Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

مفهوم "مناطق النفوذ" ينبعث من جديد

هل تكون محادثات أوكرانيا "مؤتمر يالطا جديد" يرسم خريطة العالم؟

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الأمن القومي مايك والتز في جدة، السعودية، مارس 2025، يتحدثان حول مفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا (رويترز)

ملخص

تشهد الساحة الدولية عودة قوية لمفهوم "مناطق النفوذ"، إذ تسعى القوى الكبرى، مثل روسيا والصين والولايات المتحدة، إلى فرض سيطرتها الجغرافية والاقتصادية، مما يعيد العالم لديناميكيات الحرب الباردة ويهدد النظام القائم على القواعد، في ظل احتمالات تصاعد الصراعات أو إعادة تشكيل تحالفات جديدة.

لم يكن اجتياح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا عام 2022 مجرد نزاع إقليمي، إذ إن ضمه غير المشروع للقرم عام 2014 كان دليلاً على فكرة الاختبار الروسي الأوسع للنظام العالمي القائم، المعروف بـ"النظام المستند إلى قواعد"، وذاك اختبار سعى إلى إظهار مدى استعداد الغرب للمضي في الدفاع عن هذا النظام. وجاءت الحرب التي تلت مجبرة أوروبا على التفكير بمسألة اعتمادها على الولايات المتحدة، كما دفعت القادة الأميركيين إلى إعادة تقييم مسألة القبول بالتزامات خارج بلادهم. وأسهمت الحرب أيضاً في إيلاء الصين دوراً جديداً كداعم لروسيا، ووضعت دولاً واقعة على بعد آلاف الأميال أمام أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبلها. أسئلة من نوع: كيف يمكن لها موازنة شراكاتها مع الدول الكبرى المتنازعة؟ ما المواقف والخطوات المادية والمعنوية المتخذة اليوم التي ستبدو، بعد مرور عقود من الزمن، حكيمة وصائبة؟

في العقدين التاليين للحرب الباردة بدا عدد من هذه الأسئلة أقل مركزية، إذ أدى انهيار الاتحاد السوفياتي إلى تقليص مخاوف الغرب من حرب عالمية جديدة – المخاوف التي كانت جعلت القادة الغربيين يتسامحون إزاء مجالات النفوذ السوفياتية في وسط أوروبا وشرقها. وأمل عدد من القادة السياسيين والمحللين في أن تؤدي تعددية الأطراف والجهود الجديدة المبذولة لتحقيق أمن مشترك، إلى التقليل من أهمية التنافس الجيوسياسي التي تسفر عن طرف فائز وخاسر [صفرية المحصلة]، ثم طي صفحته نهائياً، لكن وبعد أن أثرت الأزمة المالية العالمية 2008/2009 في الاقتصادات الغربية، قام بوتين بتعزيز قوته في روسيا، كما توسع نفوذ الصين العالمي بسرعة فائقة، وراحت الجغرافيا السياسية تستعيد ديناميكيات أزمنة سابقة، ديناميكيات تستند إلى مقاربات القوة الصارمة. واليوم تعاود الدول الأكبر، مرة أخرى، استخدام عوامل تفوقها من نواحي القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي والدبلوماسي لتأمين مجالات نفوذ خاصة بها – أي مناطق جغرافية تمارس فيها دولة من الدول سيطرة اقتصادية وعسكرية وسياسية، من دون أن يكون لتلك الدولة بالضرورة سيادة رسمية في هذه المناطق.

