Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

إقليم عفر الإثيوبي والعفريين والطبيعة المتلونة ؜

منخفض عفار جزء من وادي الصدع العظيم وأدنى نقطة في إثيوبيا ويمثل أدنى معدلات الانخفاض في أفريقيا

تضم المنطقة العفرية مواقع الحفريات التي دأب علماء غربيون على استكشافها، وتشمل منطقة الأواش الوسطى ومواقع هادار ودييكا وورانسو ميل (مواقع التواصل)

ملخص

يمثل اختلاط الجمال بالطبيعة المتغيرة بإقليم عفر جذباً للعلماء والدارسين والأفراد العاديين، إذ لفتت الزلازل الاهتمام إلى المنطقة العفرية من جديد بكونها ذات خصائص فريدة في جمعها بين الغرائب الطبيعية والبعد السياحي.

شهدت منطقة "أواش فنتالي" بإقليم عفر نشاطاً بركانياً متزايداً خلال الأشهر الماضية، وأثار انطلاق غاز الميثان في المنطقة في الـ20 من يناير (كانون الثاني) 2025 مخاوف جديدة من نشاط بركاني محتمل، وسلسلة زلازل في الأخدود الأفريقي الواقع شرق إثيوبيا. وتشتهر منطقة عفر وما ارتبط بها من تغيرات طبيعية بأنها أهم المناطق السياحية في إثيوبيا، إذ يختلط الجمال بالطبيعة المتغيرة التي تمثل جذباً للعلماء والدارسين، فضلاً عن حب استطلاع الأفراد العاديين، فما أبعاد أسرار الإقليم العفري وطبيعته المتلونة؟

يمثل إقليم عفر واحداً من الأقاليم الإثيوبية الـ11، وتمثل القومية العفرية إحدى القوميات الـ83 التي تشكل مجموع سكان إثيوبيا الـ120 مليون، وأهمها قوميات الأرومو وأمهر والقومية الصومالية والتيغراي وعفر وهررجي وبني شنقول وقوميات جنوب إثيوبيا، وتدرج القومية العفرية كخامس قومية من حيث الكثافة السكانية، تستوطن الإقليم الواقع شرق إثيوبيا، والمعروف كذلك باسم عفار. ويقع إقليم عفار في الشمال الشرقي لإثيوبيا ممتداً على مساحة نحو 27 ألف كيلومتر مربع، متاخماً لدولتي إريتريا وجيبوتي. يتشكل مثلث العفار من "إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا"، وتقدر بعض الإحصاءات غير الرسمية تعداد "العفريين " بنحو 6 ملايين نسمة أو ما يزيد، إذ يشكلون نحو 50 في المئة من إجمالي تعداد جيبوتي، ونحو 10 في المئة من سكان إريتريا، ونحو أربعة في المئة من سكان إثيوبيا. وأصل العفر قبيلة من القبائل العربية القديمة، كان موطنها في جنوب الجزيرة العربية مما يلي حضرموت وعدن، نزحت وفق روايات تاريخية ما بعد عام 540 ق.م من جنوب الجزيرة العربية إلى أفريقيا الشرقية وإثيوبيا، ويطلق عليها بعضهم اسم "الدناكل"، ومرة اسم "العفار". وتمثل إثيوبيا النسبة الغالبة والبيئة الحضارية للقومية العفرية بما تحتفظ به من عادات وتقاليد موغلة في القدم، من أهمها "سلطنة أوسا" التي لا يزال يتوارث سلاطينها حكم الإقليم العفري من عائلة "آل مرح"، وتدين لهذه السلطنة كل المنطقة. ويلقى السلطان العفري في إثيوبيا الولاء والاحترام من كل الجماعات في المثلث العفري. وأشهر سلاطين هذه الأسرة المعاصرين السلطان علي مرح حنفري، سلطان سلطنة أوسا (الراحل في أبريل / نيسان 2011)، الذي كان يعد الأب الروحي للعفر في عموم المثلث العفري، وكذلك سلطان سلطنة أواسا السلطان حنفري علي مرح والسلطان يايو محمد وغيرهم من سلاطين أوسا.

