ملخص
إن نجاح أي حلول مستقبلية في دارفور سيعتمد بصورة كبيرة على قدرة نظام الحكم في السودان على تحقيق مصالحة شاملة تشمل جميع الأطراف، بما في ذلك الحركات المسلحة، والمجتمعات المحلية المتضررة.
على مدى عقود، ظل إقليم دارفور أحد أكثر الأقاليم السودانية تعقيداً، بتداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة، إذ ظلت جذوة الصراع الدموي فيه مشتعلة بدءاً من مظالم التهميش والتنافس على الموارد، ولم تخب باتفاقات عدة، فشلت في وضع حد للحرب. وعلى رغم التحولات السياسية التي شهدها السودان، منذ سقوط نظام البشير عام 2019، ظل الإقليم بمثابة المنطقة الرخوة التي تدفع ثمن الصراع السياسي والأمني الذي يحيط بنظام الحكم في السودان.
لا يزال الإقليم يواجه تحديات مركبة وسلاماً هشاً وغياباً للإرادة السياسية التي كان يمكن أن تضع حداً لتدهوره، فماذا نعرف عن دارفور وتركيبته الإثنية، وكيف بدأ النزاع وتفاقم، ولماذا يحظى بالاهتمام العالمي، وما أبرز اتفاقات السلام وقرارات مجلس الأمن، وما مستقبل الإقليم؟
1. ما إقليم دارفور وأين يقع؟
يقع إقليم دارفور في غرب السودان، ويعد واحداً من أكبر الأقاليم في البلاد من جهة المساحة والتنوع السكاني، يحده من الغرب دولة تشاد، ومن الشمال دولة ليبيا، ومن الجنوب جمهورية أفريقيا الوسطى، مما يجعل المنطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة.
يمثل إقليم دارفور نقطة تلاقٍ بين شمال ووسط أفريقيا، وله حدود مع دول تعاني عدم الاستقرار، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني والإقليمي، ويعد ممراً استراتيجياً لحركات التهريب والهجرة غير الشرعية بين الساحل الأفريقي والبحر المتوسط.
ينقسم إقليم دارفور إلى خمس ولايات، شمال دارفور وجنوب دارفور وشرق دارفور وغرب دارفور، ووسط دارفور، وتبلغ مساحة الإقليم نحو 493 ألف كيلومتر مربع، مما يجعلها تقارب مساحة دولة فرنسا، ويعزز أهمية الإقليم الجغرافية.
من الناحية الجيولوجية يُتنبأ بوجود مخزون هائل من البترول في المنطقة، إضافة إلى غنى دارفور بالمعادن الثمينة مثل الذهب واليورانيوم الذي يوجد بكميات كبيرة.
أما من الناحية السكانية فيقدر عدد سكان دارفور بنحو 8 ملايين نسمة أو أكثر، ومع ذلك فإن المنطقة شهدت تدهوراً كبيراً في الأوضاع الأمنية والإنسانية بسبب الحروب الأهلية المستمرة، إذ بلغ عدد القتلى نحو 300 ألف شخص، إضافة إلى معاناة الملايين من النازحين واللاجئين.
2. من أين أتت تسمية دارفور؟
اسم "دارفور" يعتقد أنه يعود إلى اللغة العربية ويعني "دار الفور"، و"الفور" تشير إلى إحدى قبائل الإقليم، وتعني "منزل الفور" أو "إقليم الفور".
تاريخياً، كان الفور هم إحدى المجموعات الإثنية الرئيسة في دارفور، وكان لهم سلطنة قوية في المنطقة قبل أن تصبح جزءاً من الدولة السودانية الحديثة، وهي واحدة من الممالك التاريخية المهمة في غرب السودان، التي أدت دوراً كبيراً في تاريخ المنطقة لقرون عدة، وكانت عاصمتها مدينة الفاشر.
أُسست سلطنة دارفور في القرن الـ16، ويعتقد أن السلاطين الأوائل كانوا من قبيلة الفور، وقد أسسوا مملكة قوية في المنطقة التي كانت تحوي مجموعة متنوعة من الشعوب والقبائل. وخلال القرنين الـ17 والـ18 كانت سلطنة دارفور في أوج قوتها وازدهارها، في هذه الفترة توسعت السلطنة لتشمل مناطق واسعة من غرب السودان وامتدت إلى أجزاء من تشاد.
