ملخص
استطاع تحالف "العيون الخمس" أن يصد غوائل كثير من الشرور عن أعضائه ودعم من ليسوا من الأعضاء، لكن يجمعهم معين أكبر هو حلف "الناتو".
ما الذي جرى في الأيام القليلة الماضية وجعل المخاوف تحلق فوق سماوات الحلف وتنذر إما بنهاية زمانه وانقضاء أوانه، أو بتحوله إلى تحالف "العيون الأربع" وليس الخمس؟
هل سيكتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب سطور النهاية لأحد أهم التحالفات الاستخباراتية التي نشأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية؟
المقصود هنا هو تحالف "العيون الخمس"، ذلك التجمع الذي يشمل الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، إضافة إلى المملكة المتحدة.
استطاع هذا الحلف السري غير المرئي أن يشكل حائطاً منيعاً أمام الكتلة الشيوعية طوال عقود الحرب الباردة، ومثَّل آلية ناجحة بامتياز في تبادل المعلومات ذات القيمة العالية التي مكنت أعضاء التحالف من الصمود في مواجهة الكتلة الشيوعية وتدابير الاتحاد السوفياتي.
بدا الغرب حتى سقوط الشيوعية تجمعاً أيديولوجياً واحداً بقيادة الولايات المتحدة الأميركية وبشراكة مطلقة مع الجانب الأوروبي.
استطاع تحالف "العيون الخمس" أن يصد غوائل كثير من الشرور عن أعضائه ودعم من ليسوا من الأعضاء، لكن يجمعهم معين أكبر هو حلف "الناتو".
ما الذي جرى في الأيام القليلة الماضية وجعل المخاوف تحلق فوق سماوات الحلف وتنذر إما بنهاية زمانه وانقضاء أوانه، أو بتحوله إلى تحالف "العيون الأربع" وليس الخمس؟
هل الرئيس ترمب هو السبب؟ هل يخطط كما يقول البعض لخروج الولايات المتحدة من هذا الكيان الاستخباراتي العتيد؟ أم أن بقية أعضائه هم من يعمدون الآن إلى إخراجه؟ وإذا كان الأمر على هذا النحو، فما السبب المخيف الذي يفقد بقية الأعضاء الثقة في العم سام؟
ثم يبقى التساؤل الأكثر أهمية "ما الذي ستخسره واشنطن حال سلخها أو انسلاخها عن هذا التحالف؟".
عن ماهية تحالف "العيون الخمس"
مع نهاية الحرب العالمية الثانية أدرك الحلفاء أن أحد أهم أسباب الفوز في المواجهة مع النازية والفاشية إلى جانب الأسلحة التقليدية كان المعلومات الاستخباراتية التي مكنت الجميع من خداع الجيش الألماني. وربما عزز ظهور هذا التحالف نشوء وارتقاء الاتحاد السوفياتي الذي بات العدو الأكبر الذي لا يقل قوة عن النازية، بل تجاوزها باحتلاله الأيديولوجي لدول أوروبا الشرقية، وصولاً إلى تقسيم ألمانيا، ثم زادت ضراوة المشهد حين امتلك الاتحاد السوفياتي السلاح النووي.
وقعت الولايات المتحدة الأميركية وكند وبريطانيا أحد أهم الاتفاقات الدولية التي أبرمت طوال الـ50 عاماً التي تلقت الحرب العالمية الثانية، وقد عُرف باسم اتفاق "يوكوزو" الذي يعادل اتفاق "بريتون وودز" الذي أبرم بين المنتصرين عام 1944، ليشكل ملامح التجارة الدولية والاقتصاد العالمي طوال الحقبة الزمنية الممتدة من 1945 وحتى يومنا هذا.
كان اتفاق "يوكوزو" منطلقاً لتنظيم أنشطة استخبارات الإشارات الغربية التي عاشت طوال الحقبة التي تلت الحرب الكونية الثانية، هذا الاتفاق الذي عُقد في البداية بين الولايات المتحدة المنتصرة وبريطانيا المرهقة بفعل الحرب وضع أميركا في موقع رأس الحربة من هذا التحالف الاستخباراتي الوليد. وأدى الاتفاق لاحقاً إلى جذب كل من كندا ونيوزيلندا وأستراليا ليقوم التحالف بالتقاط وتحليل اتصالات الراديو الدولية بصورة سرية، وبعدها سيتطور المشهد ليصبح قوة دولية دائمة متمثلة في نظام تجسس إلكتروني عالمي، باتت تعده الدول الأعضاء سبباً رئيساً في انتصاراتها العسكرية والسياسية، وربما الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية.
