Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

هل وصلت الدولة القومية في إيران إلى طريق مسدود؟

التوترات العرقية بين مختلف مكونات الشعب وأزمة الهوية لا تشير إلى قرب زوالها

جانب من تجمع للأكراد في إقليم أذربيجان الإيراني بمناسبة عيد النوروز (مواقع التواصل)

ملخص

نشاهد في إيران تعاظم الاتجاهات القومية الفارسية المتشددة من جهة، ومن جهة أخرى الصراعات العنيفة والدامية التي تحدث يومياً بين البلوش والحكومة في إقليم بلوشستان، إضافة إلى الأشعار والشعارات القومية الراديكالية، وأحياناً الانفصالية، والتي تُرفع في حفلات الأعراس ومجالس العزاء، والتظاهرات القومية التي شهدناها على مدى العقدين الماضيين في الأحواز وأذربيجان وكردستان.

شهدت محافظة أذربيجان الغربية في شمال غربي إيران خلال الأيام الماضية توترات عرقية بين الشعبين الكردي والتركي - الأذري، لأسباب تاريخية إثنية طائفية من جهة، وتوترات في العلاقات بين النظام الإيراني وبين تركيا وجمهورية أذربيجان من جهة أخرى.

أحداث أورمية وعلاقتها بإيران وتركيا وأذربيجان

منحت السلطات الإيرانية في الـ 28 فبراير (شباط)  الماضي ترخيصاً للأكراد للاحتفال بـ "عيد نوروز" في منطقة بلدشت الواقعة في محافظة أذربيجان الغربية والمحاذية لتركيا وجمهورية أذربيجان بعد أعوام من حرمانهم من ذلك، حيث تقطن أقلية كردية نشطة سياسياً وعسكرياً بين غالبية تركية أذرية في تلك المنطقة، أما الاحتفال الكردي الثاني الأكثر إثارة فأقيم في الـ 18 من مارس (آذار) الماضي، في إحدى ضواحي مدينة أورمية، عاصمة محافظة أذربيجان الغربية التي تضم غالبية تركية أذرية، وجاء ترخيصه من طهران  وليس من عاصمة المحافظة، بحسب النشطاء الأذريين الذين يتهمون الجماهير الكردية بترديد هتافات تؤكد أن "أورمية مدينة كردية وتنتمي إلى محافظة كردستان"، ويتهمون منظمي الاحتفال بأنهم من مناصري الفرع الإيراني لـ "حزب العمال الكردستاني" و"الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني"، فعلاوة على هذا العامل الإثني هناك عامل طائفي يتعلق بتزامن احتفالات الكرد، ومعظمهم من السنّة، مع أيام اسشهاد الإمام علي بن أبي طالب الذي يحتفل بعزائه الأذريون، ويبدو أن النظام الإيراني، علاوة على مآلاته الإثنية الداخلية، أراد أن يوصل رسالة سياسية لتركيا وجمهورية أذربيجان معاً، فقد دفعت تلك الهتافات عشرات آلاف الجماهير التركية - الأذرية للنزول إلى شوارع مدينة أورمية في الـ 22 من مارس الماضي وترديد هتافات مذهبية وقومية تؤكد تركية المدينة، وتصفها بأنها "قلعة الترك وأذربيجان في إيران".

وتشمل احتفالات الكرد رقصات ودبكات تقليدية شاركت فيها نساء ورجال بالزي الكردي، ولم تنحصر في محافظة أذربيجان الغربية فقط بل جرت في كل المحافظات الكردية غرب إيران وللمرة الأولى بهذا الاتساع، والأنكى في الأمر أن معظم النساء كن سافرات دون حجاب.
وهنا نرى أن النظام الإيراني، ومن خلال التخطيط والتدخل المباشر وغير المباشر في أحداث أورمية، يسعى إلى تحقيق هدفين رئيسين أحدهما خارجي والآخر داخلي، فعلى الصعيد الخارجي يريد النظام أن يظهر ورقته الكردية لتركيا، لأن الفاعل الرئيس في المنطقة الواقعة على الحدود الشمالية الغربية لإيران هو "حزب العمال الكردستاني" المعروف بعلاقاته العلنية والسرية مع إيران، وقد شكّل هذا رداً على تصريحات وزير الخارجية التركي هاکان فيدان الذي انتقد سياسات إيران الإقليمية في الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي، وهدد بأنه إذا لم ترغب إيران في أن يُلقى حجر على نافذتها فعليها ألا تلقي الحجارة على نوافذ الآخرين، كما جرت تسمية مراسم العزاء الخاصة بالإمام الأول للشيعة، علي بن أبي طالب، في أورمية هذا العام بـ "التجمع الكبير للعلويين"، وهو مصطلح يشير إلى العلويين في تركيا وسوريا، ولم يُستخدم من قبل في الأدبيات الدينية والسياسية الإيرانية للإشارة إلى الشيعة في إيران وأذربيجان.