كانت دارفور تعد من القوى السياسية والعسكرية المهمة في المنطقة، وكان لها تأثير في العلاقات السياسية والدبلوماسية مع جيرانها مثل المماليك في مصر والإمبراطورية العثمانية. وكان النظام السياسي في دارفور يعتمد على حكم مركزي قوي، حيث كان السلطان يحكم من عاصمته الفاشر، ولكن كانت هناك أيضاً حكومات محلية تتعامل مع القضايا المحلية.
آخر سلاطينها "السلطان علي دينار" الذي حكم من 1898 إلى 1917، ففي أواخر القرن الـ19، بدأت السلطات الاستعمارية الأوروبية في فرض سيطرتها على المنطقة، وفي عام 1916 تمكنت القوات البريطانية من السيطرة على سلطنة دارفور خلال فترة الاستعمار، وأصبحت جزءاً من السودان الذي كان تحت حكم بريطانيا ومصر.
بعد استقلال السودان عام 1956 أصبحت دارفور جزءاً من الدولة السودانية، وعلى رغم ذلك استمرت المنطقة في مواجهة تحديات كبيرة مثل النزاعات الإثنية والصراعات الداخلية، مما أدى في النهاية إلى اندلاع النزاع في دارفور في أوائل القرن الـ21.
3. ما التركيبة الإثنية لسكان دارفور؟
يعد إقليم دارفور من أبرز المناطق السودانية التي تتميز بتنوع إثني واسع ومعقد، حيث يقطن المنطقة كثير من القبائل التي تنحدر من أصول عربية وأخرى أفريقية، مما يجعلها من أقاليم السودان الغنية بالتنوع الثقافي. من أبرز هذه القبائل الفور والزغاوة والمساليت والرزيقات والبني هلبة والمحاميد والبرتي والتعايشة. ويعيش معظم السكان على الزراعة والرعي، مما أفرز تنافساً شديداً بين هذه المجموعات على الموارد الطبيعية مثل الأرض والماء، مما أدى إلى تعقيد العلاقات بين القبائل في المنطقة.
تعود جذور القبائل في دارفور إلى إثنيات متعددة يصعب أحياناً تحديد انتماءاتها بسبب تداخلها في ظل الجوار الأفريقي، فمع مرور الوقت تأثرت هذه المجتمعات بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية المتبادلة، مما جعل بعض الحدود الإثنية أكثر مرونة، خصوصاً في المناطق الشرقية مثل ولاية شرق دارفور، حيث تزداد المصاهرة مع القبائل العربية، ويعتمد السكان بصورة أساس على الزراعة، وعلى رغم هذه الاختلاطات لا تزال كل قبيلة تتمسك بهويتها الخاصة وتصر على الحفاظ على تسمياتها وأسلوبها القبلي.
ومع تراجع دور الدولة في تأمين وحماية مواطني الإقليم، خصوصاً في المناطق النائية، باتت القبيلة تشكل القوة الرئيسة التي تلجأ إليها المجتمعات لحل النزاعات، إذ تتحول الصراعات الصغيرة، مثل التنافس على المرعى أو الأرض، إلى نزاعات أكبر قد تتطور إلى حروب دامية. وقد أسهم غياب الدولة عن توفير الخدمات وأداء واجباتها في تعزيز سلطة الزعماء القبليين، الذين أصبحوا بمثابة رموز للسلطة والشرعية في مواجهة الصراعات.
أسهمت النخبة السياسية والثقافية في تعزيز هذا الواقع، إذ استفادت بعض الأطراف من الوضع القبلي لتحقيق مصالح شخصية وفئوية، مما أدى إلى تزايد الانقسامات داخل المجتمع، ودفع القبيلة إلى الظهور كعنصر أساس في الصراعات السياسية بدلاً من الكفاءة الفردية، هذا الوضع ساعد على تعميق الانقسامات وإذكاء الفتن بين القبائل التي أصبحت تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال التحالفات القبلية والصراعات المستمرة.
