Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفرنسي الذي مزج فنون الشارع بإبداعات كبار المشاكسين

إرنست بينويون - إرنست لم ينتظر أن تأتي المدينة إلى حيث الفن فأخذ الفن نفسه إلى الأزقة والشوارع والساحات

من عرض لوحات كارافاجيو في مدينة نابولي (موسوعة فنون الشارع)

ملخص

كرس الفنان الفرنسي إرنست بينويون – إرنست كل وقته وجهده وفنه منذ ما لا يقل عن نصف قرن من الزمن لما يسمى "فنون الشارع" التي عكس فيها أعمال كبار المبدعين

سؤال: ما القاسم المشترك الرئيس بين مبدعين ينتمون إلى أمم كثيرة وحساسيات أكثر؟ بين بازوليني وجان جينيه ومحمود درويش وكارافاجيو وآرثر ريمبو وعشرات بل مئات غيرهم يضاهونهم إبداعاً ومكانة في تاريخ الفن على مدى الأزمان؟

الجواب: كون هؤلاء يشتركون في إثارة اهتمام وحماسة واحد من كبار فناني ما يعرف اليوم بـ"فنون الشارع" في عالم التشكيل، وهو بالتحديد الفرنسي إرنست بينويون - إرنست، ويثيرون اهتمامه إلى درجة أنه يكرس كل وقته وجهده وفنه منذ ما لا يقل عن نصف قرن من الزمن لنشر أعمالهم وإبقاء نوع من التواصل الفني الجماهيري قائماً معهم، ولا سيما في مدن وساحات وشوارع تشكل بدورها قاسماً مشتركاً بين حياتهم وجهودهم الفنية من ناحية وإبداعاتهم نفسها من ناحية أخرى. ولئن كنا نعرف أن فن الشوارع الذي نشير إليه هنا ليس جديداً بل لعله في نهاية الأمر أقدم مسارب الفن في تاريخ البشرية - منذ رسوم الجدران في كهوف لاسكو على أية حال - فإن علينا أن نتنبه كيف أن الثلث الأخير من القرن الـ20 أحدث تبديلاً أساساً في مسار تلك الفنون ومآلاتها، إذ من ناحية زاد من شعبيتها وانتشارها وما يسميه الباحثون اليوم ديمقراطيتها، ومن ناحية ثانية جعلها عبئاً على الذوق الفني العام بشكل ما، إذ إن تلك الديمقراطية نفسها اشتغلت وتشتغل ضد جماليتها ودورها في تكوين الأذواق الفنية بشكل عام. ومن هنا لم يكن من الغريب أن يسعى فنانون كثر في العالم ولا سيما في المدن الرئيسة في هذا العالم، إلى محاولة إصلاح الأمور وربما من منظور مسيرة تجعل شعارها الأساسي: إذا لم تأت المدينة إلى الفن، فليذهب الفن إلى المدينة.

تيارات فنية حقيقية

ونعرف اليوم أن التوجه في هذا الدرب أسهم في خلق وتعزيز تيارات فنية تقوم على تلك الفكرة، وباتت لها أسماء كبيرة معروفة في عالم الفنون اليوم. وطبعاً لا يمكننا أن نضع هنا أية لوائح بتلك الأسماء فهي عصية على التعداد، ولكن يمكننا في المقابل أن نذكر بالمكانة التي بات يحتلها في عالم اليوم فنان مثل بانكسي الذي بفضله إلى حد ما قامت عملية ارتدادية عادت بفنون الشارع للمتاحف، فباتت أعماله تعرض في تلك المتاحف وتتحول إلى مستنسخات وكاتالوغات وما إلى ذلك. صحيح أن شهرة الفرنسي الذي نتحدث عنه هنا إرنست بينيون لا تضاهي شهرة زميله بانكسي، لكنه بالتأكيد الفنان "الشارعي" الأكثر شهرة في فرنسا من دون أن ننسى أن سمعته تمكنت من أن تتجاوز حدود هذا البلد الذي ولد فيه في عام 1942 (وتحديداً في مدينة نيس في الطرف الجنوبي الشرقي منه والمعروفة عادة بمدينة المرفهين والأغنياء). ولعل هذا القرب من الحدود الإيطالية جعل له منذ البداية ارتباطاً بإيطاليا يماثل ارتباطه بفرنسا. ولكن من المؤكد أن الأمور تتجاوز حكاية هذا الجوار، ففي نهاية الأمر كان هذا الفنان وليد التحركات الشبابية وما هو عنيف منها، التي اندلعت في شبابه أواسط ستينيات القرن الـ20 فقادت مستتبعاتها خطواته الفنية ممتزجة بحس سياسي نضالي لم يبرحه أبداً، ويمكننا أن نقول منذ الآن أنه كان الحس الذي لم يبارحه لحظة في حياته.

