ملخص
تعرضت مواقع التراث الثقافي السودانية على رأسها المستودع الأثري الرئيس داخل متحف السودان القومي والأكبر والأهم بالعاصمة الخرطوم ومتاحف القصر الجمهوري وبيت الخليفة والتاريخ الطبيعي ومتحف الإثنوغرافيا ودار الوثائق القومية لعمليات تدمير ونهب وتهريب.
تداول السودانيون على وسائل التواصل الاجتماعي بكثير من الحسرة والغضب والاستياء الأنباء عن ظهور مقتنيات وقطع أثرية مهمة تمثل تراث وتاريخ وحضارة وهوية البلاد معروضة للبيع عبر الإنترنت، فضلاً عن التعدي والتخريب والأضرار الكبيرة التي طاولت قطاع المتاحف بخاصة في أم درمان والخرطوم، إضافة إلى عمليات النهب والتهريب الواسعة لمحتويات المتاحف.
وتعرضت مواقع التراث الثقافي السودانية على رأسها المستودع الأثري الرئيس داخل متحف السودان القومي والأكبر والأهم بالعاصمة الخرطوم ومتاحف القصر الجمهوري وبيت الخليفة والتاريخ الطبيعي ومتحف الإثنوغرافيا ودار الوثائق القومية لعمليات تدمير ونهب وتهريب.
سرقة التاريخ
عقب تحرير العاصمة الخرطوم من قبضة قوات "الدعم السريع" كشفت زيارات مديري المتاحف عن عمليات تدمير وتخريب ونهب وتهريب للمحتويات والمقتنيات النادرة.
وتعرض متحف القصر الجمهوري لتخريب وسرقة وثائق تاريخية توثق مقاومة السودانيين للاستعمار ومقاومة الدولة المهدية للحكم التركي، وكذلك وثائق كل ما يتصل بصور رؤساء السودان على مختلف الحقب وسيرتهم الذاتية بدءاً من الراحل إسماعيل الأزهري أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال وحتى مجلس السيادة الحالي، كما نُهب أثاث وأدوات استخدمت في فترة الحكم الثنائي والهدايا الرئاسية من أماكن مختلفة داخل وخارج السودان.
وتعرضت مقتنيات اللواء في الجيش البريطاني والإداري البارز في الحقبة الاستعمارية تشارلز جورج غردون الثمينة للنهب بالكامل، في حين خُربت ودُمرت ست سيارات يزيد عمرها على 88 عاماً (سيارات التشريفة الرئاسية)، التي استخدمها حكام السودان منذ عصور الاستعمار، وصولاً إلى رؤساء الحكم الوطني الذي تولى خلاله السودانيون السلطة في بلادهم بعد الاستقلال.
استهداف تراث السودان
إلى ذلك اتهمت وزارة الخارجية السودانية في بيان صحافي، أمس الثلاثاء، قوات "الدعم السريع" بتنفيذ تدمير متعمد للمتحف القومي السوداني "ونهب مقتنياته التي تلخص حضارة 7 آلاف عام، مع استهداف جميع المتاحف الموجودة في العاصمة الكبرى، وهي متاحف بيت الخليفة والإثنوغرافيا والقصر الجمهوري، وكذلك متحفا القوات المسلحة والتاريخ الطبيعي في جامعة الخرطوم، إلى جانب متحف السلطان علي دينار بالفاشر".
وتابع البيان "في الوقت نفسه استهدفت الميليشيات دار الوثائق القومية وعدداً كبيراً من المكتبات العامة والخاصة والجامعات والمعامل والمساجد والكنائس ذات القيمة التاريخية في العاصمة وود مدني، مما يوضح أن المخطط كان يستهدف محو الهوية الثقافية الوطنية".
الخارجية السودانية ذكرت أن ما جرى عبارة عن عمل ممنهج استهدف التاريخ والتراث القومي للبلاد، موضحة أن المحفوظات الأثرية في المتحف القومي تعرضت للنهب والتهريب عبر اثنتين من دول الجوار، وعدت في بيانها أن تلك الاعتداءات تشكل جرائم حرب بموجب المادة الثامنة من "نظام روما" الأساسي و"اتفاقية لاهاي" 1954 لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات، و"اتفاقية يونيسكو" لعام 1970 بخصوص حظر الاتجار بالممتلكات الثقافية، كما تماثل سلوك الجماعات الإرهابية في استهداف الآثار والتراث الثقافي للمجتمعات.