المشهد الجيوسياسي الراهن اليوم، وعلى رغم عدم ظهور بعد ملامح حرب عالمية جديدة في الأفق، يشبه على نحو خاص فترة نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما سعى كل من الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين إلى تقسيم أوروبا إلى مجالات (أو مناطق) نفوذ. وفي هذا السياق تسعى القوى الرئيسة من جهتها اليوم إلى التفاوض كي تتوصل، فيما بينها بالدرجة الأولى، إلى نظام عالمي جديد. وهذا يحاكي إلى حد كبير ما فعله قادة الحلفاء عندما أعادوا ترسيم خريطة العالم (السياسية) في مفاوضات يالطا عام 1945. على أن مفاوضات مماثلة لا يلزمها أن تعقد في مؤتمر رسمي. إذ لو توصل كل من بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني جي جينبينغ إلى توافق غير رسمي يعلي شأن سلطتهم (ومصالحهم) على حساب الاختلافات العقائدية، فهم سيسترجعون في السياق أصداء من مؤتمر يالطا، عبر تحديد سيادة جيرانهم الأقربين ومستقبلهم.

وعلى عكس ما كان عليه الحال في يالطا، إذ تفاوضت ديموقراطيتان مع نظام استبدادي، لم يعد نوع النظام على ما يبدو عائقاً أمام الشعور بتشارك المصالح. إنها القوة الصارمة وحدها في الميدان – وهي عودة لمبدأ "الأقوياء يفعلون ما يقدرون عليه والضعفاء يكابدون ما عليهم مكابدته". وفي عالم كهذا ستتعرض المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، مثل حلف "ناتو" والاتحاد الأوروبي، إلى التهميش، وستكون مظاهر الاستقلالية والحكم الذاتي في الدول الصغيرة، أمام خطر محدق.

ليس من قبيل الصدفة أنه على مدار العقدين الماضيين، كانت الدول التي تقود عودة سياسات القوة - الصين وروسيا والولايات المتحدة - جميعها تحت قيادة شخصيات تتبنى سردية "جعل بلادنا عظيمة مرة أخرى". يميل هؤلاء القادة إلى عقد مقارنات يغلب عليها الشعور بالاستياء بين ما يرونه وضعاً حالياً مقيداً لبلدانهم - وهو وضع يعتقدون أنه فرض عليهم من خصوم أجانب ومحليين - وبين ماض متخيل كان أكثر حرية ومجداً. يولد هذا الإحساس بالإذلال قناعة بأن خلاص بلادهم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال استخدام القوة الصارمة، فالسيطرة على مناطق النفوذ وتوسيعها يبدو وكأنه وسيلة لاستعادة مجد آخذ في التلاشي. بالنسبة إلى الصين، فإن تايوان وحدها لن تكون كافية. وبالنسبة إلى روسيا، فإن أوكرانيا لن تكون أبداً كافية لتحقيق رؤية بوتين حول المكانة التي تستحقها روسيا في العالم. أما الولايات المتحدة، فربما تبدأ بالنظر نحو ضم كندا.

لكن هناك مساراً آخر لا يزال ممكناً، يتمثل في تكيف الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بدلاً من انهيارهما. في هذا السيناريو، يمكن أن يواصلا لعب دور كقوى موازنة للجهود الأميركية والروسية والصينية الرامية إلى استخدام القوة لتحقيق مصالح وطنية ضيقة، مما يهدد السلام والأمن والازدهار العالمي في هذه العملية. غير أن تلك القوى الموازنة المحتملة سيتعين عليها النضال من أجل هذا البديل، واستغلال العقبات التي يفرضها عالم أكثر عولمة على رغبة القوى الكبرى في تقسيمه إلى مناطق نفوذ.

حلقات مفرغة

ظهر مصطلح "مناطق النفوذ" للمرة الأولى في مؤتمر برلين 1884-1885، الذي قامت خلاله الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية بوضع قواعد لاقتسام أفريقيا، بيد أن هذا المفهوم كان شكل استراتيجية دولية قبل ذلك بوقت طويل. فخلال حروب نابليون 1803-1815، حاولت فرنسا توسعة نفوذها عبر غزو البلدان والمناطق المجاورة وتنصيب أنظمة تابعة لها، وذلك إلى أن جابهت تحالفين بقيادة المملكة المتحدة والنمسا. ودخلت الإمبراطوريتان البريطانية والروسية في صراعات مديدة بغية الهيمنة على آسيا الوسطى، خصوصاً أفغانستان. وجاء مبدأ مونرو، الذي تبنته الولايات المتحدة عام 1823، مؤكداً أنه لن يسمح للقوى الأوروبية بالتدخل في نصف الكرة الغربي، مما أدى عملياً إلى تأسيس أميركا اللاتينية كمجال نفوذ للولايات المتحدة.

