ملخص
تطوي السعودية برحيل عضو مجلس الوزراء السعودي الدكتور مطلب بن عبدالله النفيسة، صفحة رجل استثنائي من أبرز رجالاتها، ترك بصمة قانونية وإدارية راسخة تشهد عليها أنظمة الدولة وأجيال القانونيين الذين تتلمذوا على فكره أو عملوا تحت إدارته.
برحيل وزير الدولة، عضو مجلس الوزراء السعودي الدكتور مطلب بن عبدالله النفيسة، تطوي السعودية صفحة أحد أبرز رجالاتها في القانون والتشريع الذي توفي عن عمر ناهز 88 سنة بعد أكثر من ستة عقود من العمل الحكومي، أمضاها في قلب صناعة النظم وبناء منظومة التشريعات الحديثة في البلاد.
وصفه كثيرون بأنه "مهندس الأنظمة" ونعاه الديوان الملكي السعودي ضمن بيان رسمي جاء فيه أنه "من رجالات الدولة الذين خدموا دينهم ومليكهم وبلادهم بكل تفانٍ وإخلاص".
وفي استحضار لسيرته قال الكاتب السعودي أحمد العساف في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن الفقيد عمل في قطاعات حكومية مهمة، بدأها مستشاراً في ديوان رئاسة مجلس الوزراء، ثم نائباً لمدير معهد الإدارة العامة إبان تأسيسه، قبل أن يتولى رئاسة شعبة الخبراء في مجلس الوزراء التي تعرف اليوم بـ"هيئة الخبراء"، أحد مصانع القرار وصناعة السياسات في الدولة، منوهاً بأنه كان لدخوله مجلس الوزراء دور محوري، ولا سيما في لجان صياغة ثلاثة من أهم الأنظمة وهي النظام الأساس للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق.
أعوام العطاء الأخيرة
وأوضح العساف في حديثه أن "المعاملات الحكومية كانت ترسل إلى منزل الراحل عندما اشتد عليه المرض خلال الأعوام الأخيرة من عمره، وعندما أصبح غير قادر على استقبالها والتعامل معها وحين لم يعُد قادراً على العمل، ظل اسمه مكتوباً فيها وعضويته محفوظة ولم يعفَ تقديراً له وانتهت عضويته بوفاته"، مضيفاً أنه "كان عضواً في جميع تكوينات مجلس الوزراء السعودي منذ عام 1995 إلى عام 2022 ولا يشاركه في ذلك سوى زميله الوزير مساعد العيبان، وهما أكثر شخصين تكررت أسماؤهما في تكوينات المجلس".
وكتب أحمد العساف في مدونته سيرة للراحل وذكر فيها أنه "أصبح وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء منذ عام 1995، وكان من أقدم الوزراء الحاليين بالتساوي مع زميله في العضوية والتخصص والجامعة (هارفارد) وزير الدولة مساعد العيبان، عضو مجلس الشؤون السياسية والأمنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية".
الحث على التعليم
وقال العساف في سيرته إن الفقيد كان شغوفاً بالتعليم تحصيلاً وقراءةً ونشراً، إذ سارع إلى الالتحاق بمدرسة رياض الخبراء حال افتتاحها بعدما نال قسطاً من العلم في الكتاتيب، ثم أكمل تعليمه في الرياض ثم التحق بالجامعة الأميركية العريقة "هارفارد" ليحصل منها على الماجستير والدكتوراه في القانون بين عامي 1971 و1975، وحين عاد ظل قريباً من الشأن التعليمي في معهد الإدارة وجامعة الملك سعود.
وكتب العساف "مما قرأته أو سمعته عنه أن النفيسة كان يحث موظفيه بشدة على الدراسة وإتمامها مع التسهيل عليهم فيها وسعى كذلك إلى إشاعة مبدأ التعليم على رأس العمل"، مضيفاً أن كانت له جهود في أعمال تخص التعليم غير مشاركاته الأخرى في شؤون تنظيمية وحدودية، وضمن مجالس الاقتصاد والمعادن والخدمة المدنية التي ألّف عنها بعض الكتب.
وكان النفيسة حريصاً على نقل خبراته إلى طلابه، إذ يقال إنه كان يوصيهم دائماً بعبارة تلخص نهجه الأكاديمي "لتكن إجاباتكم جامعة مانعة، جامعة للمعنى المطلوب ومانعة لأي ثغرة قد تحرف المعنى"، وهي وصية تعكس فهماً عميقاً لفلسفة التعليم وروحاً قانونية لا تفصل بين وضوح النص ودقة المقصد، مما أكده عضو مجلس الشورى السابق عبدالعزيز النعيم ضمن مذكراته "حكايتي بعد التسعين" أن النفيسة كان وراء تشجيعه على تعلم اللغة الإنجليزية، بعدما حفّزه بعبارات مؤثرة كان لها أثر بالغ في مسيرته.
