ملخص
شنت القوات المرتبطة بإيران أكثر من 160 هجوماً على القوات الأميركية منذ 7 أكتوبر
بصرف النظر عن طبيعة الرد الأميركي على الهجوم الأخير الذي أدى لمقتل وإصابة عشرات من القوات الأميركية، كانت الحادثة تطوراً خطراً، ولكنه أيضاً حتمي بعد اندلاع القتال بين الولايات المتحدة والميليشيات المدعومة من إيران في المنطقة، ومع ذلك، يظل السؤال الأهم هو هل يمكن أن يغير الرد الأميركي حسابات إيران ووكلائها، وهل يتوقع أن تدخل إدارة الرئيس جو بايدن في أعمال حربية واسعة النطاق في المرحلة المقبلة، أم سيبحث كل طرف عن الخطوط الحمراء لخلق نوع من الثبات في الضربات المتبادلة؟
مصدر القلق الأكبر
على رغم أن أحدث عمليات تبادل النيران بين القوات الأميركية والميليشيات الوكيلة لطهران بدأت مع اندلاع الحرب في غزة، فإن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق، على وجه الخصوص، لديها تاريخ طويل من الصراع مع القوات الأميركية يعود بعضها إلى احتلال الولايات المتحدة العراق، ومع وصول هذا الصراع إلى ذروته، يبدو أن مصدر القلق الأكبر هو أن تكون الضربة الأخيرة لموقع البرج 22 على الحدود السورية - الأردنية بمثابة الشرارة التي أشعلت برميل بارود، مما قد يؤدي إلى تصعيد ما كان صراعاً منخفض المستوى بالوكالة، إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
ومع عدم وضوح الرؤية عما إذا كانت لدى طهران سيطرة مباشرة، أو حتى معرفة مباشرة، بكل ضربة تقوم بها الميليشيات التي تدعمها في العراق وسوريا، حتى لو كانت لديها القدرة على إصدار تعليمات واسعة، بما في ذلك شن هجمات، يصبح لدى إيران القدرة على التنصل من المسؤولية بحسب تقرير صادر من "وورلد بوليتكس ريفيو" في نيويورك.
مسألة وقت
ومع ذلك، فإن سياق الأحداث يشير إلى أن الضربة الأخيرة ضد القوات الأميركية لم تأت من فراغ، إذ شنت القوات المرتبطة بإيران أكثر من 160 هجوماً على القوات الأميركية منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وكان المسؤولون الأميركيون يعتبرون أن مقتل واحد أو أكثر من أفراد الخدمة في القوات الأميركية مسألة وقت ستحدث حتماً بعدما خططت إيران وعملت على تمويل وتدريب وتجهيز ما يسمى "محور المقاومة" في الشرق الأوسط، في مسعاها للاستفادة من حرب غزة ومن ثم زيادة الضغوط على الولايات المتحدة، بهدف تحقيق هدفها طويل المدى وهو طرد الولايات المتحدة من المنطقة، وهي تسعى إلى ذلك جزئياً من طريق زيادة العداء الإقليمي للوجود الأميركي من ناحية، ومن طريق زيادة كلفة هذا الوجود للولايات المتحدة من ناحية أخرى، وفقاً لما يقول جون ألترمان مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.
ولا شك أن الميليشيات التابعة لإيران صاغت هجماتها على أنها رد فعل على الحرب بين إسرائيل و"حماس"، في حين أن الهجمات هي في الواقع جزء من المشروع الإيراني الأكبر في الشرق الأوسط، والذي تنظر فيه إيران وما يسمى "محور المقاومة" إلى الحرب بين إسرائيل و"حماس" باعتبارها فرصة لتسريع حملتهما لطرد القوات الأميركية، واستخدمتا الحرب لتبرير هجماتهما على القوات الأميركية على رغم أن هذه الهجمات كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر الماضي، بحسب معهد دراسات الحرب الأميركي.