كان لتطور التكنولوجيا الحديثة، لا سيما مع تسعينيات القرن الماضي، تأثير كبير في تغيير أنماط العمل، لا سيما حين دخلت أنشطة التجسس عبر الأقمار الاصطناعية ومنظومة "إيشلون" ذات القدرات الهائلة، محل ضباط الاتصالات الذين كانوا يستعينون بطرق بدائية كسماعات الآذان للتنصت على اتصالات الراديو.
اليوم بات تحالف "العيون الخمس" قادراً على التقاط الشاردة والواردة في الفضاء الكوني.
يتساءل البعض عن الأوزان الاستراتيجية للدول الأعضاء، حيث يفاجئ الجميع بأن نيوزيلندا تحديداً ليست على قدر مُوازٍ للمملكة المتحدة أو الولايات المتحدة، وعليه فكيف تضحى عضواً في هذا التحالف؟
الجواب في واقع الحال تفرضه معطيات الجغرافيا وانتقامها، بحسب روبرت كابلان، لا سيما أنها البقعة الأقرب من الصين، هناك حيث تدور المعارك على القطبية الأممية القادمة بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، ولعل مواقف الصين الأخيرة من هذا التحالف تظهر الغضب الذي كان مكبوتاً، والآن خرج إلى العلن.
تحالف عسكري أو استخباراتي
عبر موقعه المثير "جيوبولتيكال فيوتشرز" كتب رئيس استخبارات الظل الأميركي الجنسية المجري الأصل جورج فريدمان قبل نحو عامين يصف اجتماعاً عسكرياً دُعي إلى حضوره في أستراليا، حيث يصف القاعة بأنها كانت خليطاً من العسكريين البريطانيين والأميركيين، إضافة إلى النيوزيلنديين والكنديين، وبالطبع الأستراليين.
يستنتج فريدمان، ومن الوهلة الأولى، أن "العيون الخمس" لم تكن مجرد اتفاق لتبادل المعلومات الاستخباراتية، بل تحالف عسكري فعال من دون وثائق رسمية، أو بالأحرى مع كثير من الوثائق التي تثير الشكوك، لم يرد أعضاء التحالف، لأسباب مختلفة، إضفاء طابع رسمي على ما هو قائم بالفعل.
خلال عقود الحرب الباردة استمر عمل التحالف عبر صيغة بسيطة، فقد كان على أي من الأعضاء الخمسة أن يتشارك المعلومات الاستخباراتية، إن لم يكن أساليب جمعها، مع الآخرين.
حديث فريدمان يقودنا إلى فتح صفحة تعاون دول التحالف خلال الحرب الباردة، لا سيما على الجانب العسكري، حيث جرى تحالف مكثف بين البريطانيين والأميركيين، فقد سيطر البريطانيون على شمال ألمانيا، بينما سيطر الأميركيون على الجبهة المركزية، وخوفاً من هجوم نووي سوفياتي محتمل، احتاج الأميركيون إلى رصد الصواريخ القادمة من أبعد مكان ممكن، لذلك تم بناء خط الإنذار المبكر البعيد في شمال كندا، وتأسست قيادة الدفاع الجوي الفضائي لأميركا الشمالية، ومقرها كولورادو، مما أتاح للكنديين الوصول إلى الاستخبارات الأميركية وأساليب حماية أميركا الشمالية.
ولمواجهة الصين طور الأستراليون أسطولاً بحرياً للانضمام إلى الولايات المتحدة في المحيط الهادئ، حيث كان البريطانيون حاضرين دائماً. أما النيوزيلنديون فقد اختاروا أن يكونوا متذمرين، فحرموا الولايات المتحدة من الوصول إلى موانيهم ما لم تؤكد الولايات المتحدة عدم وجود أسلحة نووية على متن سفنها، وهو ما رفضته الولايات المتحدة.
