الصراع الذي كلما طال أمده زادت معاناة الشعب، مجددة التزامها النهوض بحقوق الإنسان لجميع السودانيين وكل منطقة من العالم.