كيف سترد إدارة بايدن؟
وفقاً للمسؤولين الأميركيين، تدرس الولايات المتحدة مجموعة واسعة من الخيارات من بينها توجيه ضربات ضد الميليشيات في العراق وسوريا، وكذلك داخل إيران، وإن كان الهجوم على الأراضي الإيرانية يبدو وكأنه خيار أقل احتمالاً، إذ يتعين على إدارة بايدن أن تفكر في رد قوي بما يكفي لردع حلفاء إيران عن شن مزيد من الهجمات على القوات والمصالح الأميركية مع تجنب التورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط، لذا، قد تختار الإدارة الأميركية مهاجمة أفراد "فيلق القدس" الإيراني في سوريا والعراق واليمن أو ضرب السفن الإيرانية في البحر، أو شن هجوم كبير على الميليشيات المدعومة من إيران، بخاصة تلك التي يرى الأميركيون أنها مسؤولة عن الهجوم الأخير.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن الخيارات تراوح بين غير المرضية إلى شديدة الخطورة، فمن ناحية أضعفت الهجمات السابقة قدرات الجماعات المدعومة من إيران، والتي شنت أكثر من 160 هجوماً، إلا أنها فشلت في ردع تلك الجماعات وهو ما اعترف به بايدن نفسه قبل نحو 10 أيام، ولهذا قد يقرر بايدن أن تكون أهدافه الأولى هي أعضاء "الحرس الثوري الإسلامي"، الذين يتمركز عديد منهم في سوريا والعراق، وكذلك استهداف أماكن تصنيع الطائرات المسيرة التي استخدمت في الهجوم على موقع البرج 22، واعتماداً على كيفية تنفيذ هذه الضربات، يمكن أن يفتح ذلك جبهة أخرى في الحرب، ويدفع طهران إلى تسريع برنامجها النووي.
خيارات مدمجة
وهناك أيضاً خيارات مدمجة أخرى، إذ يمكن توجيه الضربات تزامناً مع رسائل عبر القنوات الخلفية للإيرانيين مفادها بأنه ينبغي عليهم استيعاب الضربة وعدم تصعيدها، تماماً مثلما كانت هذه الإشارات ناجحة بعد مقتل قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" بطائرة "درون" أميركية عام 2020، حيث تراجع الجانبان في النهاية بسبب المخاوف من حرب شاملة في الشرق الأوسط.
لكن الضغوط السياسية والحسابات العسكرية وهشاشة الوضع الإقليمي حالياً تختلف تماماً عما كان عليه الوضع قبل أربع سنوات، على رغم أن تقديرات الاستخبارات الأميركية تشير إلى أن إيران لا ترغب في الانخراط بشكل مباشر في الحرب أيضاً، بخاصة عندما يكون اقتصادها ضعيفاً، ولهذا يقترح البعض، مثل الأميرال البحري المتقاعد جيمس ستافريديس، شن حملة جوية، أياماً عدة، ضد وكلاء إيران، بالتوازي مع هجوم سيبراني قوي، مع توجيه تحذير يكون بمثابة الفرصة الأخيرة لطهران عبر التلويح بمجموعة خيارات تستهدف، بشكل مباشر، منشآت إنتاج الأسلحة الإيرانية والسفن وأنظمة الاستخبارات في حال رغبت القيادة الإيرانية في القيام بجولة أخرى، بخاصة أن إيران كانت خصماً للولايات المتحدة لفترة طويلة عبر ثماني رئاسات ديمقراطية وجمهورية، ولا يوجد نقص في مثل هذه الخيارات.
ومع ذلك، لم يستخدم أي رئيس أميركي سابق أو حالي هذه الخيارات ربما لأن واشنطن وطهران لم تتمكنا من رؤية طريقة للخروج من دائرة الضربات والضربات المضادة بمجرد بدء صراع شامل، وحتى عندما كان المسؤولون الأميركيون متأكدين من أن الولايات المتحدة ستنتصر في نهاية المطاف، بدا من الصعب تخيل احتمال إلحاق الضرر بحلفاء أميركا، بخاصة إسرائيل، بل إن الرئيس السابق دونالد ترمب تراجع عن توجيه ضربة كانت مخططة لإيران.
