ملخص
يتجه الجيش السوداني إلى إحكام سيطرته على العاصمة الخرطوم بعد انسحاب قوات "الدعم السريع" من مراكزها هناك، مثيرةً دهشة متابعي الحرب.
أثار انهيار قوات "الدعم السريع" المفاجئ وانسحابها الكبير من كل أنحاء العاصمة السودانية بمدنها الثلاث (الخرطوم، أم درمان والخرطوم بحري) وتفريغها تماماً من كل عناصرها بعد أسبوع واحد من تحرير الجيش القصر الجمهوري، كثيراً من الاستفهامات والأسئلة الحائرة حول طبيعة ما حدث وماذا وراء هذا الانسحاب الذي أفضى إلى إعلان الخرطوم خالية من "الدعم السريع" خلال فترة قصيرة لم تتجاوز 48 ساعة أمس وأول من أمس.
الخرطوم حرة
ولأول مرة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" قبل عامين في منتصف أبريل (نيسان) 2023، تحط طائرة على مدرج مطار الخرطوم الدولي كان على متنها الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، ثم يتوجه إلى القصر الجمهوري ليعلن من هناك أن "الخرطوم حرة".
وانطلقت مواكب الفرح والاحتفالات داخل وخارج السودان في أم درمان وعواصم الولايات المختلفة، كذلك شهدت بعض العواصم التي توجد بها جاليات كبيرة من اللاجئين مسيرات جماهيرية ابتهاجاً بتحرير العاصمة.
الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة العميد الركن نبيل عبدالله، قال إن قوات الجيش تمكنت من إحكام سيطرتها على الجهة الغربية من كوبري المنشية وتطهير منطقة الباقير جنوب الخرطوم.
اجتياح واسع
ونجحت قوات الجيش في فترة وجيزة خلال أمس الأربعاء في بسط سيطرتها على جميع الجسور بالعاصمة، ونفذت اجتياحاً واسعاً لمناطق جنوب وشرق الخرطوم واستعادة مقرات الدفاع الجوي والسلاح الكيماوي والخدمة الوطنية جنوب حي العمارات. وانتشر الجيش بشارع "الهواء" بالخرطوم، ومباني كلية الهندسة بجامعة السودان وكامل حـي النزهة، وسيطر أيضاً على الميناء البري بمنطقة الصحافة جنوب العاصمة وكل مناطق جنوب الحزام.
وأكدت مصادر ميدانية أن الجيش سيطر على مخازن تحتوي على كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة والذخائر ومسيرات الاستطلاع بمعسكر طيبة بجبل أولياء، ووضع يده على أجهزة حاسوب ووثائق ومستندات في غاية الأهمية في أحد مراكزها للقيادة والسيطرة بوسط الخرطوم تتضمن معلومات مهمة وخطرة.
ضربة قاصمة
وأشارت مصادر محلية إلى أن سيطرة الجيش وقوات "درع السودان" على جنوب الخرطوم بما فيه قاعدة النجومي العسكرية بجبل أولياء وآخر معسكرات العدو في طبية الحسناب، كانت قاصمة وسطرت النهاية لقوات "الدعم" في العاصمة، وبدأت بعدها عناصر من الميليشيا بتسليم نفسها لمتحركات الجيش أفراداً ومجموعات داخل العاصمة وخارجها، منها سرية كاملة سلمت نفسها لمقر الفرقة الخامسة مشاة بمدينة الأبيض شمال كردفان.
وانخرط أفراد "الدعم السريع" في عمليات هرب جماعي من آخر معاقلهم بالخرطوم وجنوب وغرب أم درمان، حيث شوهدت عشرات الشاحنات المحملة بالمسروقات وعربات الملاكي المنهوبة من المواطنين، فضلاً عن عشرات العربات المقاتلة والأسلحة والمدرعات الصغيرة.
في الأثناء كشفت مصادر عسكرية أن قوات "الدعم السريع" قصفت بالمدفعية فجر أمس الأربعاء أحياء داخل مدينة الفاشر عاصمة دارفور، مما تسبب بمقتل طفلة وإصابة عدد من الأفراد من الأسرة نفسها بجروح مختلفة، بينما أسقطت الدفاعات الجوية للجيش عدداً من الطائرات المسيرة استهدفت بها قوات "الدعم السريع" مواقع عسكرية بمدينتَي الدامر وعطبرة بولاية نهر النيل شمال السودان.
