ملخص
لم تنشأ الجنسية اللبنانية قانوناً إلا بتاريخ وضع معاهدة لوزان الموقعة في الـ24 من يوليو 1923 التي وضعت موضع التنفيذ في الـ30 من أغسطس 1924، إذ خسر سكان لبنان الكبير تابعيتهم العثمانية وأصبحوا من التابعية اللبنانية.
بعد مرور مئة عام على نشأة "الجنسية اللبنانية"، يستمر الجدل حول الفئات المستحقة لهذه الوثيقة والمعيار الواجب تطبيقه الذي يختصره السؤال "هل يجب إعطاء الأولوية لرابطة الدم، أم لمعيار الأرض والإقليم؟"، وما يتفرع عن ذلك من إشكاليات إن كان لناحية واجب المساواة بين الرجل والمرأة، وإنصاف الأم اللبنانية بمنح الجنسية لأبنائها، أو لناحية وجود فئة كبيرة من "مكتومي القيد".
من هذا المنطلق، جاءت مبادرة لاقتراح قانون جديد للجنسية اللبنانية، تنتظر تلقفها بإيجابية من قبل الكتل النيابية المختلفة، مع قلق دائم من الدخول في دوامة العمل التشريعي والمساومات السياسية.
ماهية الجنسية
تعتبر الجنسية الرابطة القانونية بين المواطن الفرد والدولة، وتعتمد الدول معايير مختلفة لمنح جنسيتها، فبعض الدول تأخذ بـ"رابطة الدم" أي الطفل المولود لأب أو أم من جنسية البلد المعني، وفئة أخرى تأخذ برابطة الدم من الأب فقط، فيما تأخذ دول أخرى برابطتي الدم والأرض، أي إنها تعطي الجنسية لكل من يولد على أرضها، فيرسل بعض الناس زوجاتهم الحوامل إلى هذه الدولة أو تلك ليحصل الوليد الجديد على جنسية تلك الدولة والمزايا المتفرغة عنها. وفي هذا الإطار يمكن ذكر بعض الأمثلة، ففرنسا تأخذ برابطة الدم والأرض، وكذلك الولايات المتحدة وألمانيا. أما دول أخرى، فتأخذ برابطة الدم من جهة الأب فقط كمعيار واسع، كما هي الحال في لبنان.
الجنسية اللبنانية
لم تنشأ الجنسية اللبنانية قانوناً إلا بتاريخ وضع معاهدة لوزان الموقعة في الـ24 من يوليو (تموز) 1923 التي دخلت موضع التنفيذ في الـ30 من أغسطس (آب) 1924، حينها خرج سكان لبنان الكبير من تابعيتهم العثمانية وأصبحوا من التابعية اللبنانية.
أخذ المشترع اللبناني في تشريعات الجنسية برابطة الدم لجهة الأب، فالمولود لأب لبناني هو لبناني بالبنوة، ولا فرق في ذلك في أن يكون المولود شرعياً أو غير شرعي، مولوداً في لبنان أو في خارجه، ويلقى هذا الأمر انتقادات كبيرة لأنه ينطوي على خرق واضح لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة (لجهة الدم) المنصوص عنه في المادة السابعة من الدستور اللبناني وفي الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فيما تزداد المطالبات بمنح الأم اللبنانية أطفالها المولودين لأب أجنبي جنسية بلدها.
استثناءات
في حالتين استثنائيتين يتبع المولود جنسية الأم اللبنانية، الأولى أن يكون الولد الطبيعي (غير شرعي) الذي يعترف ببنوته أحد الوالدين قبل الآخر متى كان هذا الوالد لبنانياً، استناداً إلى المادة الثانية من القرار 16 الصادر في الـ19 من يناير (كانون الثاني) 1925. وفي الحالة الثانية، الأولاد القاصرون لأم اتخذت التابعية اللبنانية (الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة)، "كذلك الأولاد القاصرون لأب اتخذ التابعية اللبنانية أو لأم اتخذت هذه التابعية وبقيت حية بعد وفاة الأب فإنهم يصيرون لبنانيين إلا إذا كانوا في السنة التي تلي بلوغهم سن الرشد ويرفضون هذه التابعية".
