Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

كيف سترسم "الحربان" صورة واشنطن؟

واشنطن وحلفاؤها وجدوا في معارك غزة فرصة للانسحاب الهادئ من الجبهة الأوكرانية

قصف إسرائيلي عنيف حول مناطق من غزة إلى أطلال (أ ف ب)

ملخص

الحرب في غزة حلقة أخرى في صراع تاريخي ربما يشكل آخر مراحل حروب الاستقلال في العالم

ربما سيكون السؤال ما زال سابقاً لأوانه، فلا حرب أوكرانيا حسمت، ولا حرب غزة انتهت بعد، لكن الإرهاصات والشواهد واضحة، ومن ناحية أخرى فعلى رغم ما قد يبدو من تباين بين الحالتين، فثمة روابط مشتركة مهمة أيضاً.

الاختلافات هنا واضحة، فحرب أوكرانيا كبرى في صورتها الكلية إما أن تؤدي إلى إعادة صياغة النظام الدولي أو بقائه على حاله، وحرب غزة إقليمية بين إسرائيل بجيش كبير في جانب وفي جانب آخر شعب أعزل وتنظيمات عسكرية لا تقارن بهذا الجيش النظامي الحديث والمدجج بالسلاح.

وفي الحقيقة فإن هذه المقارنة أو الزاوية التي سنعرضها لاحقاً تكشف في تقديرنا عن أهمية كبيرة للحربين في السياق الدولي، وليس مجرد الأوضاع الإقليمية للحربين.

الحربان في سياقات تاريخية

منذ الوهلة الأولى كان من الواضح أن حرب أوكرانيا أكبر من مجرد خلاف بين بلدين حول مناطق حدودية متنازع عليها، وكذلك أكبر من أن تكون مجرد رد فعل لتزايد الحديث عن رغبة كييف في الارتماء في أحضان حلف "الناتو" بما يهدد رؤية روسيا لأمنها القومي.

وعلى رغم أن السردية الروسية ركزت على هذه الأبعاد في البداية، فإنها سرعان ما أفصحت بعد فترة وجيزة من بدء الحرب أنها ترى ضرورة لإعادة مراجعة النظام الدولي، وأن استمرار هيمنة واشنطن عليه قد تجاوزها الزمن، وأن الأخيرة يجب أن تراجع توجهاتها وتحترم قوى أخرى عالمية على رأسها موسكو.

وفي الجهة الأخرى كانت السردية السياسية أيضاً متجاوزة حق أوكرانيا في الدفاع عن استقلالها وحدودها، ومتجاوزة كذلك حقها في خياراتها وتحالفاتها الخارجية، وإنما انتقلت بصورة واضحة وصريحة إلى أنها مواجهة بين العالم الحر وقيم الديمقراطية في مواجهة القومية والديكتاتورية، وتبلورت الأمور سريعاً بصورة واضحة في أنها رفض تراجع الهيمنة الأميركية والغربية ورفض تغير موازين وترتيبات النظام الدولي الراهن، وعدم السماح بصعود أقطاب جدد، وترسخ هذا بقبول القوى الأوروبية لتبعيتها وانطوائها تحت القيادة الأميركية في معركة استنزاف طويلة الأمد لمنع هذه التحولات.

أما الحرب في غزة فهي حلقة أخرى في صراع تاريخي ربما يشكل آخر مراحل حروب الاستقلال في العالم وآخر فرص حروب الاستيطان التي نجحت في العالم الجديد وفشلت في كل تجارب الاستعمار في العالم القديم وأبرز نماذج هذا الفشل كان جنوب أفريقيا. وبدا من المفارقات أن تجرى هذه المحاولة في ختام العصر الاستعماري الأوروبي، وأن يلقى قدراً من النجاح والاستمرارية، والصراع في حلقته الراهنة هو محاولة تحريك القضية في مواجهة مرحلة متقدمة من محاولات تصفيتها.

صحيح أن الولايات المتحدة هي طرف رئيس إن لم يكن الرئيس في هذا الصراع منذ عقود من خلال تحالفها وشراكتها العميقة مع إسرائيل، إلا أنه لا يمكن وصف هذه المواجهة بأنها جزء من إعادة صياغة النظام الدولي من هذه الزاوية مع الأخذ في الاعتبار أن هيمنة واشنطن وصدارتها للنظام الدولي حتى خلال الحرب الباردة هو المسؤول الرئيس عما تتمتع به تل أبيب من قوة ودعم وسبب نجاح المشروع حتى الآن.

ولكن مرة أخرى يصعب القول إن تركيبة حرب غزة تماثل ما تمثله الحرب الأوكرانية من ارتباط مباشر بصياغة مستقبل النظام الدولي وإن كانت إعادة صياغة هذا النظام إذا اكتملت ستؤثر قطعاً في القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى.

التداخلات والتشابهات

لعلنا نذكر أنه منذ بدايات الحرب الأوكرانية وتحرك واشنطن والغرب لتعبئة العالم ضد موسكو، وطرحها مفاهيم حريات الشعوب وحقوق المدنيين والقانون الدولي الإنساني وتجاوزات موسكو بهذا الصدد، تحفظت بعض دول الجنوب بالتساؤل عن أين هذا من حقوق الشعب الفلسطيني والانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها، وهو ما طرحه حتى الخطاب الرسمي الروسي على لسان الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف وكثير من مسؤوليه كما ظهر واضحاً أيضاً في كثير من التعليقات العربية، وازدحمت بها وسائل التواصل الاجتماعي العربية وفي كثير من دول العالم.