الإمداد والقيادة
في السياق أرجع الباحث الأمني عز الدين المجتبى انهيار قوات "الدعم السريع" في العاصمة السودانية إلى "أسباب وعوامل عدة أبرزها غياب القيادة الميدانية المباشرة وترك الأمر للقيادات الوسيطة على ضعفها، بعيداً من أي جسم حاكم يمثل غرفة عمليات وتحكم مركزية عسكرية، مما انعكس في سوء التخطيط والتكتيك، إذ ظلت تلك القوات تعتمد تكتيكاً تقليدياً واحداً من دون أي تطوير أو إستراتيجية عسكرية واضحة، مما عجّل بانهيار محور وسط الخرطوم بسرعة بعد تكثيف الضغط عليه في ظل غياب أية إمدادات".
وأشار المجتبى إلى أن "البناء الداخلي لقوات 'الدعم السريع' القائم على الأساس القبلي والجهوي فاقم من الانقسامات الداخلية في صفوفها، سواء على مستوى القيادة أو بين عناصرها، مما تسبب بانعدام التنسيق بين المجموعات المقاتلة المختلفة وأدى كذلك إلى غياب الانضباط العسكري وعدم التزام الأوامر والتوجيهات"، وتابع، "كذلك كان لنقص الدعم اللوجيستي وانقطاع الإمداد أثر كبير في تدهور قدرة تلك القوات على الصمود، لا سيما تلك التي كانت بوسط الخرطوم منذ نحو عامين، وهي تعاني نقصاً وعدم انتظام في الإمدادات على مستوى التغذية اليومية والمؤن والذخائر".
ولفت الباحث إلى أن "اتساع دائرة المقاومة الشعبية المساندة للجيش، لعب دوراً كبيراً في إضعاف قدرة 'الدعم السريع' على مواصلة معارك طويلة الأمد في ظل بيئة مجتمعية وشعبية لم تعد صديقة، إذ أدت الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها عناصر الميليشيا في حق المدنيين إلى تلاشي أي سند أو دعم شعبي لها، وراكمت عليها أيضاً الإدانات والضغوط الدولية".
إعادة تموضع
في المقابل وفي أول رد فعل من "الدعم السريع" على انسحابها من العاصمة الخرطوم قال إبراهيم مخير، مستشار قائد تلك القوات (محمد حمدان دقلو)، "ليس هناك انسحاب من الخرطوم أو غيرها على رغم استعمال الجيش الغازات السامة والأسلحة الكيماوية في المعارك الأخيرة بخاصة في القصر الجمهوري، فإننا لم نتكبد خسائر غير متوقعة، وقد اعترف الجيش نفسه بعدم وجود خسائر بين قواتنا".
ووصف مخير في حديثه إلى "اندبندنت عربية" ما حدث بأنه "إعادة تموضع لقوات 'الدعم السريع' في بعض المواقع، لكن خططها أو أساليب قتالها لم تتغير، فهي تعتمد على المناورات والضربات الخاطفة وسرعة الحركة والمرونة وتستعمل الفرص المتاحة للحفاظ على أفرادها وفي الوقت نفسه تكبيد العدو خسائر فادحة وفي وقت قصير"، وتابع، "نحن قوات حديثة ومجهزة بصورة جيدة وعالية التدريب ولذلك قوات الجيش تفرح باستعادة شارع أو مبنى أو مبنيين هنا أو هناك، لكن قوات 'الدعم السريع' تظل متفوقة عليها بالتدريب والخبرة"، مشيراً إلى أن كل ما تسعى له قوات "الدعم" هو القضاء على ما سماها "الكتائب الإرهابية العنصرية للبرهان"، و"تخليص السودان من أنياب الديكتاتورية، ويتفق معنا في ذلك كثير من المناضلين الشرفاء".
كذلك أكد مستشار قائد "الدعم السريع" أن قواتهم لا تزال منتشرة في "أكثر من 70 في المئة من أراضي السودان، فهي ما زالت موجودة في إقليم النيل الأزرق وكردفان ودارفور، وفي بعض الأجزاء من ولاية نهر النيل، في الإقليم الشمالي، وننتشر في الخرطوم وكنا ولا نزال نقاتل بمعنويات مرتفعة".
المرحلة التالية
من جانبه لا يستبعد الكاتب السياسي، بكري المدني، أن "يكون انسحاب قوات الميليشيا تحت ضربات الجيش نحو غرب السودان في دارفور وكردفان أو ما بعدهما، مرحلة من مراحل الاستعداد التالية للعودة إلى القتال في الوسط والشمال، لذلك لا بد من إكمال القضاء التام على هذه الميليشيا".
