ملخص
بدلاً من تسريع خفض أسعار الفائدة التي ارتفعت في معظم الاقتصادات المتقدمة للعودة إلى مستويات ما قبل أزمة وباء كورونا عام 2020 ترددت البنوك المركزية في التيسير النقدي خشية أن تأتي سياساتها بنتائج عكسية.
بعد قراره في اجتماعه السابق بخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 4.5 في المئة، قرر بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) في اجتماعه الأخير الخميس الماضي، الإبقاء على سعر الفائدة من دون تغيير.
جاء ذلك بعد يوم من قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) الإبقاء على سعر الفائدة على الدولار عند نطاق 4.25 – 4.5 في المئة أيضاً.
كانت تلك القرارات متوقعة إلى حد كبير، إذ بدأت البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى إبطاء مسار خفض الفائدة الذي بدأته مطلع عام 2023 مع توقف ارتفاع معدلات التضخم.
وبدلاً من تسريع خفض أسعار الفائدة، التي ارتفعت في معظم الاقتصادات المتقدمة إلى ما فوق الـخمسة في المئة، للعودة إلى مستويات ما قبل أزمة وباء كورونا عام 2020 ترددت البنوك المركزية في التيسير النقدي خشية أن تأتي سياساتها بنتائج عكسية.
ومن محاضر الاجتماعات وتصريحات رئيس "الفيدرالي" جيروم باول ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بايلي يتضح أن مسؤولي السياسات النقدية يرجعون قرارات التروي وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة إلى وضع "عدم اليقين" السائد نتيجة الاضطرابات التي تسببت فيها سياسة الإدارة الأميركية للرئيس دونالد ترمب بإطلاقها حرباً تجارية عبر فرض رسوم وتعريفة جمركية على الشركاء التجاريين.
مخاوف من المغامرة
مع ذلك تظل أسعار الفائدة مرتفعة عن المعدلات الطبيعية، خصوصاً مع اعتدال معدلات التضخم، لذا أشار كل من باول وبيلي في تصريحاتهما للصحافيين إلى أن خفض أسعار الفائدة هذا العام وارد جداً، لكن بصورة تدرجية وبمقدار أقل من المتوقع.
وقال بيلي مثلاً "هناك ضبابية شديدة وعدم يقين الآن"، قبل أن يستدرك "لكننا ما زلنا نعتقد أن معدلات الفائدة في طريقها للهبوط التدرجي".
كذلك تتوقع الأسواق أن يخفض "الفيدرالي" سعر الفائدة مرتين في الأقل هذا العام لتنهي الفائدة الأميركية 2025 عند أربعة في المئة أو أقل قليلاً، ويرجع تردد البنوك المركزية الكبرى في الإسراع بخفض سعر الفائدة إلى خوفها من المغامرة بالتيسير النقدي الذي قد يزيد الضغوط التضخمية وتضطر إلى العودة للتشديد النقدي برفع سعر الفائدة مجدداً وتسريع برنامج بيع السندات لسحب السيولة من السوق.
وإن كانت سياسة إدارة دونالد ترمب أثارت مخاوف عودة التضخم نتيجة الاضطراب في النظام التجاري العالمي فإن السياسات المالية والاقتصادية للحكومات في الفترة الأخيرة لم تعد تسير بحسب القواعد التقليدية، ويجعل ذلك من مهمة البنوك المركزية، التي تتمتع باستقلالية عن الحكومة في وضعها السياسة النقدية في غاية الصعوبة.
وإذا كان الهدف الأول والأهم للبنوك المركزية هو ضمان استقرار الأسعار والحد من ارتفاع التضخم عن نسبة مستهدفة، وهي اثنين في المئة في معظم الاقتصادات المتقدمة، إلا أنها تأخذ في الاعتبار عند البت في سعر الفائدة عوامل أخرى تتعلق بأداء الاقتصاد الكلي وتأثيره في الطلب العام مقابل المعروض من السلع والخدمات، منها وضع سوق العمل ومعدلات البطالة وفرص التوظيف وأيضاً تقديرات النمو الاقتصادي.