هل يعني ذلك أن هذا التحالف أبعد مما يشاع عن كونه تحالفاً للاستخبارات فحسب؟
المؤكد أنه حتى قبل ظهور مصطلح "تحالف العيون الخمس" كان من الواضح ومنذ البداية أن التجمع له طابع عسكري، وقد تم تصميمه للقتال في الحرب العالمية الثانية والتعاون في زمن الحرب الباردة، كما كان لكل دولة تحالفات أخرى، وأحياناً تحالفات مشتركة.
ظلت واشنطن القلب النابض في هذا التحالف ورأس الحربة، وقد تبع الجميع العم سام، حتى في مغامراته غير المحسوبة، كما حدث في غزو أفغانستان، حيث تولت بريطانيا مسؤولية جنوبه، بينما رفضت نيوزيلندا القتال أول الأمر، لكنها لاحقاً أرسلت قوات إلى أفغانستان.
هناك كذلك بعد اقتصادي لعلاقة دول هذا التحالف، وهو نادراً ما يتم ملاحظته، إذ تشكل دوله مجتمعة نحو 7 في المئة من سكان العالم، لكنها تمثل أكثر من 28 في المئة من ناتجه المحلي الإجمال.
وعلى رغم عدم وجود سوق مشتركة بين دول "العيون الخمس" فإن هناك سلسلة من اتفاقات التجارة الثنائية التي تكثف المشاريع المشتركة من مختلف الأنواع.
جاءت حرب أوكرانيا لتعزز التعاون بين دول الحلف، حيث لعب أميركا وبريطانيا الدور الرئيس المعزز لزيلينسكي، وهذا ما جرى خلال رئاسة الديمقراطي جو بايدن، عبر تزويد كييف بالأسلحة والمعلومات عبر الأقمار الاصطناعية، فيما كانت السفن الأميركية والأسترالية تجوب المحيط الهادئ، وبدا أن المستقبل يحمل تعاوناً عسكرياً واسع النطاق عبر تحالف "أوكوس" لمواجهة طموحات وتطلعات الصين في المحيط الهادئ، كما أن أستراليا والمملكة المتحدة تعملان بسرعة وجدية لفتح مزيد من أبواب التعاون في تقنيات عسكرية جديدة مثل الأسلحة الأسرع من الصوت والحوسبة الكومومية.
يعنُّ للقارئ أن يتساءل، وله في الحق ألف حق، "هل يمكن لمثل هذا التحالف أن ينهار كما يذهب كثير من الآراء في الوقت الراهن؟ وهل ستكتب إدارة ترمب نهاية هذا الجهد الكبير الذي استمر يعمل بنجاح لعقود طوال؟ أم أن الأمر برمته مرتبط بمناورات الرئيس الأميركي وتلاعبه بـ(الناتو) وببقية التحالفات التي نشأت على ضفتيه عبر العقود الثمانية الماضية؟".
أميركا... هل تطرد كندا من التحالف؟
أخيراً بدأت الأزمات تشتد بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وبقية أعضاء التحالف من جهة ثانية. على أن دولة بعينها ربما كان من حظها ونصيبها أن تتحمل العبء الأكبر من توجهات إدارة الرئيس ترمب، وبنوع خاص.
الحديث هنا ينسحب على كندا بصورة خاصة، لا سيما في ظل تكرار دعوات ترمب إلى انضمامها للولايات المتحدة الأميركية والنظر إليها من ثم على أنها الولاية الـ51 ضمن ترتيب الولايات الأميركية.
والشاهد أنه في ظل الرفض الكندي والإصرار الشعبوي والنخبوي على رفض مقترح ترمب، بدا أن هناك توجهات أيديولوجية ولوجيستية تمضي في الأفق ضد ترمب... ماذا عن ذلك؟
بعد أقل من شهرين من تنصيب ترمب اقترح مسؤول كبير في البيت الأبيض طرد كندا من شبكة تبادل المعلومات الاستخباراتية "العيون الخمس".
هنا ومن الواضح أن نافارو، وهو أحد أقرب مستشاري الرئيس الأميركي، يسعى إلى إخراج كندا من تحالف "العيون الخمس".
