Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

"قاهرة اليوم الضائع" رواية الهروب من واقع مأزوم

إبراهيم عبد المجيد يستعيد الماضي في صراعه مع اللحظة الراهنة

القاهرة الأخرى بريشة محمد عبلة (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

لم يكتف الكاتب المهموم بقضايا مجتمعه حتى النخاع، في التعبير عن رفضه للواقع، بالعودة إلى الماضي عبر تقنيات التذكر والاسترجاع، وإنما سمح لهذا الماضي بالعبور إلى الحاضر، على متن الفانتازيا

حين تزداد قتامة الواقع، ويتزامن تقدم العمر مع تعاقب الخسارات والخيبات، ويتضاءل الأمل في النجاة من الاختناق والغرق، وتتلاشى الثقة في اللحظة الراهنة، ويحل محلها التوجس والشك؛ يصبح خيال الكاتب ملاذه، وتغدو النوستالجيا طريقه الآمن للهروب. لعل هذا ما يفسر الحضور الكثيف للحنين، في العديد من روايات الكاتب المصري إبراهيم عبد المجيد، لا سيما روايته الأحدث "قاهرة اليوم الضائع" (منشورات المتوسط).

لم يكتف الكاتب المهموم بقضايا مجتمعه حتى النخاع، في التعبير عن رفضه للواقع، بالعودة إلى الماضي عبر تقنيات التذكر والاسترجاع، وإنما سمح لهذا الماضي بالعبور إلى الحاضر، على متن الفانتازيا، فعاد الأموات من قبورهم، في رحلة سردية استغرقت يوماً واحداً، كانت شرارة انطلاقها؛ دعوة من قبل مصريين مهاجرين للتظاهر، في 11 نوفمبر(تشرين الثاني) 2022، غير أن عدم تلبية الجماهير للدعوة، وعزوفهم عن النزول إلى الشوارع، باستثناء عناصر الشرطة، سمح للكاتب/ الراوي بامتطاء خياله، والخروج افتراضياً من منزل لم يغادره، منذ مدة طويلة، إلى شوارع وسط القاهرة، يغازل الفراغ في مدينة لم تعرف إلا الزحام، ويتأمل جمال معمارها، ويستعيد معه تاريخاً؛ عزَّز حضوره صراعاً ضارياً، مع اللحظة الراهنة.

ما بعد الحداثة

منذ الوهلة الأولى للسرد، برزت تقنية الميتا سرد، كواحدة من تجليات ما بعد الحداثة؛ عبر الحضور الحقيقي للكاتب داخل الأحداث، وكذلك حضور عملية الكتابة الروائية، في المتن الحكائي "رواية عن رواية"، ووعيها بذاتها: "حين خرجتُ من البيت قررتُ أن أكون واضحاً ليراني البوليس ويصنعون قصة معي. إذا كنتُ غير مرئي لن تكون هناك قصة ولا رواية. ظهرت أنت لي فصارت رواية حقيقية. إخفاؤك أحياناً يزيدها إثارة، لكن إذا اختفينا معاً ستنتهي الرواية بسرعة" ص 65.

وعبر استخدامه هذه التقنية، عزَّز الكاتب من التداخل بين الواقعي والمتخيل، لا سيما أنه أغفل اسم البطل "الكاتب"، ليحيل إليه ذاته، لا إلى شخصية تحمل بعض ملامحه ورؤاه، كما في نصوص أخرى.

 السخرية اللاذعة، كانت أيضاً واحدة من تجليات ما بعد الحداثة في النص، فقد وظَّفها الكاتب في مقارعة واقع مجنون، لا يعول على العقل في مجابهته. وبدت في مواضع عديدة من السرد، لا سيما في قرار الراوي؛ الاستجابة للفتاة "كوثر" التي رافقته في رحلته في الشوارع الخاوية، وإخفائها تلبية لرغبتها، لتقبّل أفراد الشرطة، بينما لا يرونها هم، فتثير جنونهم. ومرَّر عبد المجيد عبر ثيمة السخرية - في مواضع أخرى من نسيجه الروائي- رؤى ضمنية، دانت حالة عامة من الاستكانة والرضوخ، وواقعاً يئن تحت وطأة العبث واللا جدوى: "ارتاح الكوبري من السيارات وارتاح أيضاً من العشاق... لا بد أنه كان يشعر بالغيرة. فهو وحده لا يقطعه كوبري آخر يمكن أن يحتضنه رغم كثرة الكباري التي تقام في البلاد" ص 12.