ومن الجدير ذكره هنا أن عقيدة مونرو، جزئياً، مستوحاة من جهود الإمبراطور الروسي ألكسندر الأول في مواجهة النفوذ البريطاني والأميركي في شمال غربي المحيط الهادئ، والمتمثلة بتوسعة المستعمرات وتشديد السيطرة على التجارة. بيد أن روسيا، وعبر اتفاق عام 1824، وافقت على الحد من توسعها جنوباً والاعتراف بالهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي. إذ أدرك ألكسندر الأول آنذاك أن تشجيع مزيد من الاستعمار الأوروبي في الأميركتين قد ينذر بمزيد من الحرب وعدم الاستقرار.

واستمرت رغبة القوى العظمى في إقامة مجالات النفوذ على مدى أواخر القرن الـ19 ومطلع القرن الـ20، مما رسم تحالفات جديدة وأدى في نهاية المطاف إلى إشعال الحرب العالمية الأولى. لكن، وفي سياق الجهد الذي بذله خلال الحرب لنزع الشرعية عن كل من الإمبراطورية النمسوية - الهنغارية والإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية العثمانية، رأى الرئيس الأميركي ودرو ويلسون أن الاستعمار أشبه "بجزمة" قمعية على "عنق" حرية تقرير المصير عند الأمم. وعانى حلفاء الولايات المتحدة – خصوصاً فرنسا والمملكة المتحدة – من أضرار جانبية في هذا السياق، وجهدوا للحفاظ على مستعمراتهم بمواجهة موجة المشاعر القومية الصاعدة. ونظراً إلى العلاقة الوثيقة بين فكرتي "مجالات النفوذ" والاستعمار، بات ينظر إلى هاتين الفكرتين مع نهاية الحرب العالمية الثانية على أنهما مفهومان رجعيان، ومحفزان محتملان للنزاعات.

بعد الحرب الباردة بدا مفهوم "مناطق النفوذ" فكرة نافلة وفاقدة للأهمية

لقد شكل مؤتمر يالطا عودة حاسمة للسياسات القائمة على مناطق النفوذ، لكن ذلك فقط لأن الديموقراطيات المشاركة في المؤتمر تسامحت مع السياسات المذكورة، كونها شراً لا بد منه وقد لا تدوم كثيراً، وهي تشكل الوسائل المتاحة الأمثل آنذاك لمنع وقوع حرب عالمية كارثية أخرى. وكانت كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة أنهكتا جراء الحرب. ومع حلول أغسطس (آب) 1945، لم يكن هناك أي سياسي ديموقراطي قادر على إبداء معارضة منطقية لقرار التسريح [عناصر الجيش]. ستالين من جهته لم يعان هذه المشكلة، ومع تعذر ردعه آنذاك، فإن الطريقة الأخرى الوحيدة التي بقيت متاحة لثني ستالين عن إصدار أوامر التقدم غرباً للجيش الأحمر، تمثلت بالإصغاء لمطالبه.