هل كان نافارو جاداً في دعوته هذه أم أن الأمر برمته لا يعدو أن يكون مناورة ضمن آليات إدارة ترمب للضغط على كندا حتى تستجيب لرؤى سيد البيت الأبيض؟
الجواب غير واضح، لا سيما أن نافارو نفى الترويج لهذه الفكرة واصفاً إياها بـ"الجنون"، ومضيفاً "لن نخاطر بأمننا القومي مع حلفاء مثل كندا".
أما البيت الأبيض فبدوره لم يعلق على ما تم ترويجه حول نافارو، وفي الوقت عينه رفض مكتب رئيس الوزراء ترودود الذي انتهت ولايته في التاسع من مارس (آذار) الجاري، التعليق على الخبر.
هل يمكن لواشنطن بالفعل أن تطرد كندا اليوم، وربما نيوزيلندا في الغد؟
المؤكد أنه على رغم أن كندا ونيوزيلندا تقدمان أقل قدر من المعلومات الاستخباراتية في المجموعة، فإن طرد أي عضو من شأنه أن يثير انتقادات من الحلفاء الآخرين، وكذلك من مسؤولي الاستخبارات في واشنطن وخارجها.
هنا يعتبر مسؤول استخباراتي في التحالف، رفض الكشف عن اسمه، لمجلة "نيوزويك" الأميركية أن طرد كندا من الشبكة التي يبلغ عمرها عقوداً من الزمن سيكون أمراً خطراً. ويضيف، "عندما أجلس حيث أجلس وأنظر إلى مجموعة التهديدات التي يواجهها، فإننا نحتاج إلى كل الشركاء الذين يمكننا الحصول عليهم".
وفي هذا الصدد يتساءل المحلل السابق في جهاز الاستخبارات الأمنية الكندي CSIS بين عامي 2001 و2015 فيل غروسكي، "ما الدافع وراء هذا؟ صحيح أن كندا هي الشريك الأصغر، لكن التحالف يتبادل معها معلومات حساسة للغاية، كما أن التحالف يعمل بكفاءة، فلماذا نعاقب إذاً؟".
والجواب عند غروسكي، "يبدو أن هذا تكتيك آخر من تكتيكات البيت الأبيض للضغط على كندا من أجل أمر لا يعلمه إلا الله".
ولعله من المثير في شأن طرد كندا من تحالف "العيون الخمس" هو موقف ستيف بانون اليميني المتشدد والصديق المقرب من الرئيس ترمب ومستشاره لفترة محدودة في ولايته الأولى.
بانون أشار إلى أن "كندا تفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها، لا سيما في ظل سعي الصين إلى أن تصبح قوة قطبية". غير أنه على رغم ذلك يرى أن أي خطوة لإخراج كندا من تحالف "العيون الخمس" ستكون خطوة عكسية ستؤدي في النهاية إلى الإضرار بأميركا.
ويقطع بانون بأن "كندا تقدم أداءً يفوق قدراتها بكثير، وحال النظر إلى قدراتها العسكرية، سنجد أنها كانت أفضل حليف لأميركا".
هل يتوقف مستقبل تحالف "العيون الخمس" على إشكالية كندا أم أن الأمر يتجاوزه إلى محطات استراتيجية أكثر خطورة؟
الاقتراب من روسيا ومخاوف التحالف
لعل ما عجَّل بمخاوف بقية أعضاء التحالف توجهات الرئيس ترمب لجهة العلاقات مع روسيا بنوع خاص ومحاولته إنهاء الصراع الأوكراني بأسرع وقت وإعادة فتح المسارات السياسية التصالحية والتسامحية مع سيد الكرملين، حتى ولو كلف الأمر التوقف عن تزويد أوكرانيا المعلومات الاستخباراتية التي تمكنها من مواجهة الهجمات الروسية.
هذا التيار الترمبي الجديد أعاد بلا شك علامات الاستفهام العديدة التي ارتفعت في انتخابات عام 2016 عن علاقة ترمب بروسيا وبوتين تحديداً، وهل هناك خطوط ماورائية ما تجمع بين الاثنين وتدفع سيد البيت الأبيض إلى التماهي مع توجهات بوتين؟
في تقرير مطول لشبكة "NBC" كتبه دان لوس مراسل وحدة التحقيقات بالشراكة مع كورتني كيوب المراسلة التي تغطي شؤون الأمن القومي والجيش لدى وحدة التحقيقات الإخبارية في الشبكة وكارول إي. لي رئيسة تحرير صحيفة "الواشنطن بوست"، نكتشف أن بعض حلفاء واشنطن، لا سيما داخل تحالف "العيون الخمس"، يفكرون بجدية اليوم في تقليص المعلومات الاستخباراتية التي يتقاسمونها مع واشنطن رداً على نهج إدارة ترمب التصالحي تجاه روسيا، والعهدة على مصادر مطلعة على المناقشات لشبكة "NBC NEWS".