4. كيف بدأ النزاع في دارفور؟
اندلعت حرب دارفور عام 2003 نتيجة لمجموعة من العوامل المعقدة التي تراكمت على مر الأعوام، بدأت الحرب نتيجة لتصاعد التوترات بين الحكومة السودانية في الخرطوم، التي كانت تهيمن عليها نخبة ذات خلفية عربية، وبين الجماعات الإثنية في إقليم دارفور الذي يضم مزيجاً من ثنائية (عرب - زرقة).
كانت الأسباب الرئيسة لهذه الحرب تتعلق بالتهميش الاقتصادي والسياسي الذي تعرضت له المنطقة. تعاني دارفور، على رغم أنها واحدة من أغنى المناطق في السودان من ناحية الموارد الطبيعية مثل الزراعة والثروة الحيوانية، من تجاهل حكومي طويل، وتواجه نقصاً حاداً في التنمية والبنية التحتية، مما أدى إلى تراكم مشاعر الغضب بين القبائل الأفريقية التي شعرت بأنها تهمش لمصلحة القبائل العربية التي تحظى بتأييد الحكومة.
عام 2003 تمرد اثنتان من الحركات المسلحة، وهما "حركة تحرير السودان" و"حركة العدل والمساواة"، ضد الحكومة السودانية. كانت هذه الحركات مكونة أساساً من قبائل أفريقية تشكو من التهميش والظلم، وهدفت إلى تحسين أوضاعهم السياسية والاقتصادية في دارفور، كذلك رأت هذه الحركات أن حكومة الخرطوم متورطة في سياسات تمييزية، حين كانت تدعم بعض المجموعات العربية ضد الجماعات الأفريقية.
ردت الحكومة السودانية على هذا التمرد بعنف مفرط، إذ أطلقت حملة عسكرية باستخدام ميليشيات عربية تدعى "الجنجويد"، بقيادة موسى هلال من قبيلة الرزيقات فرع المحاميد وهي ميليشيات متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، وخلف هلال ابن عمه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وتحولت القوات إلى "الدعم السريع" في ما بعد.
شملت هذه الانتهاكات القتل الجماعي والاغتصاب وحرق القرى وتدمير المحاصيل، وكانت هذه العمليات تهدف إلى إضعاف دعم الجماعات المتمردة في المناطق الريفية والقبائل الأفريقية في دارفور.
5. لماذا يحظى الصراع في دارفور باهتمام عالمي؟
بسبب حجم الانتهاكات الإنسانية، وصفت الولايات المتحدة وبعض المنظمات الدولية ما حدث في دارفور بـ"الإبادة الجماعية"، كذلك فإن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت في 2009 مذكرة اعتقال في حق الرئيس السوداني السابق عمر البشير بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مما جعل الصراع في دارفور من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الدولية.
كانت الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان في دارفور، مثل القتل الجماعي والتطهير العرقي والاغتصاب والحرق المتعمد للقرى، من الأسباب الرئيسة التي جعلت الإقليم محط اهتمام عالمي. في البداية وثقت منظمات حقوق الإنسان مثل "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" هذه الجرائم بصورة مكثفة، مما أسهم في إضفاء الطابع الدولي على القضية، كذلك تزايدت التقارير الإعلامية الدولية التي سلطت الضوء على الفظائع المرتكبة ضد المدنيين، مما دفع حكومات العالم والمنظمات الإنسانية إلى التدخل.
كان لدارفور بعد إنساني عميق، إذ تسببت الحرب في نزوح الملايين من الأشخاص داخل السودان وعلى الحدود مع تشاد، هذا النزوح الجماعي خلق أزمة إنسانية ضخمة استدعت تدخل الوكالات الإنسانية الدولية مثل الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي والصليب الأحمر، وأرسلت فرق إغاثية دولية لتوفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية للنازحين، بينما كانت معسكرات اللجوء تشهد اكتظاظاً شديداً وظروفاً صحية مزرية، وجعل قرار المحكمة الجنائية الدولية قضية دارفور قضية دولية بامتياز، إذ تدخل المجتمع الدولي بشكل متزايد، مما دفع الدول الغربية إلى فرض عقوبات اقتصادية على النظام السوداني.