القانوني الأول في السعودية
ولم يكُن الدكتور مطلب النفيسة مجرد مسؤول حكومي، بل ينظر إليه على أنه أحد مؤسسي المدرسة القانونية السعودية وأول من وضع لبنات الممارسة المهنية في الاستشارات القانونية بمفهومها المؤسسي، ويروي الوزير السعودي الراحل غازي القصيبي في كتابه "حياة في الإدارة" جانباً من هذه المرحلة، عندما تولى إدارة مكتب النفيسة للاستشارات القانونية أثناء غيابه في الولايات المتحدة لاستكمال دراسته.
ويروي القصيبي "كان الصديق مطلب النفيسة فتح مكتباً للاستشارات القانونية وطلب مني أن أتولى شؤون المكتب خلال غيابه… لا بد من أن أقول إن مطلب لم يكُن يستهدف الربح عندما فتح المكتب، بل كان يعتبر الاستشارات القانونية هوية شخصية يقضي معها وقتاً طيباً، ويتعرف من خلالها إلى مزيد من الأصدقاء"، مضيفاً "ورثت عن مطلب النظرة نفسها أحسبني بالغت فيها بعض الشيء، لا يجوز تقاضي شيء من هذا العميل لأنه صديق ولا من هذا العميل لأنه موظف صغير ولا من هذا العميل لأنه يستحق النصرة المجانية".
وفي لقاء تلفزيوني عبر برنامج "في الصورة" مع الإعلامي عبدالله المديفر، وصف رئيس هيئة الخبراء الحالي الدكتور محمد العجاجي، الدكتور مطلب النفيسة بأنه "الرجل القانوني الأول في المملكة والمرجع الأول في القانون الدستوري"، مؤكداً أنه لم يسمع أحداً يخالفه هذا الرأي، وأضاف أن النفيسة كان صاحب الأثر الأكبر في تأسيس العمل القانوني داخل هيئة الخبراء، ولا سيما في بناء شخصية المستشار القانوني وترسيخ مكونات وأصول الاستشارة القانونية في الهيئة.
فقيه القانون
ونعى الراحل عدد من المسؤولين والمثقفين عبر منصة "إكس"، مستذكرين مواقفه الرفيعة وسيرته المهنية، وقال الكاتب والأكاديمي السعودي هاشم عبده هاشم "رحيل وزير الدولة عضو مجلس الشورى الدكتور مطلب النفيسة الليلة أوجع قلوب كل من عرفه فهو رجل دولة رفيع المستوى وصاحب خبرة واسعة وعريضة وعلى درجة عالية من الخلق وعفة النفس عليه رحمة الله ورضوانه وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان لتحمل مصاب فراقه الأليم".
وكتب وزير الحج والعمرة السعودي توفيق الربيعة "كان أبو خالد مثالاً يحتذى به في التفاني والإخلاص ومرجعاً في البذل والعطاء لخدمة الدين والوطن، أسأل الله في هذه الأيام المباركة أن يكرم نزله ويثبته عند السؤال ويرزقه الفردوس الأعلى من الجنة".
ووصف الكاتب السعودي عبدالله الوابلي الفقيد في منشور بـ"فقية القانون"، مستذكراً إسهاماته في العمل الحكومي وكتب "رحم الله أستاذي الكبير معالي الدكتور مطلب النفيسة، فقيه القانون الذي خدم قيادته ووطنه بكل تفانٍ وإخلاص، فجزاه الله عما قدمه خير الجزاء، وأن يستضيفه في الفردوس الأعلى".
مسيرة عقود
ولد النفيسة عام 1937 داخل بلدة رياض الخبراء في منطقة القصيم، وعرفه أبناء بلدته رجلاً هادئاً رزيناً، ويتمتع بسمات نبيلة ورثها عن أسرته التي عرفت بين أهالي القصيم بالتدين، وبرز مبكراً كأحد العقول القانونية في البلاد، وحصل على درجة بكالوريوس القانون في جامعة القاهرة عام 1962، ثم واصل تحصيله العلمي في جامعة "هارفارد" الأميركية ونال درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون بين عامي 1971 و1975.
وبدأ حياته المهنية مستشاراً قانونياً في مجلس الوزراء، ثم تولى منصب نائب المدير العام لمعهد الإدارة العامة، قبل أن يعيّن رئيساً لشعبة الخبراء التي تحولت لاحقاً إلى هيئة الخبراء ليقود خلالها جهود إعداد الأنظمة والتشريعات ومراجعتها.
وخلال عام 1995 عيّن وزيراً للدولة وعضواً في مجلس الوزراء، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وفاته. وشغل عضوية وأمانة المجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن بين عامي 1999 و2015، وشارك في عدد من اللجان العليا التي تولت صياغة النظام الأساس للحكم ونظام المناطق ومجلسَي الوزراء والشورى.
وجددت الثقة الملكية به عام 2022 بتعيينه وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء تأكيداً لمكانته العميقة في بنية الدولة، ورافق النفيسة في حياته كبار صناع القرار، وبينهم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال جلسات مجلس الوزراء ودوائر صناعة السياسات.
وبرحيله تطوي السعودية صفحة رجل استثنائي من أبرز رجالاتها، ترك بصمة قانونية وإدارية راسخة تشهد عليها أنظمة الدولة وأجيال القانونيين الذين تتلمذوا على فكره أو عملوا تحت إدارته.