في القرن الـ19 كانت سياسات القوة تستند إلى القوتين العسكرية والاقتصادية، وفي النصف الثاني من القرن الـ20 غدت القدرة على تشكيل سرديات عالمية عبر القوة الناعمة أمراً شبه حيوي. ومارست الولايات المتحدة نفوذها في هذا الإطار من خلال هيمنتها على الثقافة الشعبية وتقديم المساعدات الخارجية والتعليم العالي والاستثمارات في مبادرات عابرة للبحار، مثل مبادرات الـ"بيس كوربس" (فيلق السلام Peace Corps) وجهود إرساء الديموقراطية. أما الاتحاد السوفياتي من جهته فراح ينشط في الترويج للإيديولوجية الشيوعية عبر جهود دعائية وحملات توعية أيديولوجية واسعة حاولت تشكيل الرأي العام في بلدان نائية. حتى أن موسكو ابتكرت ضرباً جديداً من ضروب مهاجمة الدول الديموقراطية، وذلك تحت عنوان عريض عرف بـ"التدابير النشطة". وهذه الأخيرة شكلت خطة طويلة الأمد تولى تطبيقها جهاز الاستخبارات السوفياتي (كي جي بي)، وعمد خلالها إلى تنفيذ حملات التضليل والتلاعب السياسي التي كانت تهدف إلى التأثير في الرأي العام في الدول الديمقراطية، وزرع الانقسامات، وإضعاف الثقة في الحكومات والمؤسسات.

لكن بعد عام 1991، فيما انحسرت المعارك الأيديولوجية لصالح مظاهر تحرير الأسواق وإرساء الديموقراطية والعولمة، بدا وكأن مفهوم "مجالات النفوذ" يفقد أهميته. إذ مع غياب الانقسام الأيديولوجي الصارخ الذي كان سائداً خلال الحرب الباردة، رأى عدد من المفكرين السياسيين أن السياسة العالمية ستنحو نحو الاعتماد الاقتصادي المتبادل، مما سيظهر عملياً فوائد العمل المشترك ضمن فرق متعددة لحل المشكلات المعقدة. وجاء الانتشار العالمي لمعايير الديموقراطية والاندماج السريع لدول الكتلة السوفياتية والشرقية السابقة في المؤسسات الدولية ليعزز الاعتقاد القائل إن بإمكان السلطة – ومن واجبها – أن تتوزع في أطر جماعية، وبذلك فإن خطوط الصدع الجيوسياسية في الحرب الباردة بدت كأنها اختفت. وعد "القانون التأسيسي لحلف ناتو وروسيا" عام 1997، الاتفاق المحوري الهادف إلى تحديد علاقة الناتو بروسيا بعد الحرب الباردة، مثالاً على تلك التطورات. وألزم هذا القانون (أو الاتفاقية) صراحة الموقعين عليه بتجنب إنشاء مجالات النفوذ، وبحمل "ناتو" وروسيا على السعي إلى خلق "مساحة مشتركة للأمن والاستقرار في أوروبا، من دون خطوط تقسيمية أو "مجالات نفوذ" تحد من سيادة أية دولة".               

عودة عسيرة

على أن سياسات القوة في الحقيقة بدأت بالظهور من جديد قبل فترة سبقت غزو روسيا لأوكرانيا، إذ إن تدخل "ناتو" بقيادة الولايات المتحدة في كوسوفو عام 1999 (الذي أثار غضب بوتين على نحو خاص)، وغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 (من دون الإنصات لاعتراضات حلفاء الولايات المتحدة المقربين)، هما حدثان أشارا إلى أن قادة الحقبة الجديدة المفترضة القائمة على فكرة الأمن الجماعي، ما زالوا يعتقدون أنه حين لا تحقق دولة قوية مبتغاها، يغدو التصعيد العسكري مقبولاً. وفي الآونة الأخيرة دخلت الولايات المتحدة والصين في صراع بهدف الهيمنة التكنولوجية والاقتصادية العالمية، وفرضت واشنطن في هذا السياق عقوبات على عمالقة التكنولوجيا الصينيين، فيما تقوم بكين في المقابل بتكثيف الاستثمار في سلاسل التوريد البديلة و"مبادرة الحزام والطريق" الضخمة. كما عملت الصين على عسكرة بحر الصين الجنوبي، وتابعت مطالباتها الواسعة بمجالات متنازع عليها قانونياً في المنطقة، وفي الأثناء قامت الولايات وحلفاؤها بتشديد العقوبات المالية لتقييد الخصوم والضغط عليهم.

