ملخص
الحكومات الأفريقية تفضلهم على تجنيد سكانها لأنها لن تدفع مقابل تقاعدهم ومستحقات أخرى، وهذا أمر يرجع بصفة إيجابية على خزانة هذه الدول، لكن في المقابل ليسوا مخلصين ولا ملتزمين بقوانين الحرب الدولية وغير معنيين بحقوق الإنسان.
تثير استعانة عدد من الحكومات الأفريقية بمرتزقة يتبعون شركات أمنية خاصة تساؤلات حول دلالات ذلك، وما إذا كانت تمهد لتغيير الجيوش النظامية التي عجزت عن بسط الاستقرار في دولها، بحشود من المرتزقة الذين يتحدرون من جنسيات مختلفة.
ولجأت المجالس العسكرية في بوركينا فاسو ومالي إلى التعاقد مع شركات أمنية روسية خاصة مثل "فاغنر" و"الدب" للقيام بمهام قتالية، في وقت تعاني فيه جيوش هاتين الدولتين من حال وهن جراء أعوام من القتال ضد الجماعات المتشددة والمسلحة.
الأمر ذاته ينطبق على جمهورية أفريقيا الوسطى التي استعانت في وقت سابق بـ"فاغنر"، واتخذ قادة هذه المجموعة الروسية منها منطلقاً لأنشطتهم في القارة السمراء الغنية بثرواتها والمضطربة أمنياً.
وفي السودان الذي يعرف حرباً محتدمة منذ أعوام بين قوات "الدعم السريع" والجيش، قال النائب العام الفاتح محمد عيسى الطيفور، إن البلاد تعرف نشاطاً لنحو 200 ألف مرتزق أجنبي، وهو ما يسلط الضوء على واحدة من أشد المعضلات التي يعانيها هذا البلد، شأنه شأن معظم البلدان الأفريقية التي لم تنعم يوماً بالاستقرار.
وباتت أفريقيا التي يثير فيها الذهب واليورانيوم والنفط القوى الأجنبية، مسرحاً لنشاط مرتزقة عابرين للحدود ومتعددي الجنسيات إذ ينشط صينيون وكولومبيون وأوكران وروس وأميركيون وعرب وأتراك في هذه القارة التي تعرف صراعات لا نهاية لها.
صراع كبير
وتعد روسيا بلداً رائداً في استخدام المرتزقة وشركات الأمن الخاصة لتوسيع نفوذها في أفريقيا حيث راهنت على شركات مثل "فاغنر" و"أوريل" لمكافحة الإرهاب، لكن موسكو لا تحتكر هذا الميدان في القارة السمراء إذ حذت عدد من الدول حذوها.
لكن نشاط "فاغنر" في دول مثل ليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي والمكاسب التي حققتها هذه الشركة، بقيادة يفغيني بريغوجين سابقاً والآن تحت قيادة ديمتري سيتي، جعلت الرأي العالمي ينتبه إليها.
يقول الباحث العسكري في الشؤون الأفريقية أكرم خريف، إن "عدداً من الدول والحكومات في أفريقيا تلجأ إلى الشركات العسكرية والأمنية الخاصة التي تعد مرتزقة، وهي شركات بما فيها التي تشارك في القتال والتي تسهم في الأمور اللوجيستية للقوات الدولية وللجيوش المحلية، وجدت نفوذاً لها في القارة جراء عدم قدرة عديد من الحكومات والدول على إرساء أمنها بنفسها وتعزيز قواها".
وتابع خريف في حديث إلى "اندبندنت عربية" أنه "رغم أن المقابل الذي يقدم للمرتزقة باهظ فإن الحكومات الأفريقية تفضلهم عن تجنيد سكانها لأنها لن تدفع مقابل تقاعدهم ومستحقات أخرى، وهذا أمر يرجع بصفة إيجابية على خزانة هذه الدول الأفريقية، لكن من جهة أخرى ليسوا مخلصين ولا ملتزمين بالقوانين وقوانين الحرب الدولية وغير ملتزمين باحترام حقوق الإنسان، وهذا ما نراه اليوم في شمال مالي حيث تقوم شركة ‘فاغنر‘ باختراقات كبيرة جداً في ميدان حقوق الإنسان، إذ هناك اتهامات بقتل نشطاء حقوقيين، وغير ذلك في هذا البلد".
