Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

نورة الكفيفة في "ملمس الضوء" تكسر رتابة حياتها بالصور الإلكترونية

رواية نادية نجار تكشف الطبيعة التعددية للمجتمعات الخليجية في الماضي

لوحة للرسام السوري طلال معلا (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

تكشف رواية "ملمس الضوء" (منشورات المتوسط) للكاتبة الإماراتية نادية النجار كثيراً عن حقبة ما قبل اكتشاف النفط في المجتمعات الخليجية، وتفكك الصور النمطية الشائعة حولها، وتبرز تجربة الاغتراب التي خاضها المواطن الخليجي في الماضي بحثاً عن الرزق في عالم الغوص.

تشير رواية "ملمس الضوء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية هذا العام إلى جهد كبير بذلته المؤلفة في كتابة سردية روائية تمتد أحداثها نحو 100 عام حافلة بالتحولات التي انعكست على حياة الأفراد وخياراتهم. خاضت النجار اختباراً صعباً بالتطرق إلى عالم المكفوفين، واختارت بطلة تنتمي إلى هذا العالم الذي تمت معالجته في نماذج أدبية بارزة في الأدبين العربي والعالمي، ومنها: "الأيام " لطه حسين و"العمى" لساراماغو و"الموسيقى الأعمى" للروسي فلاديمير كورولينكو، التي ترجمها المبدع سامي الدروبي.

التحدي هنا يتعلق بالارتباط الوثيق بين حاسة الإبصار وجميع عمليات الإدراك، ومن ثم احتاجت الرواية إلى نوع من البحث والمعايشة اليومية.

خط الماضي

تقع الأحداث في خطين متوازيين، الأول مرتبط بالحاضر الذي تعيشه نورة، وهي فتاة أصيبت بالعمى الوراثي، وتعيش مع جدها بعد انفصال والديها وتعتمد بصورة تامة على مساعدتها المنزلية الفيليبينية إيفلين، التي تساعدها على التعامل مع محيطها داخل المنزل وخارجه.

تمثل جلسات نورة مع الجد إلى جانب هواية الاستماع للكتب الصوتية، نافذتها الوحيدة على العالم الذي تقودها إليه الحواس الأخرى. لكن فجأة يظهر في حياتها من جديد سيف، وهو قريب لها تعرفه منذ الطفولة، يتصل بها بحثاً عن صور فوتوغرافية قديمة في أرشيف الجد، يرغب في استعمالها داخل عمل فني بعدما عرف بوجود جد آخر من بين أفراد العائلة، كان يهوى التصوير.

أما الخط الثاني في الرواية فهو خط الماضي بحيث تقود الصور التي لدى الجد، إلى تناول سيرة علي جدها الأكبر، الذي يفقد والده ثم أخاه عبود، في حريق. ثم نتابع ظروف زواج أمه بعد سفره إلى البحرين برفقة صديقه مطر، للعمل لدى الإنجليز هناك، في شركة النفط، وكيف اكتشف هناك الكاميرا الفوتوغرافية للمرة الأولى، برفقة يوسف الإنجليزي الذي علمه تصوير ما يريده الرائي. ويستعرض ظروف انتقاله للعمل لدى الحاج ناصر بن سالم الطواشي الذي أحب ابنته سارة وتزوجها من بعد طلاقها. وهكذا تنطلق الرواية من معالجة المناطق المعتمة في تاريخ عائلة نورة إلى المجهول في تاريخ الخليج العربي وتسلط الضوء على مساره التحديثي.

تكتشف نورة من خلال سيف أحد التطبيقات الإلكترونية "سيينغ أل" لمساعدتها على قراءة الصور من خلال هاتفها النقال، ومن ثم تستنطق الماضي عبر تلك الصور وتستعرضها أمامنا كأننا أمام آلة عرض للشرائح المصورة. ومن ثم يقترن التعرف على سيف، بإعادة التعرف على العالم وإدراكه من خلال الصور، والدور الذي تؤديه في حفظ الزمن وتثبيته. فهي تدرك سيف من الرائحة ومن الإمكانات التي أتاحها ولا تكتشف إصابته بالبهاق لأنها لا تدركها ووحدها لم تسأله عنها. وقد ورث سيف الشغف بالتصوير عن جدهما المشترك، لكنه علمها أن "كلنا عميان".