وانطلق التخطيط والعمل لتغيير التركيبة السكانية للشعب التركي في محافظة أذربيجان الغربية خلال عهد الشاه، ويعزف النظام الحالي على الوتر نفسه ليثير الفرقة والبغضاء بين الشعبين التركي والكردي، فعلى سبيل المثال لا الحصر استخدام الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني مصطلح "محافظة أورمية" بدلاً من "محافظة أذربيجان الغربية" الرسمي خلال إحدى زياراته إلى المدينة، وتؤكد أحداث أورمية الحساسية التي تبديها الشعوب غير الفارسية إزاء هويتها وأرضها.

رقص النساء والرجال الكرد مع مشاعل النار في الطبيعة وخارج المدن مشهد جميل يضيف إلى جمال تاريخ نضالهم الدموي من أجل العلمانية وحقوقهم القومية، لكن في هذا المشهد الجميل تظهر أحياناً بقع داكنة قد تحرف مسار نضالهم العادل، أولها أن هتاف "أورمية هي كردستان" خلال احتفال الأكراد في الـ 18 من مارس الماضي أشعل نار الفتنة والانقسام، وهي نار لم تكن مختفية تماماً، وكان من المفترض أن تكون موجهة ضد عدو جميع الشعوب الإيرانية، وثانيها أننا شهدنا خلال الأعوام الماضية تصريحات وكتابات ونشر خرائط لما يسمى "كردستان الكبرى" من قبل بعض الأحزاب والمنظمات الإعلامية الكردية التي تشمل عدداً من المدن في إقليم أذربيجان شمالاً ومدناً في إقليم الأحواز جنوب إيران، وثالثها أنه في الـ 24 من مارس الماضي رُفعت لافتة في احتفال كردي بـ "عيد نوروز" في مدينة جيلان غرب محافظة كرمنشاه كتب عليها "إذا غزا العرب أورمية فإن زاغروس سيغلي"، ويعنون سكان جبال زاغروس الفاصلة بين لورستان وعربستان، وغير معروف في هذه الحال لماذا يُذكر اسم العرب وجرهم إلى نزاع يبعد عنهم مئات الكيلومترات، وحتى إذا كان المقصود النظام الإيراني الذي يعتبرونه عربياً، فيجب القول إن هذا المصطلح مأخوذ من الخطاب القومي الفارسي المتشدد، وهو العدو المشترك للكرد والعرب.

اقرأ المزيد

خلال الأيام القليلة الماضية كانت هناك تصريحات وبيانات بعض نشطاء وشخصيات الشعب الفارسي، وفي مقدمهم رضا بهلوي، تتسم بالعدائية تجاه الشعب التركي - الأذري، مع العلم أن رضا بهلوي لا يولي أي اهتمام لحقوق الشعب الكردي أيضاً بل يعد من مسببي الفتن، وكل ما نراه الآن في مجال التقسيمات الجغرافية الحالية لإيران هو إرث جده الدكتاتور الشاه رضا بهلوي الذي حول الممالك المتصالحة (المحروسة) مثل عربستان ولورستان وكردستان وأذربيجان وجيلان وخراسان إلى محافظات مختلطة، مما زرع بذور الفتنة والانقسام والعداوة بين الشعوب الجارة، ولكن على الصعيد العام في إيران نشاهد من جهة تعاظم الاتجاهات القومية الفارسية المتشددة، ومن جهة أخرى الصراعات العنيفة والدامية التي تحدث يومياً بين البلوش والحكومة في إقليم بلوشستان، إضافة إلى الأشعار والشعارات القومية الراديكالية، وأحياناً الانفصالية، التي تُرفع في حفلات الأعراس ومجالس العزاء، والتظاهرات القومية التي شهدناها على مدى العقدين الماضيين في الأحواز وأذربيجان وكردستان، وهذا يظهر أن إيران وعلى رغم أنها تبدو موحدة ظاهرياً، فإن أزمة الهوية فيها تتوسع يوماً بعد يوم وتقترب من ذروتها، وبالتالي فإن بناء الدولة -الأمة الذي أسسه نظام الشاه في إيران قد وصل إلى طريق مسدود، فتلويح القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي وبعض رؤساء الجمهورية السابقين والحاليين مثل محمد خاتمي وحسن روحاني ومسعود بزشكيان بضرورة إقامة نظام فيدرالي، ينم عن فهمهم للمعضلة التي تواجه الدولة القومية الفارسية في إيران.