وأكد المدني "ضرورة إكمال الجيش والقوات الحليفة له مطاردة الميليشيا حتى آخر نقطة حدودية في البلاد والقضاء على آخر ميليشياوي وتحرير كامل الأراضي السودانية، لأنه من دون ذلك فإن الميليشيا قادرة على إعادة إنتاج نفسها"، وأضاف، "لا بد من الوضع في الاعتبار أن هذا الانسحاب لا يعني نهاية الميليشيا بل قد تتشدد في تكثيف هجماتها على مدينة الفاشر للخروج بأقل الخسائر بالسيطرة عليها ووضع يدهم على كامل إقليم دارفور كمرحلة أولى".
وحذر الكاتب والمحلل كذلك من أن "قوات الميليشيا المنسحبة قد تشن حملات انتقامية على كل المجتمعات والقبائل العربية وغير العربية في كردفان ودارفور بحجة أنهم أنصار الجيش حتى لو كانوا على الحياد".
انهيار فعلي
على نحو متصل أوضح المحلل السياسي يعقوب الدموكي أن "الانهيار الفعلي لقوات 'الدعم السريع' بدأ منذ تحرير الجيش مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة وكذلك في منطقة البطانة شرق الجزيرة بفرارهم تحت ضربات قوات درع السودان، وكذلك الضربات التي تعرضت لها وأسفرت عن خروجها من مصفاة الخرطوم للنفط، حيث تضعضعت بعدها قدرات عناصرها الحربية والقتالية وانهارت روحهم المعنوية تماماً، مما سهل عملية اجتياح الجيش مدينة بحري وتحريرها بسهولة".
وشدد الدموكي على أن "ما حدث في الخرطوم هو انهيار كامل لقوات 'الدعم السريع' وليس مجرد انسحاب، وما شاهدناه من تدافع للآلاف من عناصر قوات 'الدعم السريع' لعبور جسر خزان جبل أولياء، يجسد مدى شدة الانهيار الذي حدث لتلك القوات".
واستبعد وجود "صفقة ذات طابع سياسي عسكري أفضت إلى انسحاب تلك القوات من جميع أحياء ومرافق العاصمة السودانية"، مشيراً إلى أنه "لو كانت هناك صفقة لغادرت تلك القوات الخرطوم بكامل أسلحتها وعتادها وفق ما هو متعارف عليه في مثل تلك الصفقات".
وأشار الدموكي إلى أن "إعلان الخرطوم خالية من 'الدعم السريع' واحتمالات تحول مسرح الحرب في المرحلة المقبلة إلى غرب السودان قائمة ولكنها لن تستمر أكثر من شهرين، نظراً إلى اختلاف طبيعة ميدان المعارك وطبيعة حروب الصحراء المكشوفة، حيث يصبح حسم وهزيمة 'الدعم السريع' هناك أسهل بكثير من معارك المدن في الخرطوم".
ثمرة المعارك
بدورها وصفت الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (الجبهة الثورية) إعلان الفريق البرهان عن تحرير ولاية الخرطوم من داخل القصر الجمهوري، بأنه "تاريخي" وجاء بعد معارك ضارية دارت على مدى العامين الماضيين داخل الولاية وخارجها.
وقال بيان للحركة، "تمكنت قواتنا المسلحة الباسلة والقوات المساندة لها والمستنفرون من خوض المعركة بصمود وجسارة، فضربوا وطردوا ميليشيا 'الدعم السريع' المتمردة من كل مساكن الشعب ومرافق الدولة".
وأضاف البيان أن "تحرير ولاية الخرطوم الأبية يعكس صلابة الإرادة الوطنية وإصرار أبناء وبنات شعبنا الأوفياء على المضي قدماً في طريق ممتد نحو تحرير السودان من الاستعمار الاستبدادي".
ومنذ تنفيذ الجيش خطة الانفتاح الكبير في سبتمبر (أيلول) 2024 بعبوره كباري العاصمة القومية الثلاثة في اتجاه الخرطوم، وهو يتابع تقدمه على جميع محاور القتال تمكن خلالها من تحرير ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة التي شكلت منعطفاً مهماً بدأ بعده الزحف نحو الخرطوم من محاور عدة في الشمال والجنوب والغرب.