وعبر سنتي الحرب الأوكرانية لم تتوقف إجراءات الحكومة والمستوطنين الإسرائيليين عن التجاوزات والانتهاكات في الضفة الغربية، ولكن لم يطرح الأمر بصورة واضحة وعلى نطاق متسع بالصورة التي تثيرها حرب الإبادة الجماعية القاسية التي تخوضها إسرائيل الآن ضد الشعب الفلسطيني.

ونلاحظ عدداً من الأبعاد الرئيسة التي ارتفع فيها الصوت الغربي في أوكرانيا، ولكنها تنطبق الآن بصورة أكثر حدة في حالة غزة مثل المبالغة في تدمير البنية التحتية لغزة وبمعدلات دمار لمساكن المدنيين بشكل لا يقارن بما يحدث في أوكرانيا من حيث النسبة العددية، علاوة على أن معدلات قتل المدنيين، بخاصة الأطفال والنساء أيضاً بأرقام غير مسبوقة من حيث النسبة العدية وتفوق كمياً ما حدث في أوكرانيا حتى الآن وبصورة كبيرة حتى من دون مقارنة النسب.

وفي هذه الحالة الأخيرة ستكون المقارنة مخيفة لو شهدت أوكرانيا نفس النسبة، ففي هذه الحالة الأخيرة سيكون القتلى من المدنيين في أوكرانيا أكثر من نصف مليون، وهو ما لم يحدث، بل إن عددهم حتى الآن لا يقاس بصورة مطلقة أو نسبية مع العدد الفلسطيني، وأيضاً فيما يتعلق بمعدلات النزوح هي أعلى بكثير في حالة غزة.

والأخطر من كل هذا هو الحديث الصريح عن تهجير سكان غزة وإزاحتهم من أراضيهم، ومع كل هذه المقارنات وترجيحات أن "ما يحدث في غزة حالة إبادة جماعية وانتهاكات غير مسبوقة من حيث معايير القانون الدولي التقليدي، وكذلك القانون الدولي الإنساني"، يأتي الموقف الغربي المنحاز لإسرائيل، ويأتي موقف الشراكة الأميركية البريطانية اللتين تشاركا بصورة مباشرة في هذه الحرب ضد الشعب الفلسطيني.

مكاسب روسية

تنبه البعض في بدايات الحرب في غزة إلى أن الانشغال السياسي والإعلامي الأميركي والغربي بهذه الحرب ربما يكون على حساب انشغالها بالحرب الأوكرانية، ولكنني من ناحية أخرى طرحت الأمر هنا في مقال سابق من زاوية أن حرب غزة أعطت الفرصة لواشنطن وحلفائها للتراجع الهادئ والتدريجي من جبهة أوكرانيا التي بدأت فيها بوادر الهزيمة الغربية بعد فشل هجوم الربيع، أي إنها أعطتها الفرصة للتغطية على فشل جهودها وإنفاقها الهائل في أوكرانيا.

وفي الحقيقة أن كثيراً من الشواهد تعزز هذا، وعلى رأسها عودة القوات الروسية للزحف مجدداً في مناطق جديدة، مما يعني في الأقل أن أية مفاوضات أو تسويات قد تحدث قريباً لن تشمل الانسحاب الروسي من مناطق تعدها استراتيجية، وأنه حتى إذا تنازلت عن جزء من الأراضي التي تحتلها فما ستتمسك به سيكون كافياً لإعلان انتصارها في هذه الحرب.

وأعطت الحرب لموسكو أوراقاً إضافية لكشف الغرب وزيف ادعاءاته في شأن حقوق الإنسان وعدالة مواقفه وعدالة المؤسسات الدولية التي تخضع لإرادته حتى ولو بشكل انتقائي كمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية، ومن ثم قدمت حرب غزة خدمات كبرى لروسيا في معركتها ضد الغرب، وتبدو حتى الآن من أكثر المستفيدين من هذه الحرب.

صورة واشنطن

إذا كانت حرب غزة نموذجاً بالغاً للكيفية التي ستشوه صورة واشنطن الدولية وتكشف بشدة عدم التزامها القيم والمبادئ الدولية التي تتشدق بها من وقت لآخر وتوظفها كمسوغ لاستحقاقها لمكانة الصدارة الدولية إضافة لعناصر قوتها المادية الهائلة، فإن احتمالات الإخفاق التي تتزايد في أوكرانيا ستقدم دليلاً آخر على سوء حسابات وعدم تقدير مناسب للكلفة الضخمة التي تحملتها وحلفائها والاقتصاد العالمي من أجل استنزاف روسيا التي ستخرج منهكة ولكن غير مهزومة وسيشكل كل إضافة إلى الصورة السلبية الأميركية التي تعجز عن تحقيق أهدافها ولا يمكن الاعتماد على التحالف معها.

وفي كل هذا تذكرة لكل نماذج التدخلات الخارجية الأميركية من فيتنام إلى أفغانستان والعراق، ولتظل إسرائيل وحدها هي التي تحظى من واشنطن بدعم غير محدود وفي الوقت نفسه هي الشراكة الأكثر تشويهاً لصورتها الخارجية والأكثر كشفاً لمعاييرها المزدوجة.

المزيد من تحلیل