Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهند بين بنغلاديش والشيخة حسينة لأيهما ستنحاز؟

لم تصدر نيودلهي أي بيان في شأن نيتها تسليم الزعيمة الهاربة مما أثار حالاً من الإحباط والغضب في الأوساط السياسية في دكا

حقوقيون يتجمعون بالقرب من دمية لرئيسة وزراء بنغلاديش المخلوعة الشيخة حسينة خلال احتجاج رمزي ضد الفاشية في دكا (أ ف ب)

ملخص

قالت الحكومة الموقتة في بنغلاديش الثلاثاء (الـ21 من يناير الجاري) إنها ستواصل جهودها لإعادة رئيسة الوزراء المعزولة الشيخة حسينة من الهند، وستسعى إلى تدخل دولي إذا لزم الأمر. وأوضح المستشار القانوني آصف نذر الإسلام للصحافيين في دكا أنه إذا رفضت نيودلهي إعادة حسينة، فإن ذلك سيشكل انتهاكاً لمعاهدة التسليم بين بنغلاديش والهند، بحسب ما ذكرت صحيفة "ديلي ستار".

كثيراً ما كانت بنغلاديش، التي استقلت عن باكستان عام 1971، جارة وحليفة وثيقة للهند، لكن التطورات السياسية الأخيرة بعد تغيير النظام في أغسطس (آب) 2024 وضعت العلاقات بين البلدين أمام اختبار حاد.

اضطرت رئيسة الوزراء البنغالية السابقة الشيخة حسينة، في الخامس من أغسطس 2024، إلى الرضوخ والاستقالة إثر تفاقم التظاهرات الطلابية التي أطاحتها ولجأت إلى الهند هرباً. وفي الوقت نفسه، صعدت الحكومة الموقتة التي يقودها الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس، مطالبها بإعادتها، مشيرة إلى استعدادها طلب تدخل دولي إذا تطلب الأمر، إذ قدمت طلباً رسمياً لتسليمها، لكن نيودلهي لم تصدر أي تعليق رسمي حتى الآن. وعلى رغم أن الهند وبنغلاديش ترتبطان بمعاهدة تسليم، فإن نصوصها لا تلزم الهند قانوناً بتسليمها.

الوضع الحالي يطرح تساؤلات ملحة: هل ستسلم الهند الشيخة حسينة استجابة للطلب البنغلاديشي، أم أنها ستدعمها على حساب علاقتها مع جارتها؟

مذكرات

في السادس من يناير (كانون الثاني) الجاري أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في بنغلاديش مذكرات اعتقال في حق الشيخة حسينة و11 شخصاً آخرين، من بينهم جنرالات عسكريون سابقون ورئيس شرطة سابق، بتهم تتعلق بتورطهم في حوادث اختفاء قسري. وتواجه الشيخة حسينة اتهامات خطرة ترتبط بفترة حكمها التي امتدت لـ15 عاماً. وتشمل هذه الاتهامات قمع الاحتجاجات السلمية التي اندلعت بقيادة الطلاب في يوليو (تموز) وأغسطس 2024، التي أسفرت عن مقتل نحو 1000 شخص، بينهم أطفال، وفقاً لتقارير محلية. إضافة إلى ذلك، تواجه اتهامات بالاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القضاء والفساد والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لما ورد في ملفات المحكمة الجنائية الدولية. وقد وُجهت هذه الاتهامات أيضاً إلى قادة حزبها وحلفائها وكبار المسؤولين في وكالات إنفاذ القانون.

في ديسمبر (كانون الأول) 2024 أرسلت بنغلاديش مذكرة دبلوماسية إلى الهند تطالب بتسليم الشيخة حسينة لمحاكمتها. وقال مستشار الشؤون الخارجية توحيد حسين، الذي يعتبر وزير الخارجية الفعلي في الحكومة الموقتة، إنه أرسل مذكرة شفوية إلى السلطات الهندية يطلب فيها إعادة الشيخة حسينة إلى بنغلاديش "للإجراءات القضائية". جاء هذا التحرك بعد تصريحات مستشار الشؤون الداخلية، جهانكير عالم، الذي أكد وجود اتفاق تبادل سجناء موقع بين البلدين يمكن الاستناد إليه في هذه القضية.

اللجوء إلى الدعم الدولي

وعلى رغم الطلبات الرسمية المتكررة والمذكرات الشفوية، لم تصدر الهند أي بيان واضح في شأن نيتها تسليم الشيخة حسينة، مما أثار حالاً من الإحباط والغضب في الأوساط السياسية البنغلاديشية.

