ملخص
على رغم ارتفاع كلفة "فسحة العيد" بنسبة 20 في المئة العام الحالي مقارنة بحجم الموازنة التي خصصها العام الماضي، فإن بعض المصريين اضطروا إلى الرضوخ للأمر الواقع من أجل إرضاء أبنائهم وعدم التخلي عن طقوسهم المعتادة.
لجأ كثير من المصريين خلال الآونة الماضية لتغيير خططهم المعتادة في شأن اختيار أماكن التنزه والترفيه مثلما اعتادوا طوال الأعوام الماضية ابتهاجاً بعيد الفطر المبارك، نتيجة تصاعد موجة الغلاء وارتفاع كلفة أسعار غالب المتنزهات ووسائل الترفيه مقارنة بأسعارها في الأعوام الماضية، مما أجبرهم على البحث عن بدائل اقتصادية أقل كلفة في الأسعار وتحقق لهم الهدف المنشود في الاستمتاع بأجواء العيد المبهجة برفقة أسرهم.
كلفة باهظة
في البداية، اضطر أحمد الفيومي (56 سنة) ويقطن بحي بولاق الدكرور الشعبي بالجيزة، إلى تغيير طقوسه المعتادة في عيد الفطر، ليقرر اصطحاب زوجته وأبنائه لإحدى الحدائق العامة بالمنطقة زهيدة الكلفة بدلاً من الذهاب للتنزه في أحد الملاهي الشهيرة، التي ارتفعت كلفة أسعار التذاكر بها بصورة باهظة خلال الآونة الماضية.
يقول الفيومي الذي يعمل محاسباً بإحدى الشركات الخاصة ويعول أسرة مكونة من زوجة وثلاثة أبناء في مراحل عمرية مختلفة، إنه لم يعد قادراً على مواكبة ارتفاعات الأسعار المتوالية، التي طاولت أماكن التنزه والترفيه خلال عيد الفطر المبارك، إذ وصل سعر التذكرة الواحدة لدخول الملاهي 280 جنيهاً (5.54 دولار)، ليصل مجموع الكلفة الإجمالية لتذاكر الأسرة بأكملها نحو 1400 جنيه (27.68 دولار)، مقارنة بأسعار التنزه في إحدى الحدائق العامة، التي يصل مجموع كلفة التذاكر بها إلى 200 جنيه (3.95 دولار)، وستكون في متناول الأيدي وستتيح للأبناء "الجري واللعب" وتناول وجبة "الفسيخ والرنجة" المفضلة باعتبارها أحد الطقوس الملازمة لعيد الفطر.
لم يخف الفيومي ضيقه من تغيير خطة التنزه في العيد نتيجة غلاء الأسعار لا سيما أن راتبه الشهري بالكاد يكفي لتأمين حاجات منزله الشهرية، متسائلاً "هل يعقل استقطاع نحو ربع موازنة المنزل من راتبي الشهري الذي لا يتخطى 8 آلاف جنيه (158.18 دولار) لإنفاقه في يوم واحد على بند التنزه والترفيه نظير دخول أسرتي أحد الملاهي؟ وكيف سنعيش باقي أيام الشهر وندبر حاجات المنزل؟".
وأظهرت نتائج بحث الدخل والإنفاق لعام 2017/2018 الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهة حكومية)، أن متوسط نفقات المصريين سنوياً يبلغ 51 ألفاً و399 جنيهاً (1008.35 دولار)، وتذيل الإنفاق على أوجه الثقافة والترفيه الاهتمامات لدى المصريين في نفقاتهم كأقل متوسط إنفاق سنوي للأسرة المصرية، إذ لم يستحوذ هذا البند إلا على 2.1 في المئة فقط من متوسط النفقات السنوية للمصريين بحجم إنفاق يبلغ 1079 جنيهاً (21.33 دولار).
إلغاء فكرة السفر
حال الرجل الأربعيني كريم السعدني لا يختلف كثيراً عن الفيومي، إذ دفعته موجة غلاء الأسعار أيضاً إلى إلغاء فكرة السفر لمدينة رأس سدر الساحلية مثلما اعتاد كل إجازة عيد فطر بالذهاب إليها رفقة أسرته المكونة من والدة ووالدته وزوجته وأبنائه الثلاثة، بعدما فوجئ أن إجمال كلفة السفر للأسرة ستتخطى قرابة 5 آلاف جنيه (98.86 دولار) نظير قضاء يومين في إجازة العيد، مما سيضطره إلى استقطاع قرابة نصف دخله الشهري البالغ 9200 جنيه (181.90 دولار).
