ملخص
التضخم واهتراء القدرة الشرائية للتونسيين أسهما في ضعف الإقبال على شراء الذهب
بات واضحاً أن الفضة صارت المعدن المُحبذ لعدد كبير من التونسيين بدلاً من المعدن الأصفر الذهب الذي صار عصياً على جل الأسر وبصفة أدق على المقبلين على الزواج.
ومنذ أعوام حدث تحول جذري في البلاد في التعاطي مع المعادن النفيسة وبخاصة الذهب، إذ إن عدداً لا بأس به من التونسيين أدخلوا معدن الفضة في تقاليدهم كونه أقل قيمة مالية من الذهب، وسط قبول به بخاصة لدى فئة الشباب المقدمين على الزواج مع الاقتصار على قطعة أو قطعتين من الذهب.
وحاول المهنيون التأقلم مع الواقع الجديد لسوق المعادن النفيسة بعرض منتوجات عصرية من الذهب تروق للأعين أو توفير منتوجات من الذهب مغطسة في مادة الذهب في خطوة لتقليل الكلفة من الجانبين، أي من المنتج والمستهلك.
ركود غير مسبوق
المُتجول في أهم سوق للصاغة في تونس العاصمة (سوق البركة) التي تعد بوصلة القطاع في كامل البلاد يلاحظ الركود غير المسبوق لحركة البيع والشراء، إذ إن المار من هذه السوق يعاين مرور المقبلين على الزواج رفقة عائلاتهم يتأملون فقط لا غير في المصنوعات المعروضة من الذهب بسبب شطط أسعار المعدن النفيس المتجاوزة القدرة للشرائية لمجمل التونسيين.
ويقف العاملون بجل محال الصاغة ينادون على المارة يستوقفونهم من أجل عرض المصوغ مقترحين مساعدتهم بخفوضات علها تغريهم وتجلب اهتمامهم، لكن عندما ينصتون إلى الأسعار يصطدمون بحقيقة ضعف إمكاناتهم أمام الأسعار الملتهبة للذهب في تونس.
وموسما رمضان والصيف يمثلان تقريباً الأهم بالنسبة إلى تجار المصوغ في تونس، لارتباطهما بموسم الأعراس والأفراح والنجاح في اختبار الباكالوريا لغرض تقديم الهدايا.
في الأثناء لا تزال عادة اكتناز الذهب أداة ادخار ضاربة في القدم لدى الأسر التونسية، وبصفة أدق في بعض محافظات البلاد الداخلية، إذ تتحوط هذه الأسر بالمعدن النفيس الذي يستعمل للزينة ويُلجأ إليه في زمن الأزمات لتمويل مشاريع عائلية على غرار اقتناء العقارات السكنية أو الزراعية.
أسعار مستعرة
يُربك الارتفاع القياسي لأسعار الذهب عالمياً مواسم شراء المعدن النفيس في تونس، وغالباً ما تشهد فترة ما قبل عيد الفطر إقبالاً على الشراء، إذ تقدم قطع الحلي كهدايا للنساء أثناء الخطوبة.
وموسم العيد هو من العادات القديمة التي يستفيد منها تجار المصوغ، إذ غالباً ما تتجاوز تجارتهم في النصف الثاني من شهر الصيام مرحلة الركود التي تعيشها الأسواق في فترات مختلفة من السنة نتيجة الغلاء وارتفاع الأسعار.
لكن سعر الغرام الواحد من الذهب عيار 18 وصل في الأسابيع الأخيرة إلى مستويات قياسية لن تجاريها القدرة الشرائية المهترئة لعموم التونسيين، إذ بلغ 320 ديناراً (106.6 دولار)، بحسب ما أكده رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ حاتم بن يوسف، مشيراً إلى أن الأسعار في تونس مرتبطة بالأسعار العالمية.
وعبر بن يوسف عن اندهاشه للأسعار المستعرة واصفاً إياها بأنها بلغت مستويات غير متوقعة إطلاقاً، مرجعاً ذلك إلى الحرب الروسية التي ألقت بظلالها على البورصة العالمية لسوق الذهب.
عوامل جيوسياسية
يلاحظ كذلك أن روسيا دخلت السوق العالمية وأصبحت تستثمر في الذهب بعدما جمد الاتحاد الأوروبي أصولها، فيما تقلصت شراءات الصينيين للذهب في المقابل ارتفع الاحتياط الروسي من الذهب.
وفي ظل الأوضاع العالمية الراهنة، رجح المتخصص في صناعة الذهب مواصلة ارتفاع أسعار الذهب عالمياً.
وحقق سعر الذهب في البورصة العالمية منذ بداية عام 2025، ارتفاعاً بنسبة تقارب 14 في المئة، مدفوعاً بعوامل اقتصادية وسياسية عدة، أبرزها السياسات التجارية الأميركية التي أسهمت في خلق حال من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية، يضيف المتحدث.
وأقر رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ بأن أسعار الذهب صارت خارجة عن نطاق التونسيين، وأن السعر العالمي تضاعف بصورة كبيرة، وأن تراجع سعر صرف الدينار التونسي بصورة كبيرة خلال الأعوام الأخيرة شكل أحد أهم العوامل الرئيسة للصعود القياسي للأسعار (دولار واحد يساوي ثلاثة دنانير).