تقنيات متعددة

تذكر التقنيات التي اتبعتها النجار باستعمال ضمائر سرد متعددة بما ذكره أفلاطون في كتابه "الجمهورية" عن حاسة الإبصار، إذ قارن بينها وبين الحواس كافة، وكيف أنها على عكس الحواس الأخرى، تحتاج إلى شيء أساس آخر حتى تكتمل عملياتها، وأن هذا الشيء هو الضوء. وانطلاقاً من هذا الارتباط صاغت الروائية تفاصيل عالمها كأنما هي استعادة سردية لعبارة أرسطو "لا تفكر الروح أبداً من دون الصور".

في كتابه المهم "عصر الصورة" يشرح الأكاديمي المصري الراحل الدكتور شاكر عبدالحميد الدلالات المرتبطة بمصطلح الصورة، وكيف أنه مشتق من كلمة لاتينية، تشير كلها إلى معنى إعادة إنتاج، وإلى ما يظهر على نحو خفي، وبخاصة إذا ما كان غريباً أو غير متوقع كالأشباح. وهناك كذلك معانٍ عامة تجسد الخصائص المرتبطة بالصور المرئية، وكذلك الجوانب العقلية التي تشتمل على الوصف الحي أو الاستعارة، الرأي والتصور والطابع الذي يتركه الشخص أو المؤسسة. والثابت كذلك أن الصور ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعناصر الأحلام والتخييل ، فالخيال هو القدرة العقلية النشيطة على تكوين الصور والتصورات الجديدة. ومن ثم فإن الوصول إلى الصور وإدراك ما تمثله من علامات داخل الرواية، هو وسيلة لبناء تصورات جديدة عن الماضي الذي نجهله.

يؤمن الجد في الرواية أن صاحب الصورة يرى الصورة، لكن صاحب البصيرة يرى ما وراء الصورة، لذلك تؤدي الرواية دوراً في عمليات تفكيك الذاكرة وإعادة تركيبها سواء على لسان نورة تارة، وعلى لسان جدها سالم الذي لا يزال يسمي الصور بـ"العكوس".

ظل الماضي

يترك الماضي ظله على جميع أبطال العمل وشخوصه، فنورة، تمثل حالة مرضية وراثية جينية نشأت بسبب زواج الأقارب، كما أن انفصال أبيها عن أمها وزواجه من ضرة، زاد من أزماتها بعدما أصبحت تعيش مع أمها المنفصلة عنها عاطفياً، داخل بيت الجد سالم والجدة نورة، التي ورثت البطلة اسمها أيضاً. وزاد هذا الإرث من مفارقات حياتها مفارقة أخرى، تتعلق بالتضاد بين النور والظلام الذي يرافقها. يخبرها الجد كذلك عن جدتها أم أمها، وكانت جميلة تشبهها وهي شامية لم تكن تبصر أيضاً، اسمها ماري حنا تقول نورة: "أورثتني جمالاً لا يمكن أن أراه".

يشيع في الرواية أيضاً أكثر من متلازمة للفقدان، فعلي فقد شقيقه عبود، في حريق اشتعل في السوق وأورثهم الفقر وقاده إلى الغربة. وفقد الجد ابنه سعيد خال البطلة، وهو الضابط القوي الذي أثقلت النياشين كتفيه، لكنه زهد فيها، وصار يقضي وقته في الحديقة بعدما كسره الفقدان. يمتد الفقدان من فقد الأفراد إلى فقد الوطن في حال الطبيب السوري زاهر الذي يتابع حال نورة، والذي جاء لزيارة ابنته في الشارقة، لكنه فوجئ بفقدان وطنه وضياع ذكرياته هناك .