وشدد على أن "هناك شركات روسية تنشط في القارة منها ‘فاغنر‘ و‘بار‘ و‘أفريكا كوربيس‘ و‘ريتوت‘ وتوجد شركات من أوكرانيا تنشط في أفريقيا أيضاً أبرزها ‘أوميغا‘ وشركات فرنسية وأوروبية متخصصة في الاستطلاع والتدخل الجوي، وتوجد شركات أميركية لوجيستية وتوجد شركة تركية اسمها ‘صدد‘ باتت تنشط أساساً في دول مثل تشاد ومالي وشركة ‘جانيك‘ التركية التي تقوم بتدريب بعض القوات من الشرطة والجيش في تشاد".
ولفت خريف إلى أن "القارة الأفريقية أصبحت محل صراع كبير بين هذه الشركات التي تمثل امتداداً لقوى دولية بارزة".
حضور ملح
ولدخولها الدول الأفريقية، تجد شركات الأمن الدولية الخاصة ذرائع مختلفة، فعلى سبيل المثال اضطرت الصين إلى شرعنة تدخلاتها بحماية عمالها الذين يعملون في مشاريع استثمارية ضخمة في القارة السمراء وكانوا ضحايا اعتداءات من قبل مجموعات مسلحة في الأعوام الماضية.
وبحسب تقارير محلية فإن الصين وقعت خلال الأعوام الماضية ما لا يقل عن 40 اتفاقية مع دول أفريقية لتمكين شركات أمنها الخاصة من التدخل لحماية العمال.
وفي مارس (آذار) من عام 2023 قتل تسعة عمال صينيين في هجوم شنته حركة مسلحة على منجم للذهب في جنوب أفريقيا، علاوة على عديد من الهجمات وعمليات الخطف التي تعرض لها عمال صينيون في دول مثل ليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في الأعوام الماضية.
وعد الباحث السياسي النيجري محمد أوال، أن "لكل قوة عالمية مبررها للتدخل في أفريقيا بالفعل، فروسيا نجحت في تبرئة ذمتها من أي تدخل من خلال نشاط غير رسمي لـ’فاغنر’ لكنها الآن باتت مضطرة للخروج إلى العلن من بوابة ’أفريكا كوربيس’ التي تعمل تحت مظلة وزارة الدفاع، ومن ثم فإنه لم يعد أمام موسكو من خيار غير الاعتراف بأن لها حضوراً رسمياً في القارة السمراء".
وأوضح أوال في تصريح خاص أنه "في المقابل لا تزال الصين تناور من خلال الادعاء بأنها تدفع بشركات أمن لحماية عمالها ومشاريعها، بينما تواجه بكين اتهامات جدية بأنها ترعى من خلال ذلك أنشطة لاستخراج الذهب والصيد بصورة غير قانونية في المياه الإقليمية والأراضي في أفريقيا".
وشدد على أنه في المقابل "من المعلوم أن هناك نشاطاً أميركياً وأوروبياً مكثفاً لشركات الأمن الخاصة وحتى الجيوش النظامية في القارة السمراء خلال الأعوام الماضية، وقد تقلص هذا الحضور أخيراً بعد صعود انقلابيين مناهضين للغرب خصوصاً في دول الساحل الأفريقي".
ووقعت الصين بالفعل اتفاقات مع دول مثل إثيوبيا وجيبوتي وكينيا ونيروبي لحماية مشاريعها هناك، كما أسهمت بكين في إنشاء وبناء مدارس لتكوين الشرطة ونشرت أفراداً من شركات أمنية خاصة لحماية عمالها.