فرط العقد الديني والأيديولوجي المشترك يعني فرط الدولة  

وفق المؤرخ الإيراني سعيد نفيسي فإن بلاد فارس قبل الإسلام كانت تحكم بطريقة كونفدرالية، أي أن الإمبراطورية الساسانية كانت تتكون من فسطاطين، إيران أرض المؤمنين بالزرادشتية، وأنيران أرض غير المؤمنين بها، وقد انفرطت على إثر طغيان رجال الدين الزرادشت المتحالفين مع الأباطرة الساسانيين وعلى يد العرب المسلمين، أي أن الفتوحات الإسلامية ساعدت في انهيار الدولة ودين الدولة، فاختفت إيران ودينها الزرادشتي لتسعة قرون بعد تلك الفتوحات وأصبحت تابعة للإمبراطوريات العربية الإسلامية مثل الأمويين والعباسيين، كما أن الدولة الصفوية التي قامت على أسس المذهب الشيعي انهارت بعد فساد وطغيان رجال الدين والملوك الذين كانوا يحكمون باسم هذا المذهب.
وفي تاريخنا المعاصر لم تتمكن "الثورة الإسلامية" عام 1979 من حل أزمة الهوية في إيران على رغم أن الثورة، كما يقول الباحث الإيراني مصطفى وزيري، كانت نتيجة لأزمة هوية في إيران، بل أخذت المؤسسة الدينية الشيعية تتحول إلى عامل فساد وظلم في إيران، وانفرط عقد دول متعددة القوميات مثل يوغوسلافيا والاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا بعدما ضعفت الأيديولوجية المشتركة والرسمية للدولة،

خلف الخميني وضد الشاه

فبخلاف "الثورة الإسلامية" التي توحدت فيها الشعوب خلف الخميني وضد الشاه عام 1979 لا يوجد حالياً مثل هذا الاتحاد، ونرى بدلاً من ذلك وعياً قومياً وإثنياً متنامياً بين الشعوب المختلفة في إيران، حيث يتحرك كل شعب بحسب مصالحه.
وتنظم هذه الشعوب توجهاتها مع الخطابات الفاعلة على الساحة السياسية الإيرانية، وبخاصة الخطاب الفارسي (الحاكم والمعارض) استناداً إلى مصالحها كما ذكرت آنفاً، وقد سلك الكرد في سوريا المسلك نفسه حين تماهوا مع نظام بشار الأسد، وقد تحولوا إلى لاعب لا يمكن الاستهانة به في عهد النظام الجديد وأخذوا يغازلونه وفق براغماتية سياسية.
وفي الواقع تلعب فئات من الشعب الفارسي ورقة رضا بهلوي حرصاً منها على وحدة الأراضي الإيرانية وعدم تفككها، وهذا ما نقرأه في بعض التظاهرات في الداخل ومنها هتافات رُددت لمصلحة ابن الشاه في أضرحة رموز قومية فارسية مثل ضريح الشاعر أبو القاسم الفردوسي والشاعر عمر الخيام والشاعر حافظ الشيرازي والملك الأخميني كورش، وذلك خلال الاحتفال برأس السنة الإيرانية في الـ 21 من مارس الماضي، ورددوا أيضاً هتافات عنصرية معادية للعرب في ضريح الفردوسي، " يقولون [في السلطة] إن الأمور بيد الله، لكن كل المصائب جاءتنا من العرب"، و"نحن آريين لا نريد أن نعبد العرب".
ويخمّن عدد الموالين لرضا بهلوي الذي يقيم في الولايات المتحدة بحوالى 10 في المئة بين الإيرانيين، يضاف إليهم القوميون الفرس التابعون لاتجاهات سياسية غير ملكية، ويؤدي اصطفاف هؤلاء في جبهة واحدة ضد الترك - الأذريين، وآخره تنديد رضا بهلوي بما قام به الترك في أورمية، إلى أن تقترب فئات واسعة من الأتراك إلى السلطة، وقد ظهر ذلك في مشاركة أكثر من 80 في المئة من الترك - الأذريين في الانتخابات الرئاسية والتصويت لمصلحة ابن جلدتهم مسعود بزشكيان، إذ يحاول الترك أن ينتقلوا من كونهم لاعبين هامشيين داخل السلطة إلى لاعبين فاعلين فيها بعدما فقدوا سلطتهم على إيران عام 1925، كما أن الكرد أيضاً لم ينفصلوا بالكامل عن السلطة الإيرانية، بل قام فصيل منهم، وهو الفرع الإيراني لـ "حزب العمال الكردستاني"، بالتعاون معها لإيذاء تركيا، وقامت فصائل منهم مثل "الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني" و"حزب كوملة كردستان" وحزب "كوملة الكادحين لكردستان" بمفاوضات سرية مع الحكومة الإيرانية في النرويج عام 2019.

هذه الحزازات والنزاعات الإثنية لا تزال تدور حول محور خطاب فارسي يلعب دوراً أساساً في إدارة شؤون البلاد، ويشمل هذا الخطاب فئات لا بأس بها في السلطة الدينية وفئات خارج السلطة، منها الملكيون وجماعة رضا بهلوي ومنظمة "مجاهدي خلق" والمنظمات اليسارية، فإذا ضعف المحور الفارسي على إثر عوامل داخلية أو خارجية مثل الضغوط الأميركية والغربية والهجمات الإسرائيلية المحتملة، فإن النتيجة لن تخرج من حالين، إقامة نظام لامركزي، احتمالاً فيدرالي، مع بعض الاضطرابات هنا وهناك، أو انهيار الدولة - الأمة الإيرانية بالكامل ودخول البلاد مرحلة لا نعرف ملامحها حالياً، لكن ما يجري في بلوشستان ينبئ باحتمال وقوع حرب أهلية إذا انهار النظام الحالي عاجلاً أم آجلاً.

المزيد من تقارير