ملخص
تستفيد إيطاليا من رحيل الأثرياء غير المقيمين ضريبياً عن بريطانيا، الذين تدفعهم سياسات حكومة ستارمر إلى المغادرة. بينما تخسر بريطانيا هذه الفئة، تجذبها إيطاليا عبر نظام ضريبي مخصص، ما يعزز استثماراتها واستقرارها المالي.
إيطاليا من بين أقرب الأصدقاء الأوروبيين لبريطانيا. وتمتعت رئيسة وزرائها، جورجيا ميلوني، بعلاقة وثيقة مع ريشي سوناك، وهي علاقة تكررت مع كير ستارمر. ومع ذلك، يبدو أن هذه الصداقة لها حدود، فعندما يتعلق الأمر بالتفوق على الحليف، يظهر الإيطاليون تفوقهم بأسلوب أنيق ومصمم بعناية.
ومنذ توليه السلطة، بذل ستارمر وزملاؤه قصارى جهدهم لإبعاد "غير المقيمين لأغراض ضريبية" non-doms، أي أصحاب الثروات المسجلة في بلدان أخرى الذين يختارون الاستقرار والاستثمار في المملكة المتحدة في مقابل مزايا ضريبية. وتعرض هؤلاء لإجراءات تستهدف جمع الأموال نصت عليها موازنة وزيرة الخزانة رايتشل ريفز الأولى، وعلى رغم تخفيف محدود للإجراءات، تعد الإشارة التي أرسلتها الوزيرة واضحة: بريطانيا تعتبر هؤلاء هدفاً للضرائب.
لكن ما نخسره نحن تكسبه إيطاليا. فالمبالغ التي تجنيها من غير المقيمين تتزايد سنوياً، لتصل إلى عشرات الملايين. وهذا فقط من الضرائب. أما العائدات من الإنفاق والاستثمار فمن الصعب تحديدها، لكنها على الأرجح أعلى بكثير. وبينما تستعد ريفز لبيانها المالي الكبير المقبل قريباً، قد يكون من المفيد لها أن تتأمل السبب وراء محاولة دول أخرى استقطابهم في وقت تقوم بريطانيا بطردهم.
فنتيجة لموازنة ريفز يغادر هؤلاء بريطانيا بأعداد كبيرة. ويقدر مكتب مسؤولية الموازنة بأن من بين 74 ألف شخص مؤهلين للحصول على وضع غير المقيم ضريبياً، سيغادر المملكة المتحدة هذا العام وحده ما يصل إلى 12 في المئة إلى جانب 25 في المئة من أولئك الذين يحملون منهم أصولاً ائتمانية، وهاتان نسبتان كبيرتان. يذكر أن أحد أثرى الأثرياء اشترى أخيراً عقاراً في دبي في مقابل 250 مليون دولار، وبينما سيحتفظ بمنزل كبير في لندن، حيث كان يعمل في السابق 80 موظفاً محليين وغير محليين، سينخفض هذا العدد إلى 15 شخصاً، أي إن 65 شخصاً سيفقدون وظائفهم.
وهنا تتقدم إيطاليا. فعلى رغم أنها ليست بحجم المملكة المتحدة نفسه اقتصادياً وتفتقر إلى النفوذ المالي الدولي لمدينة لندن، فإن دولة ميلوني تحركت بسرعة. فهي عازمة على التنافس لاستقطاب الأثرياء في العالم، حتى لو لم تكُن صديقتها، بريطانيا، تفعل الشيء ذاته أو لم تعُد تمتلك العزيمة والقدرة الكافية لذلك.
ووفقاً لإنيغو لامبرتيني، السفير الإيطالي لدى المملكة المتحدة، هناك ما بين 4500 و5000 من ذوي الوضع الضريبي غير المقيم في إيطاليا، يقيم نحو نصفهم في منطقة ميلانو. ويزداد هذا العدد باستمرار. وصرّح إلى "اندبندنت": "ينمو عدد غير المسجلين ضريبياً في إيطاليا بنسبة 45 في المئة كل عام منذ تطبيق النظام الخاص بهم قبل سبعة أعوام".
وتساهم هذه الفئة بصورة متزايدة في تعزيز الاستقرار المالي لإيطاليا. ووفقاً لمحكمة التدقيق الإيطالية، دفعوا 254 مليون يورو كضرائب بين عامي 2018 و2022، من بينها 232 مليون يورو من غير المقيمين الرئيسين، وأقل بقليل من 22 مليون يورو من أفراد عائلاتهم.
أما الأثر الأكثر أهمية والأصعب في التقييم، فهو مقدار إنفاقهم واستثماراتهم في إيطاليا. ومن غير المفاجئ أن يكون كبيراً ومتزايداً، إذ إنهم يوظفون السكان المحليين ويمولون قطاعات التجزئة وتطوير العقارات والخدمات.
وإيطاليا تواجه منافسة عالمية شرسة، بحيث تسعى دول أخرى إلى جذب هؤلاء الأثرياء والاستفادة من ثرواتهم. وتبرز الإمارات العربية المتحدة وسويسرا كأكثر المنافسين جدية في هذا المجال، لكن الولايات المتحدة أيضاً دخلت السباق، حيث أعلن الرئيس الجديد، دونالد ترمب، عن تأشيرة إقامة ذهبية بقيمة 5 ملايين دولار.
وهناك بعض المعارضة السياسية لهذا النظام في إيطاليا، لكنها ليست كبيرة، وتقتصر في الغالب على التذمر من ارتفاع أسعار العقارات في ميلانو، غير أن لامبرتيني يشير إلى أن هذه المخاوف تتلاشى أمام الفوائد الاقتصادية، ويقول: "عادة ما يكون انتقال محل إقامتهم الضريبي مصحوباً باستثمارات وإنفاق كبيرين في العقارات والخدمات وقطاع التجزئة". وبمجرد أن يستقروا في إيطاليا، فإنهم يصبحون جزءاً من النسيج الاقتصادي، ويجدون فيها بيئة جذابة، وهم ليسوا من النوع الذي يكتفي بالجلوس من دون حراك، بل يسعون دائماً إلى توظيف أموالهم، مما يعني أن اختيارهم لإيطاليا "يمكن أن يضمن أيضاً ارتباطاً أكبر بالاقتصاد والصناعة الإيطالية، مما يحفز مزيداً من الاستثمارات المباشرة."
وفي وقت يبدو أن ستارمر وريفز مصممان على التخلي عن ميزة اقتصادية لا تمتلكها معظم الدول – وإن كان ذلك لسد عجز في الخزانة العامة البريطانية – فإن الدول الأخرى سعيدة بالاستفادة من هذه الفرصة. فعلى سبيل المثال، تفعل إيطاليا كل ما في وسعها لإقناعهم بالتوجه إلى أرض الطعام الرائع والأزياء والساحات المشمسة، ناهيك عن سهولة الوصول إلى سوق الاتحاد الأوروبي، من دون وجود حد أقصى لعددهم. والرسالة واضحة: "مرحباً بكم، كلما زاد العدد كان ذلك أفضل."
ويبدو أن ميلوني وحكومتها لا تصدقان كرم صديقتهما البريطانية... أم ينبغي القول قصر نظرها؟ ويجب على ريفز أن تدرك عاجلاً، قبل فوات الأوان، أن بريطانيا تضر بنفسها عن عمد بقراراتها.
© The Independent