وقال أوال، إن "الصين تزعم أن وجودها ملح في أفريقيا، بينما تدعي روسيا أيضاً أنها تدفع بمرتزقة لمساعدة الأنظمة الجديدة على بسط الاستقرار وتحقيق استقلالها عن فرنسا والغرب، لكن كل هذه مجرد تبريرات لأن ما يحدث بالفعل هو صراع على النفوذ وعلى المعادن الثمينة في أفريقيا".
وتزخر أفريقيا فعلاً بثروات هائلة على غرار الليثيوم واليورانيوم والذهب وغيرها، وهو ما يجذب القوى العالمية التي دخلت في سباق مفتوح للفوز بمواقع أكبر في القارة السمراء.
ميزات خاصة
وفي أغسطس (آب) الماضي، خرج إلى العلن حضور "فاغنر" في مالي رغم أن روسيا استمرت في إنكار وجود عناصر لها على الأرض في هذا البلد لأعوام. ففي ذلك الشهر، قتل ما لا يقل عن 84 عنصراً من المجموعة العسكرية الروسية الخاصة في بلدة تينزاوتين شمال مالي في مكمن نصبه الانفصاليون الطوارق لهم وللجيش. وقد قام الانفصاليون الطوارق أيضاً بأسر العشرات من مرتزقة "فاغنر" الذين باتوا يواجهون مصيراً غامضاً إذ لم تعلن موسكو عن مساع لاستعادتهم أو غير ذلك، بحسب متابعين، فيما تستمر المعارك بين هؤلاء الانفصاليين وعناصر "فاغنر" والجيش المالي.
ونجحت "فاغنر" في مساعدة الجيش المالي على استعادة مدينة كيدال، معقل الانفصاليين الطوارق في وقت سابق، مما أعطى انطباعاً بأهمية هذه المجموعة الروسية التي قامت بجولات قتال في عدد من مناطق العالم على غرار أوكرانيا وسوريا وليبيا.
وقال أوال، إن "المجموعات العسكرية الخاصة سواء روسية أو غيرها توفر ميزات مهمة أهمها أنها تتيح لمالكيها والدول التي ترعاها إمكانية التخلص من أي تبعات دولية أو تنديدات باعتبار أنها خاصة".
وأضاف "ثانياً، هذه الشركات يتقاضى عناصرها أجوراً بمئات الدولارات يومياً لكن ليس لديهم أي امتيازات أخرى بخلاف الجيوش وقوى الأمن الحكومية، لذلك أتوقع أن يتصاعد اللجوء لشركات الأمن الخاصة في القارة السمراء".
هواجس أمنية
ولا يقتصر عمل شركات الأمن الخاصة على محاولة بسط الأمن والاستقرار فحسب، إذ تستخدمها عدد من الأنظمة لحماية نفسها ورموزها من السقوط.
فعلى سبيل المثال يقوم المئات من مرتزقة لواء "الدب" الروسي في بوركينا فاسو بمهمة حماية أفراد الحكم هناك على غرار الوزراء والنقيب إبراهيم تراوري الذي استولى على الحكم في انقلاب عسكري قبل أعوام هناك. وقد اضطرت روسيا في الأشهر الماضية إلى سحب عدد من عناصر لواء "الدب" للحاق بالجبهة في أوكرانيا حيث كانت موسكو تواجه متاعب هناك.
وجاء سحب عناصر لواء "الدب" رغم أن تراوري ورفاقه يخشون حدوث انقلابات ضد حكمهم، لا سيما في ظل تعثرهم في تحقيق وعود أطلقوها في وقت سابق على غرار استعادة الأمن والاستقرار في بوركينا فاسو.
وقال مدير مركز "الأطلس" للتنمية والبحوث الاستراتيجية والباحث في الشؤون الأفريقية عبدالصمد ولد أمبارك، إن "ظاهرة وجود الشركات الأمنية الخاصة سواء الروسية أو الصينية أو الأميركية في أفريقيا هي ظاهرة بدأت تتنامى، وهي نتيجة عدد من التحديات الأمنية التي تعرفها القارة، إذ من المعروف أن أفريقيا تعاني اختلالات بنيوية ويظل الهاجس الأمني في مقدمها، لكنه ليس مبرراً لاستخدام هكذا مرتزقة بالنظر إلى مقومات السيادة للدول الأفريقية التي يجب عليها الاعتماد على القدرات المحلية وتكوين طواقم بشرية لإحراز السيادة الوطنية التي ظلت مطلباً رسمياً وشعبياً في فترات ما بعد الاستقلال".