شهدت دارفور تدخلات عسكرية دولية، إذ قاد الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في 2007 إلى تشكيل بعثة مشتركة لحفظ السلام في الإقليم (يوناميد)، على رغم التحديات التي واجهتها البعثة، مثل القيود المفروضة من قبل الحكومة السودانية، فإن وجود قوات حفظ السلام كان إحدى صور الدعم الدولي لحماية المدنيين وتوفير الأمن.
6. ما أبرز الاتفاقات التي سعت إلى تحقيق السلام في دارفور؟
من أهم الاتفاقات التي سعت إلى تحقيق السلام في دارفور، اتفاق أبوجا الذي وقعته الحكومة السودانية وحركة تحرير السودان، في أبوجا بنيجيريا عام 2006 مع فصيل من جيش تحرير السودان يتزعمه مني أركو مناوي، إلا أن حركتي تمرد أخريين، هما حركة العدالة والمساواة وفصيل جيش تحرير السودان الذي يتزعمه عبدالواحد محمد نور، رفضا التوقيع مما جعل اتفاق سلام دارفور هشاً منذ بدايته. ويقول زعماء المتمردين إنهم رفضوا اتفاق سلام دارفور لأنه لم يتصد بما يكفي للقضايا الأساس بما فيها صندوق تعويض الضحايا والمشاركة في السلطة وتمثيل المتمردين في الحكومة ونزع أسلحة ميليشيات "الجنجويد".
وهناك اتفاق الدوحة الذي وقع عام 2011، وكان محاولة دولية بذلت بهدف إنهاء الصراع المستمر في الإقليم منذ عام 2003، هذا الاتفاق دعمته قطر، التي أدت دور الوسيط الرئيس في مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة، إحدى الحركات المتمردة في دارفور. توصل إلى الاتفاق بعد سلسلة من المفاوضات التي استمرت أعواماً عدة، وكان الهدف الأساس منه تحقيق تسوية سياسية وحل النزاعات الدموية في الإقليم.
نتج من الاتفاق إنشاء "سلطة إقليم دارفور"، وهي هيئة تهدف إلى تحسين الوضع الإداري والاقتصادي في المنطقة، وكذلك تعزيز التعايش السلمي بين المجموعات الإثنية المختلفة، كذلك شمل الاتفاق إجراءات تتعلق بالعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار وتعويض المتضررين من النزاع.
على رغم دعم قطر ونجاح الاتفاق في تحقيق بعض المكاسب، مثل تشكيل السلطة الإقليمية، فإنه لم يتمكن من تحقيق سلام شامل. فقد استمرت كثير من الحركات المتمردة الأخرى في رفض الاتفاق، مما حال دون تحقيق استقرار كامل في الإقليم.
أما اتفاق جوبا للسلام، الذي وقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، فكان خطوة مهمة نحو تسوية النزاع في السودان، إذ تم بين الحكومة السودانية الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان.
هذا الاتفاق جاء بعد أعوام من الصراع المستمر، ووقع بوساطة من دولة جنوب السودان، بهدف إنهاء الحرب الدائرة منذ أعوام طويلة وإحلال السلام في المناطق المتأثرة.
أسفر اتفاق جوبا عن دمج بعض الفصائل المسلحة في العملية السياسية، واتفق على مشاركة هذه الحركات في مؤسسات الحكومة الانتقالية، مع وعد بإصلاحات سياسية واقتصادية، وتضمن الاتفاق إنشاء آليات لمراقبة تنفيذ بنوده وتوفير العدالة للضحايا وتعويضهم.
لكن لم ينجح الاتفاق في معالجة جميع جذور النزاع بصورة كاملة، فهناك بعض الحركات المسلحة لم توقع على الاتفاق، مما ترك بعض مناطق النزاع من دون حلول شاملة، علاوة على ذلك فإن بعض القضايا الجذرية مثل التهميش الاقتصادي والسياسي وكذلك الحقوق الإثنية لم يتم التطرق إليها بصورة كافية، مما أضعف قدرة الاتفاق على تحقيق سلام دائم في البلاد.