خصوصية المكان

يتجاوز المكان في النص دوره كوعاء، أو فضاء للأحداث؛ إلى كونه دافعاً وصانعاً لها، فقد كان تأمل المعمار في شوارع وسط البلد، ومحيطها، وشوارع مصر الجديدة (ضاحية في شرق القاهرة)، غاية رئيسة، دفعت بالراوي للشروع في رحلته، ومكَّنت الكاتب في الوقت نفسه، من استعادة حقب تاريخية مفصلية، كانت تلك الأماكن جزءاً منها، وانعكاساً لها. وقد استفاد من رمزيتها، لا سيما منطقة وسط البلد، وما تحيل إليه من دلالات ثقافية، وحضارية، وثورية، فلم تكن هذه المنطقة حاضنة لنهضة معمارية، جعلتها قطعة من أوروبا وحسب، وإنما كانت بؤرة ثقافية وفنية، بما احتوته من سينمات، ومسارح، ومقاهي، لعبت دوراً مهماً في الحراك الثقافي والسياسي، في تاريخ مصر الحديث، وكانت حاضنة لثورة 25 يناير  (كانون الثاني) 2011، كأهم ثورة شعبية في تاريخ مصر. هذه الخصوصية التي امتاز بها الفضاء المكاني للأحداث، سمحت للكاتب باستدعاء حمولات معرفية، حول الطرز المعمارية لمباني وسط البلد، وعماراتها الشهيرة، والمهندسين الإيطاليين، والفرنسيين، واليونانيين، الذين تولوا عملية إنشائها، وكلفة عملية الإنشاء، وأهم رموز الفن والمجتمع، الذين قطنوها، مثل ليلى مراد، نجيب الريحاني، محمد عبد الوهاب وغيرهم.

ولم يمنع انبهار الكاتب/ الراوي بالقاهرة الخديوية، من تذكر الثمن الذي دفعه المصريون من ضرائب باهظة، وظروف معيشية قاسية، ترتَّبت على الاستدانة من الخارج، وقد أدت أيضاً إلى المزيد من التدخل الأجنبي، ليحيل عبر ذلك - ضمناً- إلى أخطاء الماضي، التي يُعاد إنتاجها، عبر دورات التاريخ. وفي المقابل مرَّر رؤى تربط بين المعمار والفن، وتعتبر أن رقي أحدهما، يقود بالضرورة إلى رقي الآخر. وفسَّر عبر منطقه؛ ما طرأ من تراجع في الذوق العام: "تغيَّرت الدنيا وامتلأت بالعشوائيات. يا كوثر الأغاني القديمة هي بنت المباني الحلوة التي نشاهدها اليوم. بينما الأغاني التي تحبونها بنت العشوائيات" ص51.   

الفانتازيا والأسطورة

استعان الكاتب بالفانتازيا طوال خط السرد، وجمع من خلالها بين الحاضر والماضي في المشاهد ذاتها، مما مكَّنه من عقد مقارنات، أذْكت حالة الحنين، وأبرزت القبح الذي آل إليه الواقع. وأتاح له تجاورهما؛ الاشتباك مع قضايا ثقافية وسياسية، وتمرير العديد من الرؤى الضمنية. فكان نفق الخيال الذي عبره الموتى من قبورهم، حاملين حقباً انقضت، إلى شوارع وسط البلد؛ وسيلة طرَح الكاتب من خلالها قضايا شائكة، مثل انخفاض وتدهور قيمة الجنيه المصري، التاريخ الممتد للتلصص والمراقبة وإحصاء الأنفاس، النفاق الديني واستخدام المظهر: "اللحية والجلباب"؛ لخداع الناس، انهيار صناعات مهمة مثل صناعة الغزل والنسيج، وتماثل منهج كل من الرئيس عبد الناصر، والوالي محمد علي باشا، في سعيهما لاحتكار السلطة، عبر القضاء على المعارضين. وأحال ظهور الملك فاروق بين الشخصيات الثانوية، إلى حنين الراوي لحقبة؛ تحققت خلالها مساحة من حرية وتعددية انقضت مع انتهاء حكمه.