منخفض عفار

تعرف المنطقة جغرافياً بمنخفض عفار، وهو جزء من وادي الصدع العظيم، وأدنى نقطة في إثيوبيا، يمثل المنخفض أدنى معدلات الانخفاض في أفريقيا، بانخفاض قدره (155 متراً) تحت مستوى سطح البحر، ويقع في شمال المنطقة، يتكون الجزء الجنوبي منه من وادي نهر أواش، الذي يصب في سلسلة من البحيرات على طول الحدود بين إثيوبيا ودولة جيبوتي. تتداخل في تلك المنطقة حدود إثيوبيا مع جيبوتي وإريتريا، شاملة ما يعرف بالمثلث العفري. وتشتهر المنطقة بالمسطحات المائية كنهر أواش، وهو نهر موسمي ينتهي بسلسلة من البحيرات والمياه المالحة. يسمى الجزء الشمالي من منخفض عفار أيضاً باسم منخفض داناكيل، وتتأثر الأراضي المنخفضة بالحرارة والجفاف، والحد الأدنى من دوران الهواء، وتمثل المنطقة أكثر الأماكن حرارة على مدار العام، مقارنة بأي مكان على الكرة الأرضية.
وتضم المنطقة مواقع حفريات دأب علماء غربيون على استكشافها وتشمل منطقة الأواش الوسطى ومواقع هادار ودييكا وورانسو ميل، وأفضت الاستكشافات في بعض مواقع الحفريات إلى هياكل وأعضاء لأقدم أشباه البشر، إلى جانب متعلقات من الأدوات البشرية، إضافة إلى عدد من النباتات والحيوانات المتحجرة. شهدت المنطقة انفجاراً كبير في الـ25 من سبتمبر (أيلول) 2005، أدى إلى نفوق 250 رأساً من الماشية وأجبر آلاف السكان على الفرار إلى مناطق أخرى متباعدة. وأدى تدفق الحمم البركانية في أغسطس (آب) 2007 إلى إجلاء مئات، وأفادت تقارير من علماء في جامعة أديس أبابا بانفجار آخر وقع في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2008.


مهد الإنسان الأول

وفق علماء جيولوجيون كان آخر فيضان كبير شهده وادي الصدع العظيم منذ ما يقرب من 30 ألف سنة، أما في منظور المستقبل فيتوقع الجيولوجيون تقطع البحر الأحمر واختراق مياهه المرتفعات المحيطة بمنخفض عفار وإغراق الوادي، وأنه في غضون 10 ملايين عام ستغمر المياه ما يقدر بـ6 آلاف كيلومتر من صدع شرق أفريقيا بالكامل، لتشكيل حوض محيط جديد بحجم البحر الأحمر الحالي، مما يؤدي إلى فصل الصفيحة الصومالية والقرن الأفريقي عن بقية القارة الأفريقية.
يعتبر مثلث عفار إلى جانب الطبيعة المتلونة في البراكين، والحمم والتغيرات الجيولوجية المستمرة، مهد الإنسان الأول، وفق استكشافات العلماء والدارسين لأصول الإنسان، إذ اكتشف العلماء مناطق أثرية قديمة تضم منطقة الأواش الوسطى التي تحكي مواقعها عن حياة ما قبل التاريخ، وحفريات أشباه البشر المكتشفين في مواقع عدة، كموقع هادار وموقع لوسي، والعينة المتحجرة من "أسترالوبيثكس أفارينسيس"، وموقع الطفل المتحجر سلام، أحد أشباه البشر الأسترالوبيثيسين، و"لوسي" هو الاسم الشائع لهيكل عظمي يعود لأنثى من نوع "أوسترالوبيثيكوس أفارينيسيس"، عاشت وماتت قبل 3.2 مليون سنة، عثر عليه من مستكشفين فرنسيين في عام 1974 في إقليم عفار الإثيوبي، وتعد "لوسي" حالياً أبرز مقتنيات المتحف الوطني الإثيوبي إلى جانب الأدوات الحجرية الأقدم في العالم.

اقرأ المزيد

مستجدات

طرأ الاهتمام مجدداً بمنطقة عفر خلال الأشهر القليلة الماضية، بسبب ما شهدته إثيوبيا من هزات أرضية ضربت عدداً من المناطق حول منطقة أواش بالإقليم العفري امتد أثرها إلى العاصمة أديس أبابا. وكان معهد الجيوفيزياء وعلوم الفضاء بجامعة أديس أبابا أعلن في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أن زلزالاً بلغت قوته 4.6 درجة على مقياس ريختر ضرب منطقة أواش فنتالي الجبلية في إقليم عفر شرق إثيوبيا. وأوضح رئيس المعهد الدكتور أتالاي أييلي، في حديثه لمنصة "فانا ديجيتال"، أن المنطقة شهدت سلسلة زلازل متفاوتة القوة منذ الـ19 من ديسمبر الماضي. وأوضح أن الزلزال الأخير أدى إلى تصدعات وانهيارات في جبل "أواش فنتالي". وتقع منطقة "أواش فنتالي" على بضع مئات من كيلومترات من العاصمة أديس أبابا، وتعد جزءاً من الصدع الأفريقي العظيم، وهو أحد أكبر التصدعات الجيولوجية في القارة، ويشتهر بالنشاط التكتوني والبركاني، إضافة إلى وجود الينابيع الحارة. وكان آخر زلازال بإقليم العفري بشرق إثيوبيا وقع الجمعة الـ24 من يناير (كانون الثاني) 2025 في شمال منطقة أواش. وبحسب مركز رصد الزلازل المختص بمراقبة تحركات الأرض والزلازل، وقع الزلزال على مسافة 38 كيلومتراً شمال منطقة أواش بإقليم العفر بقوة 4.7 درجة على مقياس ريختر، وشعر به غالب المواطنين في المناطق القريبة من منطقة أواش شرق إثيوبيا. وعملت الحكومة الإثيوبية في مواجهة التغيرات الطبيعية والزلازل بالمنطقة العفرية باتخاذ عدد من الإجراءات والاحتياطات لسلامة مواطنيها. ومنذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي حدثت هزات أرضية بشرق إثيوبيا أكثر قوة بلغ عددها بحسب التقديرات الرسمية ما يزيد على 15 هزة، إلى جانب هزات خفيفة فاق عددها 100.
وبحسب الدكتور إلياس لوي، مدير مركز الزلازل وعلوم الفضاء بجامعة أديس أبابا، شهدت المنطقة نشاطاً زلزالياً متكرراً خلال الفترة الماضية، وعزا هذه الأحداث إلى تحركات داخل تكوينات الصخور البازلتية، مما يشير إلى أن مثل هذه العمليات التكتونية من المرجح أن تستمر خلال الفترة المقبلة، وهي تكوينات طبيعية لا علاقة لها بسد النهضة الذي تبعد بحيرته عن الإقليم العفري آلاف الكيلومترات. وكان وزير الري والموارد المائية السابق في السودان عثمان التوم قال إن "التهديد من تأثير الزلازل في سد النهضة أمر مبالغ فيه"، مشيراً إلى أن "الفالق الأفريقي الذي يمر شرق إثيوبيا على بعد 500 كيلومتر من أديس أبابا لا يشكل أي تهديد لسد النهضة".


