ملخص
شكّل مشروب الحلو مر أو (الأبري) على موائد السودانيين بمصر حضوراً لافتاً وهو عبارة عن مشروب شعبي سوداني يُشرب خلال شهر رمضان.
محمد الحاج وأمثاله من السودانيين الذين يقطنون حي الهرم بمدينة الجيزة المصرية بعد أن دفعتهم حرب السودان للنزوح، وبعد مرور أشهر على أمل العودة للوطن، بخاصة في شهر رمضان ذي الطقوس الخاصة في بلادهم، لم تمنعهم ظروف الجلوس قسراً في الغربة من ممارستها، إذ يجتمع هو ورفاقه من السودانيين في المنطقة على مائدة إفطار رمضان يومياً في الشارع، وسط مشاركة أقرانهم المصريين في مشاهد تعكس مدى الحب والاحترام والتفاهم بين أبناء البلدين.
على رغم اعتياد عدد كبير من الأسر السودانية قضاء شهر رمضان في مصر منذ سنوات طويلة لما تتمتع به من أجواء رمضانية خاصة مليئة بالبهجة والتنوع، إلا أن هذه المرة الأمر مختلف، باعتباره أول رمضان بعد الحرب الدائرة في السودان بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" منذ أبريل (نيسان) الماضي، والتي أسفرت عن نزوح قرابة المليون شخص إلى مصر.
نقاشات وأناشيد
استقبل آلاف السودانيين شهر رمضان في محافظات مصر المختلفة، وأظهروا تمسكهم الشديد بعاداتهم الرمضانية، كالتجمعات والإفطارات التي تقام في الشارع والتي تسمى "برش رمضان"، وهي عادة قديمة في السودان، حيث يتنافس الأشخاص في تقديم الطعام لجميع الموجودين في الشارع، ويتم ذلك عن طريق فرش "البرش" المصنوع من السعف.
وحالياً تم استبدال السجاد الحديث بـ "البرش"، ويتم فرشه بطريقة مستقيمة في الشوارع ودعوة جميع الأشخاص بخاصة المتأخرين عن بيوتهم وقت أذان المغرب والعمال وغيرهم للإفطار، وفي مناطق كثيرة يتم قطع الطريق أمام السيارات ودعوة أصحابها للإفطار معهم، وقد تمتد الفعاليات حتى حلول وقت السحور، حيث تقام النقاشات والأناشيد والمديح النبوي وغيرها.
محمد الحاج قال لـ "اندبندنت عربية" إنه "لم يمنعنا وجودنا في مصر من القيام بكافة الطقوس الرمضانية كالإفطار في الشارع وتقديم الأكلات منها العصيدة والقراصة والعصائر السودانية الأصيلة كالحلو مر والكركدي والتبلدي، وسط مشاركة عدد كبير من المصريين في الموائد المقامة في الشارع حيث نقوم يومياً بفرش سجادة تتسع لأكثر من 40 شخصاً في الشارع".
وأضاف الحاج "ندعو أصحاب المحلات التجارية وأبناء المنطقة لمشاركتنا وجباتنا السودانية والإفطار معنا، ووجدنا ردود أفعال إيجابية، ونحن نؤمن تماماً أن الشعب السوداني والمصري شعب واحد".
وعن الفعاليات المقامة بعد الإفطار يقول الحاج "نكتفي فقط بالإفطار في الشارع والقيام فوراً احتراماً لعادات وتقاليد البلد وعدم مضايقة المارة، لأننا يجب أن نعكس صورة إيجابية عن الشعب السوداني".
سيد المائدة
شكّل مشروب الحلو مر أو (الأبري) في موائد السودانيين بمصر حضوراً لافتاً، وهو يتميز بطعم فريد يجمع بين الطعم الحلو والمُر، وهو عبارة عن مشروب شعبي سوداني يُشرب في شهر رمضان ويصنع من الذرة النابتة و (الفتريتة) وهي نوع من الذرة عند طحنها تعطي اللون الأحمر ويتم تزريعها وطحنها ومن ثم تخميرها.
وظهر مشروب الحلو مر للمرة الأولى في عام 1833 وأصبح منذ ذلك الوقت سيد المائدة الرمضانية في السودان، ويتم شربه في كافة أنحاء البلاد، كما نال إعجاب عدد كبير من المصريين الذين تذوقوه للمرة الأولى.
من جهته، قال الأكاديمي الجامعي سمير لطفي إن "المشروبات السودانية خصوصاً الحلو مر مميز وله مذاق جديد لا نعرفه، ومن خلال موائد إفطار السودانيين في الشارع تعرفنا إلى الثقافة السودانية للمرة الأولى، بخاصة مأكولاتهم الشعبية، وشاركناهم هذه العادات وجلسنا معهم في موائدهم".
بدوره، أوضح المحامي خالد سيد "في الحقيقة لم تكن لدي سابق معرفة أو اطلاع على ثقافة الأكلات السودانية، لكن بعد أن جمعتني صداقة مع عدد من السودانيين بدأت أتناول أكلاتهم الشعبية ومشروباتهم الخاصة في رمضان لأنهم عادة ما يتجمعون في شكل إفطار جماعي".
تعزيز الترابط
الباحث الاجتماعي خليفة عبدالله قال إن "المظاهر الاجتماعية التي تحدث هذه الأيام بمناسبة قدوم رمضان تعزز الروابط بين السودانيين والمصريين وتعد فرصة جيدة للتعريف بالطقوس والأكلات والمشروبات الشعبية السودانية، بخاصة وأن أعداد النازحين الذي بلغ قرابة الـ500 ألف بإمكانه أن يخلق أثراً إيجابياً وجانباً معرفياً بكل الثقافات المختلفة لأن الشعوب هم الأقدر في تقوية وتعميق العلاقات أكثر من الحكومات".
وعن ظاهرة إفطار السودانيين في الشارع المصري يضيف عبدالله أنها "ظاهرة حميدة في حال كانت في حدود المنطق ويحترم القائمون عليها الشارع المصري ويعرفون حدودهم جيداً ويعكسون الثقافة السودانية بصورة جيدة".