7. ما الدور الذي تلعبه القوى الإقليمية والدولية في دارفور؟
تؤدي دول مثل تشاد وليبيا وإثيوبيا دوراً مهماً في نزاع دارفور، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فدولة تشاد، باعتبارها جارة مباشرة للسودان، كان لها دور محوري في النزاع، حين دعمت بعض الحركات المتمردة في دارفور، بما في ذلك حركة تحرير السودان، وذلك في إطار توازنات سياسية وإقليمية مع الحكومة السودانية، واستقبلت تشاد كثيراً من اللاجئين السودانيين جراء النزاع، وهو ما جعلها منتظمة بشكل غير مباشر في الأزمة.
أما ليبيا فقد كانت في بعض الأحيان طرفاً داعماً لبعض الجماعات المسلحة في الإقليم، خصوصاً خلال فترات الاضطراب السياسي في السودان وليبيا على حد سواء، وفي ما يتعلق بإثيوبيا فقد أدت دوراً دبلوماسياً مهماً في محاولات الوساطة والضغط على الأطراف المختلفة للوصول إلى حلول سلمية، وذلك استناداً إلى مصالحها في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
على صعيد القوى الكبرى تتمتع كل من الولايات المتحدة والصين بمصالح استراتيجية في السودان. تسعى الصين إلى استثمار الموارد الطبيعية السودانية، بخاصة النفط والمعادن، وقد وسعت نطاق استثماراتها في السودان بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الماضية، وتهتم بكين بتعزيز علاقاتها مع الخرطوم لتأمين مصادر الطاقة وتنفيذ مشاريع بنية تحتية في الإقليم.
في المقابل تركز الولايات المتحدة على قضايا حقوق الإنسان والاستقرار الإقليمي في السودان، وقد أبدت واشنطن اهتماماً كبيراً بمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، وسعت إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على الحكومة السودانية للتوصل إلى تسويات سلمية وحل النزاع في الإقليم.
8. ما أهم قرارات مجلس الأمن التي صدرت في شأن دارفور؟
هذه القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن تعد قرارات مفصلية دفعت أزمة دارفور إلى واجهة الرأي العام الدولي، ومنذ تلك الفترة صار هذا النزاع من المواضيع الدائمة في أجندة مجلس الأمن.
القرار (1556) بتاريخ الـ30 من يوليو (تموز) 2004، هدد بفرض عقوبات على السودان في غضون 30 يوماً إذا لم ينزع سلاح ميليشيات الجنجويد في دارفور وتُحاكم، وشملت العقوبات فرض حظر على توريد وتصدير المعدات العسكرية، إلى الكيانات غير الحكومية التي تضم فصائل الحركات المسلحة.
القرار (1564) بتاريخ الـ18 من سبتمبر (أيلول) 2004، حذر من أنه سيفرض عقوبات على صناعة النفط في السودان، إذا لم تنفذ الحكومة السودانية تعهداتها بحماية السكان في دارفور.
القرار (1590)، بتاريخ الـ24 من مارس (آذار) 2005، إنشاء بعثة المراقبة في دارفور (يوناميد).
القرار (1591) بتاريخ الـ29 من مارس 2005، وافق مجلس الأمن على توسيع نطاق العقوبات لتشمل إضافة إلى الحظر العسكري، إجراءات أخرى، من بينها حظر السفر على بعض الأفراد، إضافة إلى تجميد الأرصدة المالية.
القرار (1593) بتاريخ الـ31 من مارس 2005، اتخذ مجلس الأمن القرار الذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية.
القرار (1651) بتاريخ الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 2005، تمديد ولاية فريق الخبراء المعين عملاً بالقرار (1591).
القرار (1706) بتاريخ الـ31 من أغسطس (آب) 2006، منح تفويضاً لبعثة الأمم المتحدة في السودان، بنشر نحو 17300 جندي من القوات الأممية لتعزيز قوات الاتحاد الأفريقي في دارفور البالغ عددها 7 آلاف جندي.
القرار (1755) بتاريخ الـ30 من أبريل (نيسان) 2007، تعزيز وجود القوات الأفريقية وتقديم الدعم اللوجيستي والعسكري وإقرار ما يسمى حزمة التجهيزات الثقيلة.
القرار (1769) بتاريخ الـ31 من يوليو 2007 أذن فيه بنشر ما يسمى القوات الهجين (المشتركة) من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، على أن يبلغ قوام القوة في دارفور نحو (20) ألف فرد، إضافة إلى نشر 6 آلاف من المدنيين، أو من الشرطة المدنية.