الوجهات محدودة
لم يجد السعدني، الذي يعمل موظفاً بإحدى شركات فلاتر المياه ويقطن حي فيصل بمحافظة الجيزة، وسيلة ملائمة للاستمتاع بإجازة العيد سوى إعداد برنامج يومي لقضاء الإجازة بالقاهرة، بحيث يشمل الذهاب إلى السينما في اليوم الأول ثم ركوب أحد المراكب النيلية في اليوم الثاني ثم زيارة إحدى المناطق التاريخية مثل شارع المعز في اليوم الثالث.
وجد "السعدني" ضالته في هذا البرنامج، لا سيما أن موازنته حال تنفيذه لن تتجاوز 2000 جنيه (39.54 دولار)، ومن ثم ستوفر بقية الأموال التي كان سيدفعها حال السفر للمدينة الساحلية، وستجعل الأبناء أكثر سعادة ويستمتعون بأكثر من وسيلة ترفيهية مختلفة طوال أيام العيد.
يعود السعدني بذاكرته إلى الوراء متذكراً ذكريات الاستمتاع بأجواء السفر والمتنزهات قبيل خمسة أعوام التي كانت أسعارها في المتناول وزهيدة الكلفة مقارنة بالأرقام الفلكية في الوقت الراهن، مردفاً "كنا ننتظر يوم العيد للسفر رفقة الأسرة والأصدقاء وكانت الأسعار رخيصة آنذاك، ولكن حالياً أصبحت الظروف المعيشية صعبة والرواتب متدنية لا تتناسب مع مستويات الأسعار المرتفعة".
بدائل قليلة الكلفة
في المقابل اضطر الشاب الثلاثيني شادي محمد إلى تعديل وجهته المعتادة كل عيد عقب إغلاق حديقة الحيوان بالجيزة تمهيداً لتطويرها، ليقرر اصطحاب زوجته وأبنائه الأربعة إلى كورنيش النيل بوسط القاهرة ثم الذهاب في رحلة نيلية لمدة ساعتين مع تناول وجبة "الفسيخ والرنجة" الشعبية للاستمتاع بأجواء العيد بالقاهرة، ويعقب ذلك زيارة الأسر والأقارب لتهنئتهم ومنح العيديات للأطفال.
يقول الشاب الثلاثيني، الذي يعمل موظفاً بإحدى شركات المقاولات الخاصة ويقطن بحي إمبابة الشعبي بالجيزة "حاولت البحث عن بدائل قليلة الكلفة خلال العام الحالي بعد إغلاق الحديقة التي كانت تعتبر مقصداً دائماً لعائلتي بخاصة في ظل غلاء أسعار غالب أماكن التنزه والترفيه، مثل السينمات والملاهي والمسارح والسفر إلى مدينة ساحلية".
وعلى رغم ارتفاع كلفة "فسحة العيد" بنسبة 20 في المئة العام الحالي مقارنة بحجم الموازنة التي خصصها العام الماضي، فإن الشاب الثلاثيني اضطر إلى الرضوخ للأمر الواقع من أجل إرضاء أبنائه وعدم التخلي عن طقوسه المعتادة.
استغناء عن الرفاهيات
فيما فضلت السيدة الخمسينية، عفاف عبدالسميع، الاستغناء عن فسحة الخروج للتنزه والترفيه خلال إجازة عيد الفطر الحالي والاكتفاء بزيارة بلدة أسرة زوجها في محافظة سوهاج، لتهنئتهم بعيد الفطر ومنح العيديات للأطفال.
تقول السيدة الخمسينية، التي تعمل موظفة بإحدى الهيئات الحكومية وتقطن مدينة الصف بالجيزة، إن غالب أسعار المتنزهات والأماكن الأثرية والسياحية أصبح مبالغاً فيها، ولم تعد في متناول الأيدي مثلما كانت قبل أعوام، وكان لا بد من اتخاذ قرار بالاستغناء عن الرفاهيات من أجل تلبية الحاجات الأساس.