تقول المصادر التي من بينها مسؤولان أجنبيان إن الحلفاء يدرسون هذه الخطوة بسبب المخاوف في شأن حماية الأصول الأجنبية التي قد يتم الكشف عن هوياتها عن غير قصد. والمعروف أن جميع أجهزة الاستخبارات تعامل التزاماتها تجاه عملائها الأجانب على أنها مقدسة، متعهدة الحفاظ على سلامة عملائها وإخفاء هوياتهم، كما أن أي شيء يعرض هذا الالتزام للخطر يعد انتهاكاً لهذه الثقة، مما يدفع بعض أجهزة الاستخبارات إلى الامتناع عن تبادل بعض المعلومات مع واشنطن.
ولعله من المثير في تقرير الشبكة الإخبارية الأميركية هذه أن هناك دولاً صديقة أخرى للولايات المتحدة الأميركية، ومنها إسرائيل، تدرس وبجدية مراجعة البروتوكولات الحالية لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن في ظل التطورات الجديدة وفتح أبواب العلاقات مع موسكو وما يمكن أن يستجد.
هذا التطور ربما يحمل مخاوف جديدة تزعزع الأساسات التي قام عليها هذا التحالف، وفي مقدمها "عدم تجسس دول التحالف على بعضها بعضاً".
هنا تساؤل، "هل الثقة بين دول التحالف تتهاوى، ويمكن للمشهد أن يصل إلى حد التجسس المتبادل، لا سيما مع الشكوك الصاعدة حول قدرة واشنطن – ترمب على الاحتفاظ بما لديها من معلومات من غير مشاركة ولو عابرة أو عرضية، بقصد أو من دون قصد مع الروس؟".
يبدو أن الأمر يمضي في هذا السياق، وربما ما هو أبعد منه، ذلك أن المصادر التي تحدثت إلى الشبكة الأميركية تشير إلى أن المراجعة الجارية بالفعل في الوقت الراهن هي جزء من فحص أوسع لمجموعة من العلاقات مع واشنطن بين عديد من حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك الدبلوماسية والتجارة والتعاون العسكري، فضلاً بالطبع على المسائل الاستخباراتية.
وعلى رغم أن مدى التغير في السياسة الأميركية تجاه روسيا غير واضح، فإن حلفاء واشنطن يدرسون العواقب المحتملة لهذا التحول التاريخي.
هل هناك في الداخل الأميركي وفي هيكل الاستخبارات الأميركية عينها من يخشى من توجهات الرئيس ترمب؟
من الواضح أن هناك بالفعل من يخشى تمادي الرجل في هذا السياق، لا سيما أن بعض ضباط الاستخبارات المركزية السابقين يقولون إنهم قلقون من أن إدارة ترمب قد تختار تقليص جمع المعلومات الاستخباراتية الموجهة إلى روسيا لأن الولايات المتحدة ربما لم تعد ترى روسيا تهديداً كبيراً.
ومن جانب آخر فقد أثارت التحركات الأخيرة التي اتخذتها إدارة ترمب فيما يتصل بالأمن السيبراني أيضاً المخاوف في شأن تعامل الإدارة مع موسكو... هل من تفاصيل؟
نعم، فقد ازدادت مخاوف الحلفاء وأعضاء تحالف "العيون الخمس" بعدما أمر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث" الشهر الماضي القيادة السيبرانية الأميركية بوقف العمليات السيبرانية الهجومية والعمليات المعلوماتية ضد روسيا، ومن غير الواضح مدة سريان هذا الأمر.