وقاد استدعاء الملك الراحل؛ إلى توجيه إدانة للتطرف الديني الذي حاربه محمد علي، وللسادات الذي أغرق المجتمع المصري به، فنالت من سماته وهويته. وأحال ما نسجه الكاتب من شخوص خيالية، من البُكْم والصُم والعِميان إلى دلالات رمزية، تشي بسلبية الجماهير، وانعدام تأثيرها. ولم تغلف الفانتازيا الأحداث والشخوص وحسب، وإنما كانت جوهر الفكرة الرئيسة، التي نهض عليها النص، وهي تجول الراوي في شوارع القاهرة، بينما هو جالس في منزله لم يبرحه، لتشي هذه الرحلة بتناصٍ مع الموروث الديني، ومع الراسخ من الإيمان بإمكان إسراء الروح، إلى أمكنة، من دون أن يرافقها الجسد. كذلك استدعى عبد المجيد بعض الموروث الشعبي، والاعتقاد في "الندَّاهة"، والعفاريت، كما استدعى الأسطورة اليونانية حول النداهات السيرينيات. وصنع أسطورته الخاصة، حول رجل عملاق، جاء من برزخ يحوي كثيرين غيره، ممن لم يصلوا إلى رحم أمهاتهم، فلم تُقدر لهم حياة عادية. وأسهم حضور الأسطورة، في تعزيز السمة الغرائبية للنص، كما وظَّفها الكاتب، في دفع وتحريك الأحداث.

الفن والخلاص

سعى الراوي في ظاهر رحلته الغرائبية، إلى الاستمتاع بالفضاء، بينما كانت الرحلة في حقيقتها؛ محاولة للتطهر والخلاص، من قُبْح واقع بات شديد الوطأة على نفسه. واتسق مع هذه الغاية، الحضور الكثيف للفن داخل النص، باعتباره أحد أدوات التطهر. وعزَّزت الفانتازيا من قوته وأثره، لاسيما مع ظهور بعض المطربين القدامى، وعودتهم من الموت، مثل عبد الوهاب، ومحمد فوزي، وأسمهان وغيرهم. ووشى حضورهم بعمق الحنين لماض، تشكَّل فيه وجدان الراوي. واستثمر الكاتب هذا الحضور، وألهب عبره الحواس، فكسا الأحداث بالمشهدية المفعمة بالحركة والرقص. وأشاع في ثنايا نسيجه؛ أجواءً كرنفالية صاخبة، انسكبت منها الموسيقى، والألحان، والأصوات الشجية: "وقفت شارداً ببصري إلى الأمام، فتهادت الموسيقى وصوت أقدام الخيل، ثم ظهرت العربة الحنطور مرة أخرى وعليها محمد فوزي يحتضن فاتن حمامة... انطلق صوت محمد فوزي: طير بينا يا قلبي ولا تقليش السكة منين/ دا حبيبي معايا ما تسألنيش رايحين على فين" ص 82.

ولم يكن الفن السبيل الوحيد، الذي سلكه الراوي لبلوغ خلاصه، وإنما صنع من خياله "كوثر" لتكون رفيقة رحلته، ورافداُ من روافد بهجتها، وسبيلاً للتخفف من عبء واقع قاتم وثقيل. واختار لها اسماً من أسماء الجنة، ليكون وجودها الأرضي، معادلاً للحياة الحلوة، ودلالة تحيل إلى استمرار انحياز الكاتب للمرأة، الذي لم يحد عنه، في مجمل مشروعه السردي. وبينما نجح جمال الشوارع والمعمار، وكذا الموسيقى، والمرأة؛ في منح الراوي هدْنة من الألم، لم تنل القاهرة، سوى يوم ضائع، والمزيد من الفرص الضائعة.

المزيد من ثقافة