"غلاء الأسعار أصبح أكثر شيء يؤرقني ويعكر صفو الإجازات والمناسبات، وأصبح الخروج للتنزه والسفر إلى المدن الساحلية من الأمور الهامشية في حياتي من أجل التكيف مع الأوضاع والظروف المعيشية الصعبة الحالية، لا سيما أن دخلي الشهري أنا وزوجي لا يتخطى 12 ألف جنيه (237.26 دولار) وبالكاد يكفي حاجات المنزل الشهرية ومتطلبات الأبناء"، بحسب "عفاف".
وتضيف قائلة "في الأعوام السابقة كنا ننتظر إجازة العيد للسفر في رحلات اليوم الواحد سواء الإسكندرية أو العين السخنة أو بلطيم، ولكن حالياً لم يعد باستطاعتنا ذلك".
الترفيه بند هامشي
ويفسر المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال وائل النحاس أسباب تراجع حجم إنفاق المصريين على وسائل الترفيه والتنزه خلال عيد الفطر إلى تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلف المعيشة وتدهور قيمة العملة المحلية، مما أجبر كثيراً من المصريين على التخلي والاستغناء عن السلع والوسائل الترفيهية من أجل تلبية الحاجات والمتطلبات الأساس لتوفير النفقات وعدم الضغط على موازنة المنزل، وهو ما ظهر جلياً منذ أوائل شهر رمضان المنقضي وصولاً إلى عيد الفطر في لجوء المصريين لشراء السلع والحاجات الضرورية وتهميش الرفاهيات.
ومنذ عام 2016 تشهد سوق الصرف في مصر تغيرات كبيرة تزامنت مع إعلان الحكومة تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي بدأ بتحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار (التعويم)، وخلال الأعوام الماضية خفض الجنيه المصري خمس مرات فقد خلالها نحو 84.6 في المئة من قيمته أمام الدولار.
ويؤكد النحاس خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن وسائل التنزه والترفيه أصبحت من البنود الهامشية والرمزية في معادلة دخول المصريين، منوهاً بأن كثيراً من الأسر أصبحت تستغني عن ذلك البند من أجل التكيف مع غلاء الأسعار الذي طاول غالب السلع والخدمات، ومن أجل القدرة على استكمال باقي مصروفات الشهر في ظل دخول المصريين الضعيفة والمتدنية.
وفق النحاس فإنه أصبح هناك فجوة واضحة بين الطبقات الاجتماعية في مصر وهو مؤشر خطر، إذ أصبحت هناك طبقة قادرة على شراء السلع مهما بلغت أسعارها واستخدام وسائل الترفيه مهما كان مبالغاً في كلفتها، وطبقة أخرى كادحة لا تملك أي شيء وتقاوم بقوة هذا الغلاء الجنوني في الأسعار.
وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في تصريحات صحافية أن معدل التضخم في انحسار، وينخفض كل شهر عن الشهر الذي سبقه، موضحاً أن معدل التضخم في يناير (كانون الثاني) الماضي كان 23.2 في المئة بالمقارنة بديسمبر (كانون الأول) 2024، متوقعاً تراجع نسب التضخم بصورة كبرى خلال مارس (آذار) الجاري.
موجات عنيفة من ارتفاع الأسعار
يتفق رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء محمود العسقلاني مع الطرح السابق، مؤكداً أن الشغل الشاغل للمواطن حالياً هو توفير المأكل والمشرب لأسرته بغض النظر عن وسائل الترفيه والتنزه التي أصبحت من الأمور الفرعية له ويمكن الاستغناء عنها نهائياً.
وسجلت مؤشرات الفقر تراجعاً ملحوظاً خلال مؤشرات بحث الدخل والإنفاق في بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2019 - 2020، إذ تراجع معدل الفقر إلى 29.7 في المئة مقارنة بـ32.5 في المئة عام 2017 - 2018.
ويؤكد العسقلاني أن مصر شهدت موجات عنيفة من ارتفاعات الأسعار لا سيما خلال العامين الماضيين، مما انعكس سلباً على المواطن البسيط، الذي يحاول حالياً التأقلم والتكيف مع هذا التوحش في الأسعار بكل الوسائل الممكنة.