أما روسيا من جهتها فواصلت الابتكار ببراعة من موقع ضعفها المادي، فهي اعتمدت وعلى نحو فعال أسلوب الحرب الهجينة لإضعاف الغرب، وذاك تضمن الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل، الهادفة مثلاً إلى التأثير في استفتاء "بريكست" عام 2016 وفي الانتخابات الرئاسية الأميركية بالعام نفسه. ويتضح في هذا الإطار عبر عدد من خطابات بوتين في الآونة الأخيرة أنه في الحقيقة لم يتخل يوماً عن مقاربة ومفهوم الجغرافيا السياسية المستندة إلى مجالات النفوذ، وهو جهد على الدوام لفهم سبب استمرار وجود "ناتو"، ناهيك بسبب توسعه، إذ لو كان هدف هذا الحلف الدفاع عن الغرب بمواجهة السوفيات، فإن توسع الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أسهم عملياً في تحويل مجمل أوروبا – خصوصاً الدول التي كانت ضمن "حلف وارسو" – إلى مجالات نفوذ أميركية. وذاك بالنسبة إلى بوتين مثلاً حاصل غير مقبول، بدءاً من هجومها على جورجيا عام 2008، قامت روسيا بالاعتماد على الحرب الهجينة واستخدام قوات مسلحة بالوكالة – وتلك أفعال تصاعدت مع الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم في عام 2014، ثم بلغت ذروتها مع الغزو الشامل لأوكرانيا.

في هذا الإطار فإن حرب أوكرانيا – وشروط التسوية الآخذة في التبلور الآن على ما يبدو – تمثل عودة أكثر وضوحاً لأسلوب القرن الـ19 في تطبيق الجغرافيا السياسية التي تملي فيها القوى العظمى الشروط على الدول الأضعف. إذ طالبت روسيا، ومعها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أوكرانيا بقبول خسارة الأراضي والبقاء خارج التحالفات العسكرية الغربية، النتيجة التي من شأنها أن تجعل أوكرانيا دولة تابعة تدور في فلك روسيا. ولو نجحت هذه الضغوط فإن النتيجة النهائية ستتمثل بتطبيع استخدام القوة العسكرية لتعزيز المصالح القومية أو الأخطر، لمكافأة استخدام تلك القوة. التغير هذا حاسم وجديد، إذ على رغم محاولات قوى كبرى طوال العقود الماضية استخدام القوة للمضي في طريق تحقيق مصالحها، إلا أن محاولاتها كانت تؤدي إلى نتائج عكسية وفشلت في إثبات فعالية القوة كأداة لتعزيز المصالح القومية. فتدخلات الجيش الأميركي في أفغانستان والعراق وليبيا كلها مثلت إخفاقات مكلفة، كما فشلت جهود روسيا العسكرية لصالح الدكتاتور السوري بشار الأسد، وتعثر توغلها العسكري في أوكرانيا. أما الآن فيأتي التحول الأعظم في السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، ليمنحها النصر.

يترسخ نمط قديم من سياسات القوة بسرعة بطرق أخرى أيضاً، إذ إن إنشاء مناطق النفوذ يتضمن وجود قوة مهيمنة تقلص سيادة الدول المجاورة منها جغرافياً، مثلما يسعى ترمب إلى تحقيقه تجاه كندا وغرينلاند والمكسيك، وكما تسعى الصين إلى القيام به تجاه تايوان، كما يعتمد النظام السياسي القائم على مناطق النفوذ على اتفاقات ضمنية بين القوى العظمى الأخرى لعدم التدخل في مجالات النفوذ المتبادلة.