اقرأ المزيد
- "العيون الخمس"... 500 صفحة من "التاريخ الملوث" لاستخبارات الغرب
- توسيع "العيون الخمس" للاستخبارات إلى تسع يثير الجدل في أميركا
- تحالف "العيون الخمسة" يخوض معركة شرسة مع بكين
- "العيون الخمس" تحالف استخباراتي تقوده بريطانيا لإنهاء الهيمنة الصينية
- تقرير استخباراتي لـ"العيون الخمس" يكشف تكتم الصين بشأن كورونا
- "أوكوس"... زمن "تطويق التنين"
- من "أوكوس" إلى "كواد"... موت أحلاف وبزوغ تحالفات
بريطانيا وأوان "العيون الأربع"
ماذا تعني السطور أعلاه؟ يعنُّ للبعض أن يتنبأ بأن التحالف لن يصمد أمام ضربات الرئيس ترمب المفاجئة صباح مساء كل يوم.
على أن الأمر تجاوز فكرة التنبؤ بالفعل، وانتقل إلى مربعات الحديث الجدي، ففي أوائل مارس الجاري قالت مصادر دفاعية بريطانية إن المملكة المتحدة يجب أن تطور تحالف "العيون الأربع" لتبادل المعلومات الاستخباراتية رداً على تصرفات دونالد ترمب في شأن أوكرانيا بنوع خاص. والمعروف أن قرار ترمب منع الحلفاء، بما في ذلك المملكة المتحدة، من إعطاء أوكرانيا مواد سرية أنتجتها الولايات المتحدة، والتي يمكن أن تفيد الدولة الواقعة في شرق أوروبا، أثار دعوات إلى تشكيل مجموعة انفصالية عن التحالف القديم الذي مضى عليه نحو ثمانية عقود. والثابت أن الدول الأربع الأخرى، كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا، قد استشعرت قلقاً بالغاً من قرار ترمب الأخير تعليق المعلومات والمساعدات العسكرية، وذهب بعض ممن يميلون إلى التفسير المؤامراتي للتاريخ إلى القطع بأن هناك براغماتية ماورائية أميركية تهدف إلى تعظيم مصالح واشنطن والانتقاص أو في أفضل الأحوال عدم الالتفات إلى مصالح بقية أعضاء التحالف.
هذا التفكير يمكن أن يصب كذلك في خانة الأزمة الناشئة داخل حلف "الناتو" بصورة عامة ويعزز التطلعات الأوروبية لجهة مزيد من العسكرة الأوروبية، خوفاً من التخلي الكبير، إن جاز التعبير من جانب واشنطن عن بروكسل.
في هذا الإطار يقترح البعض في مؤسسة الدفاع البريطانية تشكيل مجموع فرعية تسمح بتبادل المعلومات الاستخباراتية دون الحاجة إلى استخدام حق النقض الأميركي.
ويقول مصدر بريطاني مطلع إنه لكي لا يغضب أحد الرئيس ترمب فإنه يمكن الحفاظ على تركيبة تحالف "العيون الخمس" كما هي، لكن في قناة فرعية يمكن إنشاء تحالف آخر للرباعي المتبقي، أي كندا وأستراليا وبريطانيا ونيوزيلندا، يعمل في الهامش، ومن غير أن يشكل الأمر ضجيجاً عالياً، بل كبقية أعمال الاستخبارات يجري بهدوء وتُؤدة في الخلفية الجيوسياسية لعالم متحول بصورة كبيرة، ناهيك بالتعاون في المجالات السيبرانية بصورة مستقبلية.
وقال معهد دراسة الحرب في واشنطن في توقيت مواكب للتصريحات البريطانية إن قرار الولايات المتحدة "من شأنه أن يلحق الضرر بقدر أوكرانيا على الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الروسية المستمرة".
أما السفير البريطاني السابق لدى واشنطن السير ديفيد مانينغ فاعتبر أن مسألة تبادل المعلومات الاستخباراتية ستكون "أكثر صعوبة في التعامل معها".
هل هناك أفكار خارج الصندوق يمكن لبقية الأعضاء الأربعة في التحالف تفعيلها لتعويض غياب الولايات المتحدة الأميركية حال غيابها بالفعل؟
اليابان عضو مرشح لتحالف جديد
يبدو الجواب مثيراً بالفعل، لا سيما في ضوء التحركات الجيوسياسية العالمية الأخيرة في آسيا. ففي مقابلة أجريت قبل بضعة أعوام، وبالتحديد في أغسطس (آب) 2020، صرح وزير الدفاع الياباني السابق كونو تارو بأن بلاده مهتمة للغاية بالانضمام إلى "العيون الخمس".