وبين ولد أمبارك في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أنه "بعد عقود من الاستقلال وازدهار الدول الوطنية، نجد أن شركات خاصة دولية تتولى مساعدة هذه الدول حتى تبسط أمنها ونفوذها على أراضيها. تنامي هذه الظاهرة له تداعيات مستقبلية قد لا يتنبأ بها الشارع الأفريقي حالياً رغم أنها تظل حلولاً ترقيعية وقتية لتجاوز بعض المحن والأزمات الأمنية القائمة في دول الساحل، مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو التي تعرف تنامياً لجرائم عابرة للحدود".
وشدد المتحدث ذاته على أن "الأنظمة الجديدة تبحث عن بدائل متاحة حالياً لبسط الأمن والاستقرار، وانطلاقاً من هي المخاوف تلجأ هذه الأنظمة إلى تلك الشركات الخاصة متعددة الجنسيات، وتأتي هذه الخطوة بعد إخفاقات التحالفات الإقليمية خصوصاً بعد اندثار منظومة الساحل الأفريقي على سبيل المثال".
عواقب خطرة
لكن في المقابل فإن اللجوء إلى هذه الشركات الخاصة تترتب عليه عواقب قريبة وبعيدة المدى، ففي يناير (كانون الثاني) الماضي تجددت الاتهامات لمرتزقة "فاغنر" في مالي بارتكاب انتهاكات في حق مدنيين، إذ أدى هجوم على مركبة بمنطقة "سيغو" وسط البلاد إلى مقتل نحو تسعة أشخاص بينهم نساء وأطفال، وسارعت تنسيقية الحركات الأزوادية إلى اتهام "فاغنر" والجيش المالي بارتكاب الهجوم "واغتيال هؤلاء". كما شجبت منظمة "كال أكال" بشدة الهجوم واتهمت "فاغنر" بالتورط فيه.
وفي يوليو (تموز) من عام 2023 نددت كذلك منظمة "هيومن رايتس ووتش" بما سمتها "جرائم إعدام وإخفاء وتعذيب قام بها عناصر ’فاغنر’ والجيش المالي ضد مدنيين". لكن "فاغنر" التي لها قنوات على "تيليغرام" وغيرها لم تعلق على هذه الاتهامات وغيرها.
وباتت شركات الأمن الخاصة عموماً ذات سمعة سيئة ليس في أفريقيا وحدها، إذ كثيراً ما ارتبط اسم شركة "بلاك ووتر" الأميركية بجرائم ارتكبها عناصرها في دول مثل العراق وأفغانستان، لكن اللافت أن هذه الشركات تظل بعيدة من دائرة المحاسبة مما يطرح تساؤلات جدية حول من يسائلها؟
ويرى ولد أمبارك أن "الاعتماد على هذه الشركات يكون وفقاً لعقود خاصة، ومن ثم يخرج عن إطار قوانين السيادة، مما يشكل هاجساً أمنياً خطراً مستقبلاً والعواقب الجنائية ستكون خطرة في اعتقادي لأن هذه العقود تأخذ في الاعتبار أموراً ضيقة جداً".
وأكد الباحث السياسي أن "هذه الشركات يصعب فرض تنفيذ القوانين الوطنية عليها ووقف خروقاتها، ولا شك أن مجرد التعاقد معها يطرح إشكاليات لها علاقة بالسيادة الوطنية".
وفي ظل حاجة الأنظمة المحلية في أفريقيا الملحة إلى بسط الأمن والاستقرار بأي وسيلة كانت، فإنه من غير الواضح ما إذا ستصاعد من استعانتها بحشود المرتزقة في مواجهة التحديات الوجودية التي باتت تواجهها هذه الدول.