ملخص
يرى كريس ستيفنسن أن روسيا لا تزال تمتلك قدرة عسكرية هائلة ما يعني استمرار القتال لوقت طويل، لكن الصورة التي يحرص الكرملين على إظهارها، بأن الحرب تسلك الوجهة التي حددها بوتين، تواصل الاندثار
صدرت الأسبوع الماضي ثلاثة مزاعم، تمنى فلاديمير بوتين لو يركز عليها جيشه والشعب الروسي: أولها كون القوات الروسية، المعتمدة بشدة على مجموعة القوات المرتزقة "فاغنر"، قد سيطرت بالكامل على مدينة باخموت شرق أوكرانيا. وثانيها درء هجوم شنته ميليشيات مناهضة للكرملين على الأراضي الروسية، و"تصفية" المقاتلين [الذين شنوا الهجوم]. أما ثالثها، فهو نقل أسلحة نووية تكتيكية إلى دولة بيلاروس الحليفة والمحاذية لروسيا.
والهدف من كل ما سبق هو بث انطباع بالقوة - والإيحاء بأن بوتين ومن يحيط به، بما يشمل قادته العسكريين، يحكمون السيطرة على الاجتياح الذي بدأ قبل 15 شهراً، والذي كان مخططاً له أن يدوم أسابيع معدودة ليس إلا. لكن يكفي التعمق قليلاً واستقصاء الحقائق حتى تبدأ هذه الادعاءات التي يحاول الرئيس الروسي الاختباء خلفها بالانهيار.
فلنبدأ بالحدث الأخير - والأبسط - من بين ما سبق ذكره، أي نقل أسلحة نووية تكتيكية إلى بيلاروس: كان بوتين قد أعلن عن هذه الخطوة في مارس (آذار)، ووقع المستندات التي تأذن بها يوم الخميس الماضي. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، قال رئيس بيلاروس، ألكسندر لوكاشينكو، إن عملية نقل الأسلحة انطلقت. ومن جهتها، أفادت روسيا بأن نقل الأسلحة يأتي كرد على "عدوان حلف شمال الأطلسي (الناتو)" - في إشارة إلى الدعم العسكري الذي توفره [دول] الحلف لأوكرانيا.
يدعم [ما سبق] سردية بوتين حول ما يعتبره تهديداً مصيرياً يفرضه الغرب على روسيا، وليس فقط عسكرياً، إنما أيضاً ثقافياً. وأصبح هذا الموقف أكثر تشدداً بعد أن بلغ الاجتياح الروسي حائطاً مسدوداً في ميادين القتال الدامية جنوب أوكرانيا وشرقها، مع مقتل وخسارة عشرات آلاف الجنود من الطرفين. وقد حاول بوتين مراراً استنهاض ذكرى قتال الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك معارك [خاضتها روسيا]، كمعركة ستالينغراد مثلاً، لحشد دعم الجنود والمدنيين على حد سواء.
وفي حين كثف الكرملين مساعيه لمواصلة عرض العضلات هذا، أثار مسؤولون روس مخاوف من اندلاع حرب نووية، ومن نشوب معركة حاسمة "بيننا وبينهم". ولا شك في أن نقل أسلحة كهذه - حتى الأسلحة قصيرة المدى، المصممة عموماً لتحقيق نتائج مضمونة على أرض المعركة - ونشرها في بيلاروس التي تجمعها حدود مشتركة مع ثلاث من دول الناتو، يجعلان هذه التهديدات أكثر واقعيةً، ويثيران قلقاً في الغرب من أن يرغم بوتين لوكاشينكو على الاضطلاع بدور أكبر في حرب أوكرانيا.
ومع ذلك، تفضح هذه الخطوة يأساً متزايداً، وتسلط الضوء على صغر حجم التقدم الذي أحرزته روسيا في ميادين القتال، إذ تواصل العائلات الروسية خسارة أبنائها بأعداد هائلة.