فن ووعي وسياسة

بل كان على أية حال حساً امتزج لديه مع حساسية مفعمة عرفت كيف تمزج الفن بالسياسة، ولكن أعلى درجات الفن بأعلى درجات السياسة. وسنرى بعد أسطر كيف أن تعبير "أعلى مستويات الفن" لم يأت عنده كشعار كما الحال عادة لدى كبار ممارسي هذا الفن بما فيهم بانكسي الذي يعتبر اليوم كبير فناني هذا النوع، وكذلك في السياق نفسه المتعلق بالشعارات لا بد أن نوضح كيف أن شعار نزول الفن إلى شوارع المدن بدلاً من انتظار المدن تأتي إليه في أمكنته المعتادة، ليس مجرد كلام كالعادة. ولكن قبل ذلك لا بد من أن نتوقف ولو قليلاً عند هذا النوع الفني لنصل إلى تميز بينيون - إرنست في مضماره. ففن الشارع الذي نعنيه هنا هو تلك الرسوم الضخمة التي يقوم الفنانون برسمها أو باستنساخها على جدران المدن في الساحات وعند قواعد الجسور وعند جدران القطارات والمرافئ، باختصار في كل مكان يتاح فيه ذلك. ولقد يحدث في بعض الأحيان أن يستدعى فنانون حرفيون للقيام بهذا النوع من الأشغال بناء على طلب البلديات أو حتى شركات معينة تريد أن تضفي على نشاطاتها سمة جمالية ما. وقد تكون هذه الرسوم أعمالاً جميلة، لكنها غالباً ما تكون مجرد لوحات ذات سمات دعائية أو "سياحية" لا تتميز حقاً عن الدعايات الضخمة المنتشرة في الشوارع. لكن ما نعنيه نحن هنا بالفنون الشارعية شيء آخر تماماً. هو أعمال فنية حقيقية تكاد تنشر متاحف الفنون نفسها في شوارع المدن. وهو ما يختص به فن بينيون - إرنست على أية حال، وما دفعنا إلى الحديث أول هذا الكلام عن بازوليني ومحمود درويش وجان جينيه وغيرهم في سياق واحد.

فنون ودرويش في رام الله

فبالنسبة إلى رسامنا هذا نحن هنا إزاء نمط معين ومحدد من مبدعين كبار طبعوا القرن الـ20 وما قبله حتى بفنونهم، ولكن بما هو مشاكس في هذه الفنون. وهو لئن كان نقل تلك الفنون إلى الشوارع والساحات فهو نقل في طريقه خصوصاً جوهر المشاكس في تلك الإبداعات، وليس فقط ما هو جمالي فيها، ناهيك بنقله علاقة المبدع المشاكس بالمدينة نفسها، مما جعل المدينة تتعدى ومن بعيد كونها مكاناً يعرض فيه العمل الفني لتكون جزءاً أساساً من ذلك العمل. ولعل هذا ما يمكننا أن ندركه على الفور من خلال ذلك "العرض" وليس "المعرض فقط" الذي توجه بينيون - إرنست عند بدايات عام 2017 لإقامته في مدينة رام الله الفلسطينية في الضفة الغربية حيث عاشت المدينة تحت ظل الشاعر الكبير فترة من الزمن وبالتحديد لمناسبة محددة كمنت في افتتاح مدينة بروكسل البلجيكية في جامعتها كرسي دراسات مخصص لشعر درويش غير منفصل لا عن نضاله السياسي الخاص ولا عن القضية الفلسطينية التي كانت قضية درويش منذ ولادته وحتى رحيله، في النهاية كان الأمر أشبه بما يسمى في الإنجليزية "هابننغ" يمتزج في الجوهر والشكل بالموضوع والمكان والجمهور في بوتقة واحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المهمشون وكرامة الإنسان

ومع هذا كله لا شك أن العلامة الأكثر إشعاعاً على فن بينيون - إرنست تبقى تلك العروض التي "أقامها" في مدينة نابولي الإيطالية باكراً منذ عام 1990 أبرز ما حققه بينيون - إرنست في مسيرته الفنية حتى الآن، فهو هنا أخرج الأعمال المتحفية حقاً من سجنها بين الجدران ليطلقها في عدد لا بأس به من شوارع المدينة وأزقتها. ولنقل بالأحرى أن ما عرضه إنما كان منسوخات متفاوتة الحجم من تلك اللوحات، بل حتى من أشد لوحات كارافاجيو ضراوة في مشاكستها، وهو علق تلك المنسوخات التي بدت في نهاية الأمر أشبه بنسخ عن الدرسات التمهيدية للوحات، على الجدران وفي الساحات منطلقاً في ذلك من واقع تاريخي شدد عليه في كتابته حول العرض، وهو أن كارافاجيو (1571 - 1610) كان يعالج المواضيع الدرامية المقدسة الكبرى وكأنها مآس يعيشها أناس عاديون من نوع الذين كان هو نفسه يلتقطهم في الشوارع ليرسمهم وهم يؤدون أدواراً، وجلهم من العاهرين والعاهرات والمتسولين وزعران الشوارع وما شاكلهم. وهو من خلال رسمهم كان يعيد لهم شيئاً من كرامتهم الإنسانية التي بقيت في اللوحات بعدما نسي كل شيء. من هنا لم يكن صدفة أن يعيدهم بينيون - إرنست إلى الشارع، ولكن بكرامتهم من خلال لوحات يعيد إنتاج مكان عرضها ليكيفها مع الحياة المتخيلة التي تليق بهم. ولكن كجزء من "ذاكرة جديدة" لمكان ينتمون إليه، وها هم الآن يعيدون له كرامته من خلال إبداعات فنان قد لا يكون قصد ذلك أصلاً، لكن توظيفه من جديد أضفى على اللعبة الفنية أبعاداً أخلاقية وسياسية بالغة الأهمية في زمن لا يتبقى فيه للمهمشين سوى ذلك النزر اليسير من كرامة يمتلكونها أصلاً حتى وإن كانوا هم أنفسهم لا يدركون ذلك تماماً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة