ملخص
فيلم "كن رجلاً" يروي قصة الـ"فياغرا" وكيف غير حياة الرجال
عندما سمع كاتب السيناريو ماثيو باري للمرة الأولى عن التجربة السريرية لعقار الـ"فياغرا" عام 1994 في مستشفى موريستون في مدينة سوانزي، كان رد فعله الأولي: "هذا مثل فيلم ’ذا فل مونتي‘ The Full Monty [كل ما هو مطلوب] مع الـ’فياغرا‘" [فيلم فل مونتي هو فيلم كوميدي لكنه يتطرق إلى مشكلات عدة مثل البطالة والكآبة والعجز الجنسي والانتحار والمثلية الجنسية]. ثم خطرت له فكرة أنه "يجب تحويلها إلى دراما، كيف لم يفعل ذلك أحد من قبل؟ دعونا نتحرك بسرعة، لأن شخصاً [آخر] سيفعل ذلك".
يمكنك أن تتفهم دهشته من أن القصة الحقيقية وراء فيلم "كن رجلاً"، وهو الفيلم الذي كتبه باري ويعرض على قناة "بي بي سي 1" BBC One والمبني على التجربة السريرية للعقار، كانت لا تزال متاحة وغير منجزة [كعمل درامي]. إنها واحدة من تلك الحكايات المبهجة التي لا يمكن تخيلها والتي تبرع بها صناعة الترفيه البريطانية بصورة جيدة، النوع الذي قد يجعلك تضحك في لحظة، ثم تبكي في اللحظة التالية، حول مجموعة من الرجال يفعلون شيئاً مثيراً للضحك نوعاً ما، ليجدوا أنه يغير حياتهم بصورة لا رجعة فيها. يقول أنورين بارنارد الذي يقوم بدور الدكتور ديلان بيرس، الطبيب (الخيالي) الذي يشرف على التجربة: "أعتقد بأن صانعي الأفلام البريطانيين جيدون للغاية في السرد من منطلق إنساني يرتبط به الناس - والقيام بذلك في قصة عن عقار قادر على منحك الانتصاب هو أمر فريد تماماً".
من المتوقع أن يتأثر حوالى 322 مليون رجل بضعف الانتصاب بحلول عام 2025. "فياغرا" متاح الآن من دون الحاجة إلى وصفة طبية في المملكة المتحدة، ويُعتقد بأن العقار أسهم في تحقيق مكاسب بالمليارات لشركة الأدوية العملاقة "فايزر"، ولكن لا يزال الحديث عنه يجري بطريقة التلميحات. يقول باري: "يسمع الناس كلمتي ’فياغرا‘ و’العجز الجنسي‘ ويتوقعون سماع دعابة. لكن الرجال يقتلون أنفسهم بسبب هذا. إنه أمر مضحك ومأسوي في آن واحد". بالنسبة إلى الممثلين، كان من المذهل رؤية مدى الحرج الذي يشعر به الآخرون نتيجة الموضوع. ويشير بارنارد إلى أن "الناس يأخذون نفساً عميقاً في البداية ثم يجيبون بعد ذلك". ويضيف زميله الممثل مارك لويس جونز الذي يقوم بدور إيدي أحد المشاركين في التجربة: "عندما يسألني الناس عن عملي التالي وأقول إنني أعمل على فيلم عن الـ’فياغرا‘، يضحك الجميع. لا أعرف ما إذا كان الناس لا يزالون يشعرون بالحرج من هذا الموضوع، وعما إذا كان هذا [الضحك] طريقة للتغلب على ذلك الحرج، الجميع يطلق النكات: ’هل لديك أي عينات؟‘ لا يزال [موضوعاً] يجب أن نمزح به حتى نتمكن من التحدث عنه".
مثل اكتشافات طبية عدة، كان اكتشاف "فياغرا" عرضياً تماماً. منذ أواخر الثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات، كان اختصاصيو الدواء في مختبر "فايزر" في بلدة ساندويتش، في مقاطعة كينت [جنوب شرق إنجلترا]، يختبرون ما إذا كان من الممكن استخدام مركب السيلدينافيل لعلاج الذبحة الصدرية، وهي شكل من أشكال آلام الصدر الناجمة عن انخفاض تدفق الدم إلى القلب. لكن النتائج كانت مخيبة للآمال، وبحلول عام 1993، كانت الشركة تدرس إيقاف المشروع بصورة كاملة. وفي محاولة أخيرة لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح، نظم الباحثون تجربة في بلدة ميرثير تيدفيل، جنوب ويلز، وكان عدد من المشاركين من عمال المناجم السابقين، العاطلين من العمل بعد إغلاق المناجم، الذين تلقوا الأجر مقابل مشاركتهم في التجربة. وجرى تشجيعهم على الإبلاغ عن أي آثار جانبية، وسرعان ما كشف أحد المتطوعين الجريئين عن أنه كان يعاني الانتصاب أكثر من المعتاد، ثم أخبر عدد كبير من المشاركين قصصاً مماثلة. وكان السيلدينافيل طوّر للمساعدة في استرخاء الأوعية الدموية حول القلب، ولكنه أيضاً كان يزيد من تدفق الدم إلى العضو الذكري.
وشرعت شركة "فايزر" بعد ذلك في إطلاق تجارب سريرية للتركيز بصورة خاصة على ضعف الانتصاب، بما في ذلك التجربة التي أجريت في مستشفى موريستون عام 1994. وترأس هذه التجربة الدكتور ديفيد برايس، الرجل الذي اقتبست منه بصورة سطحية شخصية بارنارد في الفيلم. وقال باري إنه [الدكتور ديفيد برايس] أسهم في الفيلم "منذ البداية"، جالباً معه "ثروة من المعرفة الفعلية" حول العملية نفسها: في البداية كانت هناك "تجربة مزدوجة مع دواء وهمي"، إذ تم وصل الرجال بأجهزة قياس لمعرفة مدى التأثير في قضيبهم، ثم تمكن المشاركون من أخذ أقراص دواء إلى المنزل وتسجيل تأثيرها.
ساعدت قراءة الأعمال المنشورة لبرايس بارنارد على فهم "التعليقات التي كان يتلقاها من المجتمع الصحي في ذلك الوقت، والتي كانت طفولية للغاية في بعض النواحي. لم يروا أهمية ذلك [البحث في العجز الجنسي] بقدر ما كان يراه هو... كان الموضوع مشكلة واضحة يجري تجاهلها". بعد لقائه مع برايس في موقع التصوير، "الشيء الوحيد الذي أخذته منه هو شغفه تجاه المرضى... كان [عمله] يدور حول التأكد من أنه بذل كل ما في وسعه مهنياً للتأكد من أن هؤلاء الرجال وشركائهم حصلوا على نتائج [المرجوة]".
ويردف باري أنه إضافة إلى تقديم التفاصيل الطبية، كان الطبيب أيضاً "راوياً عظيماً" ولديه حكايات عدة أكثر غرابة من الخيال. من المؤسف أن النص النهائي للفيلم لم يتضمن جميع حكاياته، بما في ذلك حقيقة أن التجربة "كان من المفترض إجراؤها في مستشفى تدعى "قديسة ماريا" يُدار من قبل راهبات وأدركن أن [إجراء التجربة في هذا المستشفى] لن يكون فكرة جيدة حقاً". أو حقيقة أن برايس نفسه اضطر إلى القيام برحلة في وقت متأخر من الليل للحصول على بعض المواد الإباحية ذات الجودة الأفضل للمشاركين، ليستفيدوا منها أثناء الدراسة. يقول باري: "كانت شركة فايزر أرسلت عبر البريد السريع تسجيل فيديو لمحتويات إباحية. بعدما رقد الأطفال للنوم، قام بتشغيل التسجيل وأدرك أن جودته كانت سيئة للغاية. اتصل بشركة فايزر وقال: ’لا يمكننا استخدامه‘. فقالوا: ’حسناً، إذهب واشترِ غيره‘. لقد كان محرجاً جداً من شرائها [مواد إباحية] في سوانزي في حال تعرف إليه شخص ما. لذلك كان عليه أن يسافر مع زوجته، تحت جنح الظلام، إلى مدينة نيوبورت لشراء المواد الإباحية".
لم يكن برايس الشخص الوحيد الذي شعر بقليل من الخجل بسبب التجربة. في الواقع، فإن الإحراج والعار والطريقة التي قد تجعل بها هذه المشاعر الرجال منغلقين عاطفياً، هي مواضيع رئيسة في الفيلم. يوضح باري أن الدراسة الطبية هي بمثابة "حصان طروادة"، ويقول: "نعم، إنها قصة تجربة الـ’فياغرا‘، لكنها في الحقيقة تتعلق بالرجال غير القادرين على مصارحة أصدقائهم وزوجاتهم وشركائهم". وعندما التقى [الممثل] لويس جونز المخرج آشلي واي في تعاونية البقالة في كارديف قبل التصوير، يتذكر أنه كان لديه رأي مماثل: "لقد أجرينا محادثة سريعة حول هذا الموضوع وقال: ’كما تعلمون، الأمر يتعلق بالعلاقة الحميمة - العلاقة الحميمة للرجال، ومع بعضهم بعضاً‘".
وعنت سرية السجلات الطبية أن باري لا يقدر الوصول إلى بيانات الرجال الحقيقيين المشاركين في التجربة، لذلك يقدم لنا الفيلم خمسة مشاركين خياليين. جميعهم يكافحون، في صمت تقريباً، مع عبء حالتهم. يقول بارنارد: "عندما نفكر في الـ’فياغرا‘، فإننا نفكر فقط في الأشخاص الذين يتناولونها: نحن لا نفكر في الواقع بالصعوبات التي تتولد [عندما] لا تقدر أن تكون حميمياً مع شخص تحبه. إنه أمر فظيع". بطل القصة هو موريغ، وهو مريض في المستشفى يبلغ من العمر 40 سنة ويعاني مرض السكري، ويقوم بدوره نجم مسلسل "صراع العروش" Game of Thrones إيوان ريون (يشير باري إلى أن ما يقدر بنحو 40 في المئة من الرجال المصابين بالسكري في الأربعينيات من أعمارهم، يعانون شكلاً ما من أشكال ضعف الانتصاب). تسببت حالة موريغ في ابتعاده من زوجته فيون (التي تؤدي دورها الممثلة ألكسندرا روتش). يشرح باري قائلاً: "ما يجعل الأمر أكثر إثارة للمشاعر أنه شاب صغير بالسن، ولديه زوجته وأطفاله، وهو في حال ذهول وإحراج كاملين ومليء بالعار [في شأن عجزه الجنسي]". كان من المهم بصورة خاص إبراز قصة فيون، وقصص شركاء الرجال الآخرين، "لأنك تفكر في الـ’فياغرا‘ وتعتقد بأن الرجل فقط الذي يحاول الأداء، ولكن في الواقع هناك كثيراً من الضغط على الشركاء أيضاً".
ونلتقي أيضاً شخصية كولين الأرمل المحب للكلمات المتقاطعة الذي يقوم بدوره الممثل ستيفان رودري والذي يحجم عن بدء علاقة جديدة مع محبة أخرى للعب الألغاز، وشخصية "بيت" الذي يؤدي دوره الممثل فالدوت شارما والذي يرى الـ"فياغرا" بمثابة حبة عجيبة يمكنها إعادة إحياء زواجه. الممثل بول ريس يؤدي قصة مؤثرة للغاية في دور تومي، وهو رجل مثليّ يجب أن يكذب حول ميوله الجنسية ليضمن مكاناً لنفسه في التجربة. يقول باري: "ليست لدي أية فكرة عما إذا كان شخص ما قد حاول التسلل والكذب، لكنني فكرت، سيكون ذلك مثيراً للاهتمام إذا فعلوا ذلك. في ذلك الوقت، كان هناك البند 28 [التشريع الذي قدمته حكومة مارغريت تاتشر والذي يحظر "الترويج للمثلية الجنسية" من قبل السلطات المحلية والمدارس] وسياسة ’لا تسأل، لا تخبر‘ Don’t Ask, Don’t Tell في أميركا [سياسة طُبقت أولاً في ظل إدارة الرئيس كلينتون، وحظرت على المثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي بصورة علنية الخدمة في الجيش]. لذلك، على رغم أن فترة التسعينيات تبدو مألوفة تماماً، وكأنه لم تمضِ عليها فترة طويلة، إلا أنها كانت عالماً مختلفاً من نواحٍ عدة".
ثم هناك شخصية إيدي، وهو رجل غريب الأطوار يقوم بدوره لويس جونز الذي يبدو ممازحاً وشجاعاً، إلى أن يُكشف عن شيء في منتصف الفيلم ليقلب تصوراتنا المسبقة رأساً على عقب. يقول لويس جونز: "من الناحية الثقافية، ورث فكرة عن ماهية الرجل - ما هو الرجل الحقيقي - وحالته [العجز الجنسي] تتعارض تماماً مع تلك الفكرة المتصورة". ويضيف أن التجربة تسمح لإيدي بتكوين صداقات تتيح له "أن يصبح ضعيفاً"، وهو أمر يُعتقد بأن الرجال ما زالوا يجدونه صعباً حتى بعد مرور 30 عاماً تقريباً على فترة الفيلم الزمنية. ويقول: "أعتقد بأن عدم القدرة على إظهار الضعف لا تزال سائدة حتى الآن. ويبدو أن هذا هو الشيء الموروث جيلاً بعد جيل: أن التأثر يساوي الضعف".
أراد باري التقاط "طيف من الرجولة" من خلال شخصياته، لكنه كان أيضاً مدركاً للحاجة إلى إظهار مجموعة من ردود الأفعال على الدواء. ويوضح قائلاً: "هناك ما يسمى ’أسطورة فياغرا‘، إذ يعتقد الناس بأن تناول فياغرا ونجاح فياغرا، سيكونان بمثابة الحل السحري. لكن في الواقع، في كثير من الحالات، يحصل الرجل على الانتصاب، لكن تبقى المشكلات موجودة. لذلك فإنها لا تحل [كل شيء]. أردت حقاً أن أروي هذه القصة أيضاً". ويشير إلى أنه بالنسبة إلى كثير من المشاركين الخياليين، كان من الممكن تخفيف صراعاتهم العاطفية قبل التجربة من خلال محادثة صريحة وصادقة. ولهذا السبب، يأمل في أنه عندما يُعرض فيلم "كن رجلاً"، فإنه سيدفع الناس إلى المصارحة عن مشاعرهم. يقول: "أحد آمالي في هذه الدراما هو أن يشاهدها الناس في المنزل ويدركون أنه، سواء كان الموضوع ضعف الانتصاب أو أمراً آخر مختلفاً تماماً، فإن التواصل والتحدث [عن الموضوع] سيساعد". ويضيف: "لقد قلت دائماً منذ البداية، أن حلمي في هذا هو أن ينتهي بنا الأمر في "Gogglebox" [برنامج تلفزيوني بريطاني يعرض ردود فعل مجموعة أصدقاء أو أفراد عائلة أثناء مشاهدتهم لعرض على التلفزيون]. سأحب ذلك، لأنني أعتقد بأن ذلك لديه القدرة على أن يكون بداية مناسبة للحديث".
عرض فيلم "كن رجلاً" على قناة "بي بي سي 1" الجمعة في الـ29 من ديسمبر الماضي
© The Independent