وتعتمد البنوك المركزية على نماذج تحليل وتوقع استناداً إلى البيانات والأرقام الاقتصادية وتقديرات التوجهات المالية والاقتصادية للحكومة والقطاع الخاص، أي مجمل النشاط الاقتصادي، ومع حال الاضطراب والتطورات غير التقليدية يصعب على تلك النماذج إنتاج توقعات مستقبلية سليمة إلى حد كبير، ومن ثم يتخوف واضعو السياسات النقدية من احتمال المغامرة فيلجأون للتصرف الأكثر تحوطاً بإبقاء الوضع على ما هو عليه حتى يتبين لهم مسار الاقتصاد بما فيه معدل التضخم ونسبة البطالة واحتمالات النمو أو التباطؤ الاقتصادي.
أضرار الحذر المبالغ فيه
إلى ذلك فهذا الحذر المبالغ فيه من قبل البنوك المركزية في الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة خشية عودة التضخم أو حدوث غليان لا يمكن ضبطه في الأسواق والاقتصاد يشكل ضغطاً إضافياً على وضع اقتصادي غير جيد منذ أزمة وباء كورونا، وربما حتى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 – 2009.
فحتى قبل أزمة الوباء لم يكن الاقتصاد العالمي قد استعاد عافيته تماماً ولا عاد إلى معدلات النمو الجيدة التي شهدها من منتصف العقد الأول من هذا القرن حتى ما بعد منتصف العقد الثاني منه.
ولا يقتصر ضغط الفائدة المرتفعة على الحكومات وأوضاعها المالية فحسب، بل ينسحب على كل أوجه النشاط الاقتصادي وتفاصيل الحياة اليومية للناس العادية، ففي ظل سعي الحكومات إلى ضغط الإنفاق بهدف تقليل عجز الموازنة تضطر إلى إلغاء وظائف في القطاع العام مما يعني تغذية البطالة ومن ثم اضطراب سوق العمل.
من شأن إبقاء الفائدة مرتفعة أن يقوض جهود الحكومات تلك، على سبيل المثال، مع الفائدة المرتفعة تزيد كلفة خدمة الدين العام مما يفاقم مشكلة عجز الموازنة، فأكبر اقتصاد في العالم، الاقتصاد الأميركي، يرزح تحت عبء دين عام يزيد على 36 تريليون دولار تفوق نسبته 127 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ عجز الموازنة الأميركية نحو 830 مليار دولار، بحسب أحدث أرقام للعام الماضي.
أما في بريطانيا فيصل الدين العام إلى نحو 2.8 تريليون جنيه استرليني (أكثر من 3.5 تريليون دولار) تساوي ما يزيد على نسبة 96 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتجاوز عجز الموازنة البريطانية 130 مليار جنيه استرليني (168 مليار دولار) ومرشح للزيادة أكثر، وارتفاع الدين العام وزيادة العجز يحدان من قدرة الحكومات على الإنفاق العام ومن ثم يضغط سلباً على النشاط الاقتصادي وتتقلص فرص النمو.
وما ينطبق على الحكومات ينطبق على الأعمال والشركات إلى حد ما، فارتفاع كلفة الاقتراض تجعل القطاع الخاص يتردد في توسيع نشاطه نتيجة زيادة الكلف ومن ثم تتراجع نسب النمو.
أما بالنسبة إلى الأسر والأفراد، فإن استمرار أسعار الفائدة مرتفعة يضر بقدرتها على الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل نسبة كبيرة من النمو الاقتصادي في الدول الرأسمالية الكبرى، فكل صور الفائدة، من تلك على قروض الرهن العقاري إلى القروض الشخصية، تتحد استناداً إلى سعر الفائدة الأساس الذي يقرره البنك المركزي.