في ذلك التوقيت لم يؤخذ هذا الطلب بجدية كافية، فعلى رغم أن اليابان تتمتع بمستويات عالية من التعاون مع دول التعاون الخمس، فإنها تبدو في السنوات الأخير بمواجهة مطالب شعبوية عالية تسعى إلى إنهاء القيود التي فرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، بل إن تيارات يمينية بعينها في الداخل الياباني تسعى إلى إنهاء الشراكة الاستراتيجية العسكرية مع الولايات المتحدة، ولو بصورة تدريجية حتى الخلاص منها.
هل تبدو فكرة قبول اليابان كعضو جديد في تحالف "العيون الخمس" فكرة مقبولة؟
يمكن بالفعل للدول الغربية الأربع التي تدور في إطار الكومنولث البريطاني أن ترى في اليابان ميزة استراتيجية مضاعفة.
من جهة الموقع والموضع تتمتع اليابان بقرب شديد من روسيا، كما أن الخلافات السياسية بينهما على مجموعة من الجزر أمر قائم حتى الساعة. وفي حال المصالحة الأميركية – الروسية فإن واشنطن لن تكون عوناً أو سنداً لطوكيو في محاولة استرجاع جزرها التاريخية، بحسب وجهة نظرها.
عطفاً على ذلك فإن واشنطن حكماً ربما تتوقف عن تزويد اليابان بمزيد من الأسلحة المتطورة، بل إنها قد تنسحب من قواعدها التقليدية هناك.
ما تقدم يجعل اليابان في حال اشتياق إلى كيان جديد يدعهما ويزخمها في مواجهة ما يراه الأوروبيون أطماع الدب الروسي.
وعلى صعيد آخر يمكن القطع بأن اليابان بدورها قريبة جداً من الصين، وهذه الأخيرة قد أبدت في الأعوام الأخيرة غضباً واضحاً من تحالف "العيون الخمس" بعدما حث بكين على التراجع عن استبعاد المشرعين المؤيدين للديمقراطية من البرلمان الفعلي في هونغ كونغ.
وفي بيان صدر قبل أعوام عدة وصفت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا وكندا تصرفات الصين بأنها "انتهاك واضح لالتزاماتها بموجب الإعلان الصيني - البريطاني المشترك الملزم قانوناً والمسجل لدى الأمم المتحدة".
ولأن اليابان بدورها على خلافات معمقة مع الصين، لهذا قد تكون بدورها فرصة سائغة لأوروبا للشراكة الاستخباراتية عالية القيمة.
وفي الخلاصة، هل سينتهي تحالف "العيون الخمس" الذي صمد طويلاً؟ بحسب المخرج السينمائي والصحافي ريتشارد كرباج مؤلف كتاب "التاريخ السري للعيون الخمس" يبدو الحلف الذي صمد طويلاً في وجه كثير من العواصف قادراً على أن يعبر هذه الأزمة، لا سيما أن ترمب لن يظل إلى الأبد رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.
ومن ناحية أخرى فإن واشنطن بدورها تعرف أنها على رغم إمكاناتها التقنية والتجسسية الهائلة لا يمكنها أن تتحلل من شراكات طويلة المدى، وتنعزل وراء محيطين، فهذا أمر لا يُفيدها، وبخاصة في ظل أمرين:
الأمر الأول هو أن القيصر الروسي غير مضمون العواقب، وهو على رغم كل الأحاديث الوردية مع واشنطن يتسلح بمقدرات عسكرية وتكنولوجية وتجسسية قادرة على إزعاج العم سام، مما يعني أن الأخير لا يعيش في جزيرة منعزلة وحده، بل يحتاج إلى شراكات فاعلة وناجعة على جميع الصعد. والأمر الثاني هو أن سيد البيت الأبيض، المرتبط بتحالفات "أوكوس" في المحيط الهادئ شرقاً، لا يملك رفاهية مواجهة الصين القادمة عسكرياً بتغول غير مسبوق، وعلى من لا يصدق النظر إلى الغواصات النووية الحديثة التي تنتجها من نوع "تايب 096"، والتي تشكل "كابوساً نووياً لأميركا" من دون شراكة قوية ومستقبلية مع أستراليا ونيوزيلندا.