Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

الرسام مازن كرباج يقاوم محو الذاكرة الفلسطينية

كتابه المصور "غزة: هل تروننا حقاً؟" يتعرض لحملات من المنع في فرنسا

من رسوم مازن كرباج عن غزة في كتابه الجديد (أكت سود)

ملخص

في مواجهة الحملة الضارية التي يتعرض لها الفنان اللبناني مازن كرباج في فرنسا، يتعين أن تنهض هجمة مضادة تؤكد حق نجل الفنان اللبناني الكبير الراحل أنطوان كرباج في التعبير عن تضامنه مع ضحايا المحرقة الفلسطينية المتواصلة في غزة.

تتجلى الحملة ضد الرسام مازن كرباج في المحاولات الدؤوب المحمولة على تهديدات للحيلولة دون انتشار وتوزيع كتابه "غزة: هل تروننا حقاً؟"، الصادر بالفرنسية أخيراً عن منشورات "أكت سود". ويقود هذه الحملة "المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية" في فرنسا (Crif)، الذي خاطب مكتبات في باريس يحضها على منع بيع الكتاب الذي يزعم المجلس أنه "يزيف الواقع، ويصنع منه سلاحاً دعائياً، وأنه لا يقتصر على نشر وجهة نظر بل يغذي خطاب الكراهية".

وكان كرباج المقيم في برلين والمعروف بمناصرته الحق الفلسطيني أفصح عن هذه التفاصيل من خلال حسابه على "إنستغرام"، إذ وثق بالرسومات (غالبها بالأبيض والأسود) يوميات المجازر التي نفذها الجيش الإسرائيلي في غزة خلال الفترة ما بين التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) إلى الـ24 من سبتمبر (أيلول) 2024. وانتشرت الرسومات على وسائل التواصل الاجتماعي كاشفة المزاعم التي تغذي خطاب الإبادة الإسرائيلي، المعتمد على بروباغندا تزيِّف الحقائق، إذ نمت هذه الفبركة في ظل القيود التي فرضتها دول عديدة في العالم على حرية التعبير والاحتجاج ضد إسرائيل وجيشها، التي تصف بعض رسومات كرباج بأنه "الأكثر انحطاطاً أخلاقياً في العالم". كرباج وصف أصحاب الحملة ضد كتابه بأنهم يحاولون "محو الشهادات المثبتة للإبادة الجماعية في غزة". وقال إن "أساليب أصحابها مافيوية وتشبه في رقابتها ممارسات الأنظمة الشمولية".

وكان "المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية" في فرنسا، احتج على بعض مقاطع الكتاب التي وردت فيها عبارات مثل "معاداة الصهيونية واجب" (وهي منتزعة من سياقها الذي يقول: معاداة السامية عار. معاداة الصهيونية واجب)، و"فلسطين هي البوصلة الأخلاقية للعالم". ويعلق كرباج: قالوا لنا ألا نهتف "من النهر إلى البحر... فلسطين حرة" لأن هذا معاد للسامية، والآن يطلبون منا أن نتوقف عن قول "فلسطين حرة". أتساءل ما الكلمة المحظورة التالية "فلسطين" أم "حرة"؟

ولا تحظى رسالة (Crif) بالقوة التنفيذية المباشرة لأنها ستمر عبر القنوات القضائية، وسيُستشار خبراء قانونيون وإعلاميون وسياسيون في شأن مشروعية التعبير الفني عن "الهولوكست" الفلسطيني، في ظل قبضة منظمات متشددة مؤيدة لإسرائيل تحاول أن تحرف الجمهورية الفرنسية عن مبادئها (النبيلة) المؤسسة على الحرية والعدالة والمساواة، وكذلك صيانة التعبير الإبداعي الذي ينخرط في مشروع التعددية والحق الديمقراطي في التفكير، وكذلك حق الناس في الحصول على المعلومات من مصادر متنوعة.

الخوف من التهمة

العقل السياسي الفرنسي، خصوصاً في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون (الذي ناشد الجزائر غير مرة إطلاق سراح الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، المدان بتهم تتصل بحرية التعبير)، ينأى عن خوض نقاشات قد تفضي إلى اتهامه بـ"معاداة السامية" أو التحيز للمقاومة الفلسطينية التي يجري اختزالها في "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، مع أن المقاومة في الواقع تتشكل من مجموع الشعب الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال والإقصاء والتهميش والتهجير والتمييز العنصري، حتى داخل ما يُعرف بالخط الأخضر أو"أراضي 1948" التي أقيمت عليها دولة الكيان.

وما لا يدركه الغرب وفرنسا ويتعاميان عنه أن هناك مقاومة ثقافية لهذا الاستبداد، تتمثل في الفنون والآداب ووسائل التعبير والاحتجاجات السلمية، وهذه المقاومة مبنية على الأفكار. وفي صراع الأفكار ينتصر الواقع والشواهد والأدلة والحق التاريخي. وفي قاع الضمير الغربي ترقد القناعات الراسخة غير المجهور بها، بأن القضية الفلسطينية محقة وعادلة ومفتوحة على عذاب لا  ينتهي.من وحي هذه الأسس والقناعات جاءت رسومات كرباج الذي يؤكد "ما رأيناه ولا نزال نراه في فلسطين سيبقى في الأذهان لقرون قادمة. ذاكرتنا لا يمكن محوها".

كرباج الذي يقاوم بألوانه التي غلب عليها أخيراً الأسود، يستعيد مفارقة جارحة "عندما كنت طفلاً كنا نكتب اسم الفتاة التي نحبها على سواعدنا... اليوم، في غزة، الأطفال يكتبون أسماءهم على سواعدهم حتى يمكن التعرف عليهم إذا قتلوا بقنبلة".

اقرأ المزيد

لا بد في غضون هذه المصائر التراجيدية من التنويه بشجاعة دار "آكت سود" (تأسست 1978)، التي لم تستسلم للمطالبات والتحذيرات بإزالة كتاب كرباج من رفوف المكتبات في فرنسا مؤكدة التزامها بحرية التعبير، وكاشفة أن الاقتباسات التي استندت إليها (Crif) منحازة ومقتطعة من السياق. وقال المحرر في الدار الباريسية المشهورة بنشر الأدب العربي، إن قراره نابع من أهمية تغذية النقاش الفكري من دون إقصاء الأصوات المتنافرة.

وفي رسالة بتاريخ الخامس من مارس (آذار) الجاري، رد الناشر بأن "المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية" في فرنسا حر في أن يتمنى لمنشورات مثل غزة بألا ترى ضوء النهار، لكنه يتجاوز حريته من خلال مطالبة بائعي الكتب على أساس تقديره الوحيد، بإزالة هذا العمل من رفوفهم".

وفي مفارقة تثير الذعر من قوة الهيمنة المؤيدة لإسرائيل وعملها السري تقول النائبة من أصول فلسطينية ريما حسن على منصة "إكس"، تعليقاً على السجال بخصوص كتاب كرباج "لأعوام، عندما أذهب إلى محل لبيع الكتب كنت أسأل بائع الكتب بانتظام عما إذا كان لديه مؤلفون أو كتب فلسطينية تتناول هذا الموضوع (القضية الفلسطينية). أنا مدهوش بصورة منهجية من حقيقة أن هناك عدداً قليلاً جداً من المراجع المتاحة للقراء". وتابعت "وكان ذلك من دون أن أعلم أن (Crif) كان يستمتع بمطالبة بائعي الكتب بسحب الكتب التي تتحدث عن فلسطين".

المزيد من ثقافة