وأقر المشترع اللبناني معيار رابطة الأرض في حالات استثنائية، في الحالة الأولى "اللبنانيون بالولادة لوالدين مجهولين" أي المولود في لبنان الذي لم يكتسب بالبنوة تابعية دولة أجنبية، وكذلك الذي يولد من والدين مجهولين أو مجهولي التابعية، وكذلك اللبنانيون بالتجنس شرط الإقامة في لبنان، حيث ألزم المشرع الأجنبي الذي يطالب بالجنسية الإقامة خمس سنوات متتالية، وتخفض لتصبح سنة واحدة إذا كان مقترناً بامرأة لبنانية، علماً أن مراسيم التجنيس تعرضت في السابق وما زالت لانتقادات كبيرة بسبب النسيج الاجتماعي اللبناني المتنوع طائفياً والمحكوم بتوازنات دقيقة ولعدم شفافية المعايير، إذ لم تعطَ الجنسية لمستحقيها.
وفي هذا الإطار، حددت المادة السادسة من الدستور اللبناني الطريقة التي تكتسب فيها الجنسية بقولها إن "الجنسية اللبنانية وطريقة اكتسابها وحفظها وفقدانها تحدد بمقتضى القانون"، وهذه المادة لم يطرأ عليها أي تعديل وبقيت كما هي بحسب ما يذكر الدكتور أمين صليبا في معرض شرحه لها.
أما في ما يتعلق بمكتومي القيد، وهم الذين تخلفوا عن إحصاء 1932 بسبب غيابهم عن لبنان أو عن محل إقامتهم أو إهمال ذويهم إدراج أسمائهم في البيانات الأساسية، فيبتّ القضاء اللبناني حق هؤلاء في شأن الحصول على الجنسية، وبالنسبة إلى قبائل العرب الرحل فلا تُعدّ أي منها لبنانية إلا القبائل التي تقيم كل عام أكثر من ستة أشهر في الأراضي اللبنانية بحسب المادة 12 من المرسوم 8837 الصادر في 1932.
الجنسية الشائكة
ويتضح أن "الجنسية" من المسائل الشائكة والمتشعبة في لبنان، وتخلق فئات خارج القيود الرسمية، مما دفع جمعية "رواد حقوق" وفاعلين في القضاء والمجتمع المدني إلى وضع "مشروع قانون جديد للجنسية يهدف إلى سد الثغرات في القانون القائم ووصول كل مستحق إلى الجنسية".
ويحافظ الاقتراح الذي أعدته "رواد حقوق" على الحق بالجنسية اللبنانية للأفراد الذين تنطبق عليهم شروط الجنسية التأسيسية، ويعتمد الاقتراح المساواة في نقل الجنسية إلى المولودين من أب وأم لبنانيين، وبغض النظر إذا كانت الولادة حاصلة داخل الزواج أو خارجه، ويعتمد الاقتراح كذلك رابطة الأرض المشروطة بعدم إمكان اكتساب جنسية أخرى بالولادة.
ويعتمد الاقتراح المساواة بين الرجل والمرأة في نقل الجنسية بالزواج احتراماً للمبادئ الدستورية، مع اشتراط عدم إكساب الجنسية للمتحدرين من دول غير معترف بها، ويضع ضوابط على الجنسية بالزواج تضمن ولاء طالب الجنسية للبنان، من حيث اشتراط مرور خمسة أعوام على تاريخ تنفيذ الزواج في النفوس واستمرار الزواج طوال هذه الفترة.
أما بالنسبة إلى التجنس، فيضع الاقتراح مجموعة شروط لقبول طلبات التجنس ترتكز بصورة رئيسة على ضمان معرفة المتقدمين للتجنس بلبنان وثقافته ولغته وقوانينه، وإقامتهم فيه إقامة نظامية لفترة 10 أعوام تؤكد نيتهم الاستقرار فيه وأن يكون لديهم مصدر دخل ثابت وأداء كل الضرائب والمستحقات للدولة واحترامهم القوانين اللبنانية ونظافة سجلهم العدلي.