وفي السياق ذاته اعترف حاتم بن يوسف أن المبيعات تقلصت بصورة ملحوظة ولم يعد الذهب من اهتمامات التونسي حتى بالنسبة إلى المقبلين على الزواج، لا سيما مع تراجع المقدرة الشرائية وتدني الأجور في مقابل ارتفاع الأسعار التي طاولت مختلف المنتوجات والمواد والخدمات.
وبيّن أن هذه الوضعية أثرت سلباً في قطاع يوفر نحو 15 ألف موطن شغل بينهم 1200 تاجر و1400 حرفي و1000 من أصحاب الكفاءة المهنية.
وبحسب رئيس الغرفة الوطنية لتجار المصوغ، أثرت تداعيات الصراعات العالمية في أسواق الذهب بصورة مباشرة، إذ يحفّز الطلب المكثف على المعدن النفيس الأسعار حتى في الأسواق الصغرى على غرار السوق التونسية.
ومضى يقول "إن سعر الذهب لم يسجل تاريخياً قفزات على غرار ما يحصل هذه الفترة، والطلب الصيني على الذهب وسياسات التحوط العالمي التي تنتهجها الدول الكبرى أدت إلى تحولات عميقة في سوق الذهب قد تستمر أعواماً مقبلة".
تراجع التعاملات
بحسب حاتم بن يوسف يأتي الصعود الحاد لسعر الذهب بينما تشهد السوق التونسية تراجعاً في التعاملات بنحو 50 في المئة مقارنة بالمستويات السائدة قبل نحو 10 أعوام، نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد التي تعاني تأثيرات التضخم الذي تسبب في تراجع القدرة الشرائية لكثير من المواطنين.
وأردف بالتوضيح أن غالب الصناعيين يكدون من أجل المحافظة على موارد رزقهم في ظل صعوبات اقتصادية كبيرة أثرت في القدرة الشرائية للتونسيين، مع تقليص البنك المركزي من الحصص الشهرية للذهب التي توزع على المصنعين من 200 غرام إلى 55 غراماً شهرياً بسبب اختلال الميزان التجاري وتراجع احتياط النقد الأجنبي.
لجوء إلى المصوغ المُقلد
يرى عماد الناقوري وهو حرفي في صناعة المجوهرات والذهب أن ارتفاع أسعار الذهب في تونس راجع إلى أسباب أبرزها تدني سعر صرف الدينار مقابل الدولار في الأعوام الأخيرة، وارتفاع أسعار المواد الأولية التي يُصنع بموجبها الذهب.
ولفت، وهو يعمل بمفرده في محله الضيق بأحد أحياء تونس العاصمة، إلى أن موجة التضخم التي لا تزال في مستويات عالية في تونس نفرت عدداً كبيراً من المواطنين وبخاصة المقبلون على الزواج من اقتناء المعدن النفيس، مستدركاً بانه بات يلاحظ بروز مظاهر الإقبال على شراء المنتوجات المقلدة غير الأصلية التي تكون أثمانها متدنية جداً كحل بديل.
واضطر إلى التأقلم مع هذه الوضعية بتصنيع منتوجات مقلدة دون مستوى المعدن الحقيقي، من أجل الحفاظ على عدد ولو قليل من الزبائن من جهة وتغطية مصاريفه من جهة أخرى، ملخصاً المسألة بحرصه على أن يظل محله مفتوحاً وغير مغلق.
لا مناص من تحرير القطاع
يراهن تجار المصوغ في تونس على ضرورة إصدار قانون جديد يحرر المعدن الأصفر، بما يسمح بالاستفادة من كميات الذهب المستعمل لإعادة تدويره واستغلاله.
وبحسب حاتم بن يوسف فإن تحرير القطاع سيمكن من تقليص الطلب على الذهب المورد من قبل المصرف المركزي وسيوفر إمكانات كبيرة للاستفادة من الذهب المحلي الذي يقع استغلاله، مؤكداً أن كميات كبيرة من الذهب المستعمل هُربت في الأعوام الأخيرة نتيجة انحسار السوق وعدم القدرة على إعادة تصنيعها وإدخالها في المسارات التجارية المنظمة.
وللخروج من الأزمة الحالية وإمكان عرض الذهب بأثمان في المتناول، دعا السلطات المختصة من وزارة المالية والمركزي التونسي إلى التحرير الداخلي لقطاع الذهب في تونس، حتى يتسنى التصرف في المعدن غير الحامل للطابع، وتستفيد منه الدولة وأهل المهن والمواطن على حد سواء، بما يعود وفق رؤيته بالنفع على خزانة الدولة وعلى المواطن والمهنيين.
وللغرض اقترح ضرورة إدماج تلك الثروة في الاقتصاد الرسمي قائلاً، "إن أطناناً من الذهب غير الحامل للطابع تذهب نحو التهريب والفساد وتبييض الأموال".
وأفاد رئيس الغرفة النقابية الوطنية لتجار المصوغ أنه عرض مشروعاً توافقياً بين أهل المهنة على الحكومة منذ عام 2021 يتعلق بتحرير قطاع الذهب داخلياً لكن لم يتلق رداً على هذا المشروع إلى الآن.