وفي الآونة الأخيرة لمحت الحكومة الموقتة في بنغلاديش إلى أنها قد تلجأ إلى حشد دعم دولي في حال عدم استجابة الهند لطلبها.

وقالت الحكومة الموقتة في بنغلاديش الثلاثاء (الـ21 من يناير الجاري) إنها ستواصل جهودها لإعادة رئيسة الوزراء المعزولة الشيخة حسينة من الهند، وستسعى إلى تدخل دولي إذا لزم الأمر. وأوضح المستشار القانوني آصف نذر الإسلام للصحافيين في دكا أنه إذا رفضت نيودلهي إعادة حسينة، فإن ذلك سيشكل انتهاكاً لمعاهدة التسليم بين بنغلاديش والهند، بحسب ما ذكرت صحيفة "ديلي ستار".

تعقيد العلاقات الثنائية

من جهتها، تواجه الهند موقفاً معقداً في التعامل مع هذا الطلب. ويرى خبراء العلاقات الهندية - البنغلاديشية أن عملية تسليم الشيخة حسينة لن تكون مباشرة. وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية" أوضح المفوض السامي الهندي السابق لدى بنغلاديش، بينك راجان تشاكرابورتي، أن تسليم حسينة يتطلب أدلة قانونية دامغة تتماشى مع معاهدة التسليم الموقعة بين البلدين، التي تتضمن شروطاً تتعلق بالحصانة السياسية وضمان المعاملة العادلة.

وأضاف تشاكرابورتي أن عدم قدرة بنغلاديش على تقديم ضمانات قانونية كافية قد يدفع الهند إلى رفض الطلب، مما يزيد من تعقيد العلاقات الثنائية بين البلدين في هذه المرحلة الحساسة.

رداً على صمت نيودلهي، قال الدبلوماسي البنغلاديشي السابق، الممثل البارز للحكومة الموقتة، خليل الرحمن "لا يمكن إنكار أن الشيخة حسينة ارتكبت جرائم خطرة شهدها العالم أجمع". وشدد على التزام بنغلاديش تنفيذ توجيهات المحكمة الجنائية الدولية، مشيراً إلى ضرورة احترام الهند معاهدة التسليم الثنائية بين البلدين، وأوضح خليل الرحمن أن تسليم حسينة سيمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة، معرباً عن أمله في تعاون الهند لتجاوز هذه الأزمة التي قد تؤثر في العلاقات الثنائية إذا لم تحل بصورة ترضي الطرفين.

من جهته، دعا الزعيم الطلابي البارز والمستشار في الحكومة الموقتة، ناهيد إسلام، الهند إلى دعم الانتقال الديمقراطي الجاري في بنغلاديش من خلال تسليم الشيخة حسينة. وقال إسلام إن "عدم تعاون الهند سيضر بمكانتها كدولة داعمة للديمقراطية وقد ينظر إليه على أنه دعم للاستبداد"، وأكد أن الحكومة الموقتة مستعدة لاستخدام جميع القنوات الدبلوماسية والقانونية لضمان عودة الشيخة حسينة إلى البلاد، وأضاف أن التعاون الهندي في هذا الشأن سيعزز العدالة ويقوي العلاقات بين البلدين.

في السياق ذاته، أشار الدبلوماسي الأميركي السابق في بنغلاديش، جون دانيلوفيتش، إلى أهمية الاستجابة لمطالب بنغلاديش بتسليم الشيخة حسينة.

وقال دانيلوفيتش إن على الهند أن تقرر بين دعم شعب بنغلاديش ومصالحه الديمقراطية أو الوقوف إلى جانب زعيمة معزولة متهمة بارتكاب جرائم جسيمة، واقترح أن تكثف بنغلاديش جهودها للحصول على دعم دولي وتسعى إلى تسليم حلفاء آخرين للشيخة حسينة لجأوا إلى الهند. وحذر من أن عدم تعاون الهند قد يقوض طموحاتها في تعزيز مكانتها كقوة عالمية مسؤولة.

"نسيان للتاريخ"

وعلي العكس، يرى المحلل الكبير كالول باتاتشارجي أن الأزمة الحالية في بنغلاديش هي نتيجة لتصرفات محمد يونس، مشيراً إلى أن الهند قد دعمت بنغلاديش بصورة مستمرة، إلا أن يونس يبدو أنه يتحالف مع الجماعات المتطرفة المناهضة للهند ويواجه ضغوطاً كبيرة من هذه الفصائل إضافة إلى المنظمات الطلابية.