يتجلى الأمر نفسه في المزاعم حول باخموت. فالإعلان الفعلي [بشأنها] لم يصدر عن الكرملين، إنما عن يفغيني بريغوجين، حليف بوتين وقائد مجموعة المرتزقة "فاغنر"، التي اعتمدت موسكو عليها طوال شهور من القتال الدامي في محيط المدينة. ولا شك في أن روسيا أحكمت سيطرتها على القسم الأكبر من باخموت، مع أن كييف تؤكد أن قواتها لا تزال تتحكم ببؤر صغيرة في بعض المناطق. بيد أن الثمن كان باهظاً. فبريغوجين اشتكى من خسارة 10 آلاف من الجنود المرتزقة والسجناء المدانين الذين يدخلون في عداد قواته في المنطقة. ويرجح أن تكون الخسائر الروسية الإجمالية أكثر من ذلك بكثير.
وكذلك، لا شك في أن المدينة اكتسبت أهمية رمزية خاصة بنظر كييف وموسكو، بما أن الطرفين رميا بجنودهما في ما بات يعرف باسم "فرامة اللحم". لكن مع تواصل القتال، تراجعت فرص موسكو باستخدام باخموت كمنصة لإطلاق هجوم على مدن أكبر في أرجاء دونيتسك ولوغانسك. فقد سنح الوقت لكييف كي تعزز دفاعاتها، وستود بالتالي استعادة بعضٍ مما استولت عليه موسكو، عند انطلاق الهجوم الأوكراني المضاد المرتقب منذ وقت طويل.
ومن جانبه، يشكل بريغوجين شوكة دائمة في خاصرة المنظومة العسكرية الروسية. فازدراؤه واضح في خطاباته المتعددة والحافلة بالكلام البذيء التي صورها من محيط باخموت. وهو اشتكى مراراً من تقصير موسكو في إرسال الإمدادات والدعم لقواته، وسخر من رداءة وضع الجيش الروسي بالمقارنة مع رجاله. وفي أكثر من مناسبة، هدد بسحب جنوده من مواقعهم - وتلت تهديداته هذه، بعد أيام قليلة، إعلانات عن وصول قريب لمزيد من الذخائر والإمدادات. وقد سكب غضبه على وزارة الدفاع الروسية، وعلى المسؤولين فيها، وعلى الجنرالات المسؤولين عن العملية الميدانية في أوكرانيا.
على ما يبدو، اعتبر بريغوجين الأسبوع الماضي أن مهمته أنجزت، فأعلن عن بدء انسحاب قواته من مواقعها في باخموت ومحيطها، وعن تسليم جميع مواقع "فاغنر" للجيش الروسي بحلول الأول من يونيو (حزيران). ويذكر أنه مع تسليط الضوء على باخموت، اكتسب بريغوجين أهمية في أوساط مؤيدي الحرب في موسكو، وبات يشكل مصدر إحراج للكرملين، الذي يرى أنه من الصعب اعتبار تصريحات بريغوجين مضحكة، وهو الشخصية الرئيسة في واحد من أهم ميادين القتال وأبرزها. فقدرة هذا الأخير على الكلام علناً عما يحصل في الكتمان تتعارض مع رغبة الكرملين في ضبط المعلومات حول موضوع الحرب. وإن كان ينتظر ناقدي الحرب في موسكو أحكاماً مشددة بالسجن، ينعم قائد "فاغنر" بحرية [التي يوفرها له التواجد] ميدان القتال.
وكذلك، ارتأى بريغوجين أنه من المناسب التهجم على آلة الحرب الروسية، في أعقاب توغل ميليشيات مناهضة لبوتين من الأراضي الأوكرانية، وهجومها على منطقة بلغورود الحدودية الروسية الأسبوع الماضي. والحال أن أوكرانيا نفت تورطها في العملية، كما نفت مشاركتها في عدد من الغارات التي شنتها مسيرات، وفي عمليات توغل سابقة عبر الحدود الروسية في مارس (آذار) الماضي. وفي حين زعم الكرملين أن الهجوم صد بالكامل، استقطب قائد إحدى المجموعتين [المسؤولتين عنه] الأنظار في الجانب الأوكراني من الحدود، اليوم التالي، حيث أفاد قائلاً: "أعتقد أنكم ستروننا مجدداً من الجهة الأخرى". كما وأفيد بأن الهدف الطويل الأمد للمجموعتين الميليشيتين هو "تحرير" روسيا من بوتين.
وفي هذا السياق، نشر بريغوجين، في أعقاب الهجوم، مقابلة عبر قناته على تطبيق التراسل "تلغرام"، حذر فيها من أن روسيا قد تواجه "ثورة" إن لم يدخل قادتها تحسينات في كيفية إدارة الحرب، ولم يأخذوا بالحسبان أوضاع الجنود المرسلين إلى ميدان القتال.
وهو صرح قائلاً: "قد يحمل هذا الانقسام تداعيات تذكر بعام 1917، فتحصل ثورة"، مضيفاً "أولاً سيحتج الجنود، وبعد ذلك ينتفض أحباؤهم. ويمكن تعداد عشرات الآلاف منهم منذ الآن - من أقارب لأشخاص ماتوا قتلاً. وسيليهم على الأرجح مئات الآلاف - هو أمر لا مفر منه".
من جهتهم، أعرب أصحاب المدونات العسكرية، ولديهم ملايين المتابعين من بينهم مؤيدون للحرب في موسكو، عن مفاجأتهم حيال الهجوم عبر الحدود، وكيف فضح النقص في الدفاعات الروسية. وفي حين أن الخوف من الهجمات الأوكرانية هي وسيلة فاعلة يستغلها بوتين لمواصلة حشد الدعم الكبير للحرب في أوساط الشعب الروسي، إلا أن فاعليتها تقوضه أجواء من الرفض والتشكيك.
أما التأثير الذي يمارسه الوطنيون المتشددون في موسكو - سواء أكانوا شخصيات سياسية أو مؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي - فيقتصر على كونه يقيد تصرفات الرئيس ويجبره على اتخاذ مسارات محددة، أو أقله يضعه أمام مساحة تصرف ضيقة جداً. حاجته الواضحة لتقديم نفسه كالرجل القوي تشكل له قيوداً إضافية.
وقد ظهر مثال جديد على ذلك يوم الجمعة، عندما قال رئيس الوزراء الروسي السابق دميتري ميدفيديف - وهو من كبار مؤيدي بوتين - إن الحرب قد تتواصل لـ"عشرات السنين".
"ستتواصل الحرب لوقت طويل جداً. وهذا هو الواقع الجديد"، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الحكومية الروسية عن لسان ميدفيديف، الذي يشغل اليوم منصب نائب رئيس مجلس الأمن. وبعد أن صور ميدفيديف نفسه كمصلح ليبرالي عندما كان رئيساً بين عامي 2008 و2012، يصور نفسه اليوم كمعارض ومعادٍ كبير للغرب في الكرملين. ويقول الدبلوماسيون إن آراءه تعطي لمحة عن منحى التفكير السائد ضمن نخبة الكرملين.
وفي تكرار لأفكار متداولة مماثلة، مفادها أن الغرب يقلل فعلاً من شأن احتمال بدء حرب نووية بسبب أوكرانيا، أشار ميدفيديف إلى ضرورة إطاحة حكومة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بالنظر إلى أن أي سلام [يتحقق] سيكون قصير المدى. وبعد أن كان يفترض من تصريحاته رفع المعنويات، جل ما فعلته اعترافاته بأن "العملية الخاصة" ستتواصل لوقت طويل هو تقويض [مكانة] الكرملين.
لطالما اعتمد بوتين على المشروعية التي وفرها له الدعم الشعبي، وعلى قوة الإكراه التي يمارسها عبر القانون ووسائل الإعلام الحكومية. ومع أنه يلجأ إلى جميع الوسائل المتاحة أمامه، لكت التشققات بدأت بالظهور. ومع أن روسيا لا تزال تمتلك كماً هائلاً من القدرات العسكرية، وأن القتال سيتواصل حتماً لوقت طويل. لكن الواجهة التي يحرص الكرملين على إظهارها، بأن الحرب تسلك الوجهة التي حددها بوتين، تواصل الانهيار.
© The Independent