هل تتغير حسابات إيران؟
تتعرض إدارة بايدن لمزيد من الضغوط بخاصة من الجمهوريين البارزين في الكونغرس من أجل التصرف بقوة وتوجيه ضربات داخل إيران نفسها على اعتبار أن القادة الإيرانيين لا يفهمون سوى لغة القوة، وقد تؤدي أي هجمات أقل قوة مما هو متوقع، إلى رؤية مزيد من الهجمات على القوات الأميركية والشحن التجاري الدولي، لكن، في الوقت نفسه هناك خطر في تصعيد الصراع مع إيران.
وحتى بعد تنفيذ الولايات المتحدة ضربات عسكرية، من غير المرجح أن تغير الوضع العسكري في الشرق الأوسط بصورة كبيرة، أو أن تغير حسابات إيران أو وكلائها بحسب ما يقول خبير الأمن العالمي جون ألترمان استناداً إلى أن الجهود الأميركية السابقة لردع وكلاء إيران باءت بالفشل، إذ ردت القوات الأميركية، الأسبوع الماضي فقط، على الهجمات على قاعدة "عين الأسد" الجوية في العراق بضربات على ثلاثة مواقع مرتبطة بالقوات الوكيلة لإيران، كما نفذت، على مدى أسبوع، عديداً من الضربات ضد الحوثيين في اليمن الذين تهدد هجماتهم الممرات الملاحية بالبحر الأحمر. وأشار "البنتاغون" بعد الضربات إلى تلك الهجمات على أنها ضرورية ومتناسبة، وهي طريقة للإشارة إلى أنها تمتثل للقانون الدولي، ومع ذلك، كان الدعم الدولي لاستخدام الولايات المتحدة للقوة ضئيلاً، حتى من أعضاء "الناتو" مثل فرنسا وإيطاليا.
ولهذا، من المرجح أن تستمر الجماعات المسلحة التابعة لإيران في تصعيد حملتها ضد القوات الأميركية في المنطقة، إذ إن أي تغيير في السلوك لا يمكن أن يحدث إلا نتيجة كلف باهظة على النظام الإيراني نفسه وليس على الميليشيات في المنطقة.
وحتى الآن، أدار بايدن الضربات المتعمدة في العراق واليمن تحت عنوان تحقيق الهدف الاستراتيجي في البيت الأبيض، وهو منع الانزلاق نحو حرب أوسع ليس لها هدف أو نقطة نهاية فورية، لكن هذا الحذر يمكن أن يقوض قوة الردع الأميركية، بخاصة حينما تمتنع إدارة بايدن عن ضرب الأهداف التي يعتقد أنها تخاطر بإثارة رد فعل واسع النطاق.
هل تندلع حرب شاملة؟
وعلى رغم تزايد احتمالات وقوع أعمال قتالية واسعة النطاق، فإن نشوب حرب إقليمية شاملة يظل غير مرجح، إذ يعتقد أن الجانبين الأميركي والإيراني سيبحثان عن الخطوط الحمراء لكل منهما، مما يخلق موجة أكثر ثباتاً من الضربات المتبادلة خلال الأشهر المقبلة بدلاً من اندلاعها بشكل مفاجئ.
وفي حين أنه من الممكن توقع نوع من العمل العسكري الأميركي خلال أيام، فإن احتمال قيام الولايات المتحدة بالتوسط في وقف إطلاق نار موقت آخر في غزة سيظل محور التركيز الرئيس لجهود البيت الأبيض، لأنه من شأن التوصل إلى اتفاق في غزة أن يخفض حدة التوتر الإقليمي، ويعيد بناء التعاون مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ويمنح بعض الرياح لأشرعة الدبلوماسية الأميركية.