عوضت الروائية فقدان حاسة الإبصار بالمساحة التي تحتلها الحواس الأخرى وبالذات حاسة الشم، إذ تحتل الروائح في النص مساحة هائلة وتستعمل كمدخل لإدراك الأشخاص والعالم، كما أنها تلتصق بالذاكرة إلى الأبد. في رحلتها مع الصور تبحث نورة عن "روائح لها حكايات".

الحلول التقنية

تلجأ الكاتبة إلى حلول في تقسيم إلى أبواب بدلاً من الفصول، وهي بذلك تستعيد تقنية كانت شائعة في كتب التراث المرتبط بالحواس. لذلك جاءت الرواية في أربعة أبواب هي: باب الصوت وباب الرائحة وباب اللمس وباب المذاق، وتوزعت في نسيجها فصول العمل الذي اتسم باللغة البسيطة المتدفقة بحيوية. تعي الكاتبة الدور الذي تؤديه الأنثروبولوجيا التاريخية في سبك السردية الروائية، وتفسح المجال للتعرف على كثير من العادات والتقاليد ومختلف المعتقدات الشعبية، ومختلف أشكال التراث المادي واللامادي التي تغني شخصياتها.

اقرأ المزيد

من جهة أخرى تقارب الرواية بدرجة عالية من الحساسية الجمالية تجربة الحداثة في المجتمعات الخليجية، وتنظر إلى تلك المجتمعات كحزمة واحدة عاشت مسيرة متشابهة في التحول، وارتبطت بتحولات الوسائط التكنولوجية التي أسهمت في اتساع المجال العام. فرحلة علي من خور دبي إلى البحرين كانت في جوهرها رحلة اكتشاف الذات، فقد تحرر هناك من الشعور بالغيرة على والدته التي أجبرها شقيقه على الزواج من صديق له.

واجه أيضاً صدمة اكتشاف ما لدى الآخر من إمكانات، فالعمل في شركة بابكو النفطية في الثلاثينيات، ساعده على إدراك اتساع العالم ولمس قوة الآلة والتعرف على الراديو والصحف والمجلات والهواتف، وما أتاحه أمامه المجتمع التعددي كما كتب في رسائله إلى أمه.

تذكر رسائل علي بالصدمة التي واجهها حراجي القط، بطل الشاعر الشعبي المصري عبدالرحمن الأبنودي، في الرسائل التي كتبها لزوجته فاطمة أحمد عبدالغفار، من موقع بناء السد العالي في حقبة الستينيات. وكلها لحظات تشهد على تغيرنا كما كان يردد المصور الإنجليزي أمام بطل الرواية قبل أن يرحل إلى وجهة أخرى.

تقترن رحلة إدراك الذات بمعاني التسامح والتعايش والتعددية الثقافية والدينية التي تجلت في زواج الجد من ماري حنا الشامية المسيحية. تظهر ماري كطيف في حين أنها كانت شخصية واعدة لأي روائي، لكن نادية النجار تجاهلت هذا الوعد مما حرمها من شخصية ثرية واجهت تحديات عديدة، كان من المأمول استثمارها، خصوصاً أنها تستعمل أوراقها من خلال ما يستدعيه الجد أمام حفيدته التي تلعب لعبة "الكتابة والمحو" في أوراق جدتها التي وصلتها بعد قرن كامل.

وعلى رغم ما حملت الرواية من خبرات جمالية ومعرفة سردية عميقة، فإنها ازدحمت بكثير من الشخصيات الثانوية التي لم يتم التأسيس لها أو الاستفادة منها داخل النسيج الروائي. وهذا ما أثر أحياناً في إيقاع الرواية وتدفق أحداثها المتناغم مع ما قالته بطلتها في وصف حالتها "فتاة ضريرة توحدت مع الرتابة". 

المزيد من ثقافة