دائرة مفتوحة

قياساً على قوتها الاقتصادية والعسكرية فإن روسيا لم تعد قوة عظمى، بيد أن الطريقة التي يخلط فيها بين روسيا اليوم وبين الاتحاد السوفياتي (السابق) غالباً ما تمنحها قوة متخيلة تتجاوز إمكاناتها الواقعية، إلا أنها في نهاية المطاف تبقى قوة نووية كبيرة. ويمكن لسيناريو تتفق فيه الولايات المتحدة مع الصين وروسيا على فكرة مصلحية حيوية مشتركة تجنب وقوع حرب نووية وتؤمن الاعتراف المتبادل بمجالات نفوذ كل منها، أن يمثل في السياق آلية لردع التصعيد. المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا قد تشبه مؤتمر يالطا جديد تلعب فيه الصين دوراً مشابهاً للدور الذي لعبته المملكة المتحدة عام 1945. فبريطانيا – التي أضعفتها الحرب العالمية الثانية لكنها ظلت تعد قوة عظمى بفضل إرثها الإمبراطوري – قامت خلال مؤتمر يالطا بالموازنة والتوفيق بين المصالح الأميركية والسوفياتية، وذلك بموازاة تأمين المصالح الجيوسياسية الخاصة بها.

لكن مسألة التقسيم الدقيق لمجالات النفوذ اليوم غدت مشروعاً أكثر تعقيداً مما كانت عليه في يالطا، إذ إن مسألتي تحديد – واحترام – مناطق النفوذ المتماسكة جغرافياً في عالم أقل عولمة يعتمد على ثروات المعادن والنفط كانتا أسهل بكثير، فالموارد الحيوية التي تحتاج إليها القوى الكبرى تنتشر راهناً في مناطق متفرقة من العالم. وتعد تايوان في هذا الإطار نقطة مضيئة خاصة، لأن الرقائق التي تنتجها ضرورية للنمو والأمن القومي في الدول، ولا يسع الولايات المتحدة السماح للصين بالهيمنة على مصادر تلك الرقائق. كما لا تود الولايات المتحدة أن تسمح لروسيا بالوصول وحدها إلى المعادن الأرضية النادرة في أوكرانيا، من هنا فقد أصبحت القوة البحرية لكل دولة مسألة أكثر أهمية: إذ بات أكثر احتمالاً من أي وقت مضى تخيل اليابان وتايوان ضمن مجال النفوذ الأميركي، على رغم مجاورتهما للصين. ولهذا السبب تسعى الصين إلى أن تصبح قوة بحرية، وتعمل بلا كلل لتعطيل النفوذ البحري الأميركي.

وحتى لو خطى ترمب وبوتين في مسار علاقة أكثر تعاوناً مع شي، فإن الأمر قد يترك الدول الأوروبية لتدبير أمرها بنفسها، وفي هذا الإطار قد تضطر دول مثل ألمانيا وفرنسا إلى تطوير استراتيجيات أمنية مستقلة. ومن المرجح أن تضغط دول أوروبية شرقية، خصوصاً بولندا ودول البلطيق، لعقد اتفاقات دفاعية أكبر قد تكون شريكاتها الدول الأوروبية الأخرى غير قادرة أو راغبة في تأمينها. وهذا الحاصل سيقوض أيضاً الأهمية الاستراتيجية لحلفاء الولايات المتحدة في آسيا، مما سيجبرهم على السعي إلى ترتيبات دفاعية بديلة – أو حتى إلى السعي إلى نزع السلاح النووي. وقد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى التحول لدولة فيدرالية ذات سيادة تشبه إلى حد كبير الولايات المتحدة الأوروبية. إذ إن كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا تبقى قوى وسطى مقتدرة، ولدى فرنسا وبريطانيا قوة ردع نووية خاصة بهما، لكن بوسعهما معاً – وربما فقط معاً – أن يجعلا أوروبا الموحدة أقل وجلاً تجاه الصين وروسيا والولايات المتحدة، وذلك من الناحيتين العسكرية والاقتصادية.