إلى ذلك، يحفظ الاقتراح الحق بالتخلي عن الجنسية اللبنانية مع اشتراط ألا يؤدي ذلك إلى انعدام الجنسية، ويحفظ كذلك استعادتها في حالات أخرى.
تراجع مكانة الجنسية اللبنانية
وتعرب النائبة حليمة قعقور عن أسفها لتراجع مكانة الجنسية اللبنانية في الخارج، متحدثة عن "مراسيم لمن يدفع أكثر على حساب المستحقين وفي مقدمتهم الأم اللبنانية"، مطالبة بإعادة الاعتبار لها ومنحها لمن لديه الانتماء وواجب الولاء للبلاد في الداخل والخارج، ناهيك عن توزع أحكام الجنسية بين نصوص متناقضة ومشتتة، مما يفتح الباب أمام الاستنسابية وعدم احترام شروط منحها.
وتفسر قعقور في حديثها إلى "اندبندنت عربية"، "واجب الولاء كشرط لمنح الجنسية في ظل اختلاف اللبنانيين حول هوية بلادهم"، مؤكدة أن "الولاء للدولة يترجم من خلال تطبيق مجموعة معايير مثل إلمام الشخص بلغة الدولة ومعرفته بتاريخ الدولة والتزامه دفع الضرائب"، واعتبرت أن "إقرار هذا القانون هو خطوة صغيرة نحو تكريس ثقافة الشفافية التي يفترض أن تكون ضمن مسار لتكريس سيادة الدولة على أراضيها كافة وإثبات شفافية تمويل الأحزاب والتزام الأفراد عدم ممارسة التهرب الضريبي".
وقالت، "بذلت جهداً لإقناع رئيس اللجنة المعنية بوضع اقتراح القانون على أجندة البحث داخل المجلس النيابي، وعدم تفريغ القانون من مندرجاته داخل اللجان، ومن ثم إقراره في اللجان المشتركة، والتصويت عليه في الهيئة العامة، وبعد التصديق عليه نشره من أجل وضعه موضع التنفيذ".
وتشير الناشطة برنا حبيب، ممثلة جمعية "رواد حقوق" إلى توزع قوانين الجنسية على 30 نصاً قانونياً مختلفاً بين قوانين ومراسيم وقرارات تنظيمية، وآخرها قانون استعادة الجنسية اللبنانية الصادر في 2015، وعليه، يجب التفتيش في ما بينها لمعرفة الأحكام الراعية لهذا الموضوع.
من هذا المنطلق، يهدف اقتراح القانون الجديد إلى توحيد النصوص المشتتة وإزالة التناقضات بين أحكامها وتحديد ضوابط ومعايير شروط منح الجنسية، وأن تكون لمستحقيها، وتكريس المساواة التامة بين الرجل والمرأة في هذا المجال.
وتتطرق حبيب إلى التمييز ضد المرأة اللبنانية التي لا يمكنها منح الجنسية لأبنائها، فيما المرأة الأجنبية التي تتأهل من لبناني تحصل على الجنسية بعد مرور عام من تسجيل زواجها في النفوس، فيما تحتاج السيدة مكتومة القيد إلى اتباع إجراءات طويلة ورفع دعوى، وانتظار القضاء، مطالبة بوقف التمييز أيضاً بين الولد الشرعي وغير الشرعي.
القضاء يتحرك
يعتبر إصلاح قانون الجنسية حاجة وضرورة في لبنان نظراً إلى وجود فئات من عديمي الجنسية يعانون التهميش ويعيشون على حافة المجتمع. وخلال جلسة نقاش حول اقتراح القانون الجديد أقيمت في بيروت في الـ30 من أغسطس الماضي، أثيرت جملة إشكاليات حول ملف الجنسية، إن لناحية كيفية مقاربة المخاوف الطائفية والهواجس الديموغرافية، والسبل لعدم حدوث التوطين، وكذلك للتناقض الناجم عن منح الجنسية للطفل المولود خارج الزواج، فيما يحرم أبناء اللبنانية المتزوجة من أجنبي من الجنسية اللبنانية، إضافة إلى المشكلات التنفيذية، في ظل عدم وجود ضمانات لوضع اقتراح القانون على جدول أعمال مجلس النواب.