وأكدت أن حكومة السودان ستواصل جهودها مع الـ"يونيسكو" والـ"إنتربول" وكل المنظمات المعنية بحماية المتاحف والآثار والممتلكات الثقافية، لاستعادة ما نهب من محتويات المتحف القومي وبقية المتاحف ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وطالبت المجتمع الدولي بإدانة ذلك السلوك الإرهابي من الميليشيات ومن يقفون وراءها.
مقتنيات للبيع
في السياق أشار المتخصص في مجال الآثار والمتاحف عوض شعيب إلى أن "عمليات سرقة محتويات المتحف القومي بدأت منذ أغسطس (آب) 2023 إثر اقتحام قوات ’الدعم السريع‘ المتحف والاستيلاء عليه واستمرار بقائها في هذه المنطقة".
وأوضح أن "بعض القطع الأثرية التي عرضت للبيع عبر الإنترنت لا تنتمي فقط إلى الشعب السوداني، بل هي جزء من التراث الإنساني العريق، وتلزم القوانين الدولية الجميع بحمايتها والمحافظة عليها".
وعبر شعيب، عن بالغ أسفه للسرقة التي تعرض لها أهم وأكبر متاحف السودان الذي يضم مستودعاً لجميع آثار البلاد بكل محتوياتها التاريخية الثمينة وأهميتها البالغة التي لا تقدر بثمن.
وحدة متخصصة
على الصعيد نفسه، كشف المدير السابق للهيئة العامة للآثار والمتاحف السودانية عبدالرحمن علي، أن الجهات المتخصصة شرعت في إجراءات حصر ومتابعة الآثار الوطنية التي خرجت من البلاد بصورة غير شرعية سواء عبر السرقة أو التهريب، منذ الفترات الاستعمارية وما بعدها.
وأوضح علي أن الأجهزة المتخصصة بدأت في متابعة القطع الأثرية المحمية بالاتفاقات الدولية الخاصة بعدم تهريب الآثار من أوطانها الأصلية وعلى رأسها اتفاقية "يونيسكو" لعام 1970، إلى جانب القوانين الوطنية الحامية للآثار، بالتنسيق مع المتاحف العالمية الكبرى لتأمين الملكية الفكرية للآثار السودانية.
ودعا المدير السابق لهيئة الآثار إلى ضرورة تشكيل آلية تنسيقية وطنية تضم المؤسسات ذات الصلة إلى جانب متخصصين في القانون الدولي والآثار من الداخل والخارج، لإعداد خريطة طريق لاسترجاع الآثار السودانية، فضلاً عن إنشاء وحدة متخصصة للاسترداد بالتعاون مع البوليس الدولي (الإنتربول).
أضرار محدودة
في غضون ذلك، تعرض مبنى دار الوثائق القومية السودانية إلى أضرار محدودة في بوابتها الجنوبية الخارجية ومبنى التدريب المجاور لها، كما تضرر أيضاً جزء آخر من المبنى منفصل عن مستودع الوثائق الرئيس، وأدت الاهتزازات العنيفة إلى تهشم زجاج الطوابق العليا للمستودع.
وفي هذا الصدد، يقول المخرج التلفزيوني الطيب صديق "زرت مقر دار الوثائق القومية ووقفت على حجم الأضرار، حيث تأثرت المكاتب الإدارية فقط بالتدمير والحريق، أما مبني مستودعات الوثائق فقد تعرض لأضرار خارجية".
وأضاف، "الوثائق الورقية بحال جيده لكنها مبعثره، وقد شكل وجود المبني الإداري في الواجهة حماية للجانب المهم من الدار، رغم أن كل ما بداخله تحول لرماد".
وناشد صديق مسؤولي دار الوثائق والمتاحف ضرورة التنسيق مع القوات النظامية لضمان حماية المقتنيات التاريخية التي نجت من الحرب حتى لا تضيع بالإهمال والتباطؤ.