ويحذر باتاتشارجي من أن العلاقات بين الهند وبنغلاديش قد تصبح أكثر توتراً في الأيام المقبلة. وفي حديثه مع "اندبندنت عربية"، قال إن من هم في السلطة في بنغلاديش يسعون إلى استبدال الدستور الذي حُقق بتضحيات مئات البنغلاديشيين.

ويرى الدبلوماسي السابق راجيف دوجرا أن "الحكومة الحالية في بنغلاديش ليست شرعية، بل هي هيئة غير منتخبة تتألف من أفراد كانوا معروفين سابقاً كطلاب بلطجية"، وأشار إلى أنه إذا تولى الطلاب إدارة الحكومة بمسؤولية، فإن ذلك قد يكون مفيداً للبلاد، لكن إذا اتبعوا عقلية الغوغاء فإن ذلك سيؤدي إلى عواقب كارثية على بنغلاديش.

كما انتقد دوجرا المشاعر العامة السائدة في بنغلاديش تجاه الهند، مشيراً إليها بأنها "نسيان" للتاريخ. واعتبر أن في بيئة يغلب عليها الأنانية والنسيان لا يمكن للعلاقات أن تتحسن.

وأشار دوجرا إلى أنه يجب على البنغاليين المتعلمين والواعين مدنياً أن يذكروا الطبقة الحاكمة الحالية بتاريخ البلاد، لا سيما أن بنغلاديش كانت مستعمرة لباكستان قبل عام 1971، وأكد أنه إذا لم تعترف النخبة الحاكمة بهذا التاريخ، فإن العلاقات مع الهند ستظل متوترة.

الضغط على نيودلهي

من جهتها أكدت وزارة الشؤون الخارجية الهندية أنها تلقت طلب تسليم الشيخة حسينة، وتلتزم الصمت حيال موقفها الرسمي حتى الآن، هذا الصمت يعكس التعقيدات التي تحيط بالقضية، والتي تختبر التوازن بين الالتزامات القانونية والتداعيات السياسية المترتبة على إيواء زعيمة سابقة.

الهند تجد نفسها في موقف حرج، إذ تواجه ضغوطاً من الحكومة الجديدة في بنغلاديش، وفي الوقت نفسه، تعيش حالاً من التردد بسبب إقامة الشيخة حسينة في نيودلهي، ومنحها حرية إصدار بيانات سياسية على رغم غياب التحالف الوثيق بين الجانبين، فمن جهة تتلقى الهند مطالب متزايدة من بنغلاديش بإعادة حسينة إلى دكا، مما قد يؤثر سلباً في علاقتها مع أحد أقدم حلفائها في المنطقة، ومن جهة أخرى يواصل قادة حزب رابطة عوامي البنغالي، في الخفاء، التواصل مع الشيخة حسينة المقيمة في الهند، ويحثونها على الضغط على نيودلهي لمساعدتها في العودة إلى السلطة في بنغلاديش.

ومع التحولات السياسية السريعة التي شهدتها بنغلاديش السبت الماضي، أعلن مستشار رفيع لحكومة محمد يونس الموقتة أن حزب رابطة عوامي بزعامة الشيخة حسينة لن يسمح له بالمشاركة في الانتخابات المستقبلية. وقال محفوظ علم، أحد أبرز زعماء حركة مناهضة التمييز، في تجمع حاشد في منطقة تشاندبور في الـ25 من يناير الجاري "الانتخابات ستكون مخصصة فقط للمجموعات المؤيدة لبنغلاديش".

وأضاف علم، الذي كان له دور محوري في الانتفاضة الجماهيرية التي أطاحت نظام حسينة في أغسطس من العام الماضي، أن حزب خالدة ضياء القومي البنغلاديشي وجماعة الإسلام، إلى جانب مجموعات "مؤيدة لبنغلاديش" أخرى، سيكون لهم الحق في مواصلة أنشطتهم السياسية داخل البلاد.

هذه التطورات تمثل تحدياً جديداً للهند، إذ إن الشيخة حسينة لن تبقى صامتة في نيودلهي، بل ستضغط على الحكومة الهندية لتسهل لها العودة إلى الساحة السياسية. ولعل الضغط الأكبر يتمثل في أن حسينة لن تتمكن من العودة إلى بنغلاديش إلا عبر الانتخابات، مما يجعل هذه المسألة محورية بالنسبة إلى مستقبلها السياسي في بلدها.

المزيد من تقارير