9. لماذا استمر تدهور الوضع في دارفور؟
استمر تدهور الوضع في دارفور لأكثر من عقدين بسبب مجموعة من العوامل المعقدة التي تشمل السياسات الحكومية والصراعات الإثنية والتدخلات الإقليمية، إذ استمرت الحكومة السودانية في عهد عمر البشير في اعتماد سياسة دعم الميليشيات الإثنية، وكانت تنسق الهجمات على المدنيين أو تسمح بها. هذا الدعم لميليشيات "الجنجويد"، وغيرها من الجماعات المسلحة، أسهم في ارتكاب انتهاكات خطرة لحقوق الإنسان، مثل الهجمات على قوات الاتحاد الأفريقي والعاملين في المجال الإنساني، فضلاً عن تدمير قوافل الإغاثة التي كانت تهدف إلى تخفيف معاناة المدنيين.
وأسهم النزاع المستمر والحركات المسلحة في زيادة غياب حكم القانون في كثير من مناطق دارفور، مما أتاح للعصابات المسلحة الازدهار وزيادة هجماتها على المدنيين، واستمر تدهور الوضع في ظل عدم وجود آليات فعالة لمحاسبة مرتكبي الجرائم، وتكرر انتهاك اتفاقات وقف إطلاق النار التي وُقعت، بما في ذلك اتفاقات السلام السابقة مثل اتفاق دارفور في 2011، إذ ظلت جميع الأطراف تتجاهل بنوده وتواصل الصراع.
تفاقم الوضع الآن مع اندلاع الحرب الحالية في السودان، التي زادت من تعقيد النزاع في دارفور، وأدى الصراع بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" إلى تصعيد العنف في الإقليم، حيث توسعت المعارك لتشمل المدن الكبرى في دارفور، مما أسفر عن نزوح جماعي وارتفاع في أعداد الضحايا. هذه الحرب الحالية أضافت طبقة جديدة من الصراع الإقليمي والدولي، مما يجعل من الصعب الوصول إلى تسوية سلمية مستدامة.
10. ما مستقبل دارفور في ظل التغيرات السياسية في السودان؟
في ظل التغيرات السياسية في السودان يظل مستقبل دارفور محط تساؤلات وتحديات كبيرة، على رغم الفرص الجديدة التي أتاحها سقوط نظام البشير في 2019، ذلك الحدث فتح الباب أمام إمكان تحقيق تسوية سلمية شاملة تعالج أبعاد الأزمة المستمرة منذ عقود. وعلى رغم الانفتاح السياسي الذي شهدته البلاد بعد إطاحة النظام السابق، فلا يزال الوضع في دارفور يعاني نزاعات محلية مستمرة، وغياب الأمن في بعض المناطق التي تظل تحت سيطرة الجماعات المسلحة والعصابات.
من أبرز التحديات التي تواجه دارفور اليوم ضعف التنمية الاقتصادية، إذ يعاني الإقليم نقصاً حاداً في البنية التحتية والخدمات الأساس مثل الصحة والتعليم، وهو ما يسهم في استمرار دائرة الفقر والتهميش. كذلك فإن غياب الأمن في بعض المناطق يشكل عقبة رئيسة أمام أي جهود إنمائية أو ديمقراطية حقيقية. وأيضاً النزاعات القبلية والتنافس على الموارد الطبيعية لا يزالان يسهمان في تقويض أي استقرار مستدام.
إن نجاح أي حلول مستقبلية في دارفور سيعتمد بصورة كبيرة على قدرة نظام الحكم في السودان على تحقيق مصالحة شاملة تشمل جميع الأطراف، بما في ذلك الحركات المسلحة والمجتمعات المحلية المتضررة. يجب أن تكون هذه المصالحة مبنية على معالجة جذور الصراع، مثل التهميش السياسي والإثني، بدلاً من الاكتفاء بمعالجة النتائج الظاهرة، إضافة إلى ذلك فإن الدور الفعال للشركاء الإقليميين والدوليين سيكون حاسماً، بخاصة في تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي لإعادة بناء الثقة وتعزيز الاستقرار.