النظام الدولي القائم على القواعد قد يستمر في إثبات ذاته

إنما لو انحازت الولايات المتحدة وروسيا ضد الصين، فإن اليابان وكوريا الجنوبية على وجه الخصوص قد تجدان أن عليهما محاولة الموازنة بين واشنطن وبكين، وزيادة الاعتماد العسكري على الذات، وبذل جهود رامية إلى تنويع اتفاقاتهما الأمنية والاقتصادية. وقد تقوم اليابان بتسريع بناء قواتها العسكرية وتسعى إلى علاقات أوثق مع شركاء إقليميين مثل أستراليا والهند، بينما تحاول كوريا الجنوبية تحسين موقعها عبر تعميق علاقاتها مع الصين.

وإن تحالفت روسيا على نحو أوثق مع الصين – وبقيت أوروبا متحالفة بقوة مع الولايات المتحدة الأميركية – فإن الأمر من شأنه تعزيز نظام الكتلتين على غرار ما كان سائداً إبان الحرب الباردة. أما إن اتبعت روسيا (الحذرة من إعطاء انطباع بأنها خاضعة للصين) والدول الأوروبية مساراً أكثر استقلالية، فإن الأمر قد يسهم في قيام عالم أكثر تعددية قطبية، إذ يعمل كل من الجانب الأوروبي والروسي كقوى متأرجحة ويستفيدان من نفوذهما بين الصين والولايات المتحدة. في هذه الحالة ستبدو الجغرافية السياسية الدولية مزيجاً بين المقاربة المناوراتية للقوى العظمى في القرن الـ19، وبين الكتل الاستراتيجية في القرن الـ21، وستواجه أستراليا في السياق خيارات صعبة من ناحية تحالفاتها الاقتصادية والأمنية. فهي قد تعزز تعاونها الدفاعي مع الولايات المتحدة، وتعمق شراكاتها مع الهند واليابان، وتزيد من نفقاتها العسكرية بغية تعزيز قوتها الردعية. لكن إن كان على الصين تأمين مجال نفوذ لها مرغوب في آسيا، فإن أستراليا قد تسعى إلى أن تكون قوة استقرار إقليمية، مطبقة مقداراً أكبر من الاعتماد على الذات بدل البقاء شريكاً صغيراً ضمن كتلة تقودها الولايات المتحدة.

ونادراً ما تتمتع مناطق النفوذ بالثبات، بل هي باستمرار عرضة للتنازع. وتشير عودة ظهور مناطق النفوذ اليوم إلى أن طبيعة النظام العالمي تخضع للاختبار، وقد يؤدي التحول هذا إلى عودة سياسات القوة من عصور سابقة. لكن يبقى ثمة بديل: إذ بعد أن يمر النظام الدولي ببضع دورات من الأزمات المزعزعة للاستقرار، قد يعيد تأكيد نفسه ويعود لنظام قائم على القواعد والتعاون متعدد الأطراف والعولمة الاقتصادية والترتيبات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة أو التي تقاد بصيغ جماعية تثبط الطموحات التوسعية.

إلا أن الولايات المتحدة في الوقت الراهن لم تعد تلعب دور مثبت استقرار موثوق به، إذ بعد أن كانت واشنطن حتى وقت قريب تعد الرقيب الأول على الأنظمة الإقليمية التوسعية، تبدو الآن مشجعة لتلك الأنظمة، أو حتى مقلدة لها. أما إن كان هذا التحول سيعود في النهاية لتوازن قوى يمكن التنبؤ به، أو إنه سيفتتح فترة مديدة من حالة عدم الاستقرار والحرب، فيعتمد على مدى حجم التنازع على مناطق النفوذ، وعلى مقدار رغبة دول مثل الصين والهند وإيران وروسيا والولايات المتحدة في المضي قدماً لتأمين مناطق نفوذها.

 

مونيكا دافي توفت عميدة أكاديمية، وأستاذة علاقات دولية، ومديرة "مركز الدراسات الاستراتيجية" في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافت.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 13 مارس (آذار) 2025

المزيد من آراء