وعبّرت القاضية فاطمة ماجد عن اعتقادها بضرورة إقرار قانون جديد موحد للجنسية، منطلقة من جهل اللبنانيين للقواعد التي ترعى الجنسية، ولفتت إلى الحاجة للعودة إلى فلسفة القانون بعد مرور مئة عام على القانون، والإجابة عن تساؤلات عدة من قبيل "لماذا نحن نشرع القوانين؟ وما الحاجة التي دفعت إلى ذلك؟"، والمشكلات الواجب حلها وضرورة تدخل المشرع لتطبيق الدستور ومنح المرأة اللبنانية كامل حقوقها على قدم المساواة.
وتطرقت ماجد إلى الجهد الاستثنائي الذي يبذله القضاء اللبناني لحل المشكلات المتصلة بالجنسية التي لا تقتصر على النصوص المختلفة، وإنما باختلاف التفسيرات لهذه المراسيم والقوانين، والتناقض بين اجتهادات المحاكم. وتشير إلى معاناة في معرض مقاربة ملفات عديمي الجنسية ومكتومي القيد و"بدعة" فئة قيد الدرس، واصفة إياهم بالأكثر تهميشاً منذ عام 1960.
الهواجس من النزوح السوري
وتوضح الموقف من الالتباسات التي يطرحها تبني "رابطة الأرض" في لبنان، وهل يقود ذلك إلى إعطاء الجنسية لكل من يولد في لبنان وإمكان أن ينسحب ذلك على اللاجئين السوريين، مشددة على أن "الجنسية مرتبطة بسيادة الدولة وقرارها، من هنا جاء اقتراح القانون الجديد ليضع شروطاً شديدة لمنح الجنسية اللبنانية، وهي أشد من القواعد المطبقة في القانون الحالي الذي يمنح الزوجة التي تتزوج اللبناني الجنسية، ولكن الاقتراح وضع شروطاً أصعب، ويتلافى المخاوف والهواجس من النزوح السوري لأنه يشترط عدم إمكان اكتساب جنسية أخرى بالولادة".
وحول "دور القضاء في تفسير القانون الموجود وتكييف بعض أحكامه مع التطورات، ومن ثم المبادرة لتطبيق مندرجات الاتفاقات الدولية مقابل خشية بعض القضاة من مراجعة قراراتهم ومسايرة الاجتهاد القائم"، تجيب القاضية فاطمة ماجد بقولها "نعود دائماً إلى المبادئ القانونية العامة والنصوص الموجودة وأصول المحاكمات المدنية التي تضع الاتفاقات الدولية في مرتبة أسمى من القوانين الداخلية ضمن الهرمية القانونية".
ونبهت إلى وجود قرارات قضائية طبقت الاتفاقات الدولية ذات القيمة الدستورية، تحديداً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومنح الحق بالجنسية، لافتة إلى أن "القاضي عند كتابته القرار لا يفكر إن كان سيستأنف أو لا، وإنما يفكر بممارسة قناعاته وتعليل قراره لإقامة الحق".
و يرى المحامي نزار صاغية رئيس جمعية "المفكرة القانونية" أنه "ليس تفصيلاً عدم منح الأم اللبنانية الجنسية لأطفالها، ففي هذا تمييز خارج عن العادة"، معتبراً أن ذلك استمرار لمعيار "الذكورة" الذي اعتمد أيضاً في قانون استعادة الجنسية الصادر في 2015. ويشدد صاغية على وحدة وشمولية منظومة حقوق الإنسان، إذ "لا يمكن التنازل عن مفهوم الحقوق والمساواة تحت أي ظرف، والتصدي للفكر القائم على هواجس طائفية من دون إنكارها، وتقديم دراسات دقيقة في مواجهة الفكر غير العقلاني".