أبعاد سياحية

على رغم مستجدات الطبيعة البركانية وما تبعها من نشاط زلزالي، يحتفظ الإقليم العفري بأهميته العلمية والسياحية، ويشار في ذلك إلى أماكن سياحية نادرة تجمع بين البعدين العلمي والتاريخي، ومناطق طبيعية لهواة الاستكشاف الجيولوجي، فعلى بعد كيلومترات من بركان "عرت علي" أو "مملكة الجن" -كما تعرف المنطقة محلياً - تمتد صحراء الملح، والجبل الملحي الأحمر، وهي صحراء تنتج كل أنواع الملح المستخدم في إثيوبيا، مع ثرائها بالماء والأنهار والبحيرات الغازية، ووفق تقارير مكتب الثقافة والسياحة بالإقليم العفري أن السياحة الجيولوجية تمثل انتعاشاً مستمراً في جذب السياح، وخصوصاً الأجانب من كل أنحاء العالم، وخلال الأشهر الماضية، زار المنطقة ما يقدر بنحو 100 ألف سائح أجنبي ومحلي. وكانت أكثر الوجهات زيارة "بركان دالول المخروطي الرمادي"، وجبل الدخان أو "عرت علي"، وبحيرة أفريرا، والينابيع الكبريتية. وتقع هذه الأماكن في شمال شرقي الإقليم، وعلى بعد 500 كيلومتر من العاصمة أديس أبابا.
يقول الباحث الاجتماعي عباس محمد كوركي "إنه على رغم ما تشهده منطقة عفر من ظروف طبيعية من خلال ظاهرة الزلازل في منطقة أواش فنتالي إلا أن الزلازل لفتت الاهتمام إلى المنطقة العفرية من جديد في كونها ذات خصائص فريدة في جمعها بين الغرائب الطبيعية والبعد السياحي، وما يحدث فيها من ثورات بركانية إلى جانب كونها مرقد الإنسان الأول، وفق ما أجمع عليه العلماء بعد الاكتشافات الأخيرة في المنطقة". ويضيف "ويأتي تميز المنطقة في طبيعة أهلها وعاداتهم الجامعة بين العادات العربية الإسلامية والإرث الأفريقي سواء في الملابس أو الزينة التي تتزين بها نساء الإقليم، وعادة تطويل الشعر والاهتمام به لدى الرجال يعتبر مظهراً عفرياً لا تجده لدى القبائل والقوميات الإثيوبية الأخرى. كما للنساء مظاهر زينة تشكلها الحجول المعلقة على الرقاب، والغوايش والسلاسل، والملابس الطويلة ذات الألوان المتعددة".
ويشير عباس إلى أن "الإقليم العفري إضافة إلى بعده السياحي العلمي والتاريخي يتميز بالأراضي الزراعية الخصبة وبثروات المعادن كالنحاس وغيره، إلا أن ما تشكله السياحة من جذب يفوق عدداً من الأقاليم الإثيوبية الأخرى سواء في بركان إرتا أليه، ومنتزه أواش الوطني، ومنتزه يانغودي راسا الوطني، ومناطق هدار وأراميس، وهي مناطق الجذب السياحي في عفر، وهناك مناطق أخرى مثل الينابيع الساخنة والألعاب الثقافية".

المزيد من تقارير