ملخص
تواصل الرواية العربية المعاصرة، والرواية التونسية بخاصة، تسليط الضوء على قضايا المجتمعات العربية الحالية، في منتصف العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، وتنبّه الى بعض القضايا التي يبدو أنّ الزمن لم ينجح بعد في معالجتها لأسباب اجتماعية ونفسية وغيرها. الروائية والشاعرة التونسية إيناس العباسي (1982) تطل بعمل روائي جديد بعنوان "رأس أنجلة" (دار نوفل - بيروت 2025).
تحكي إيناس العباسي في "رأس أنجلة" ، بعضاً من سيرة عائلة تونسية مكوّنة من ابنتين (ناديا، وليندا) وشاب (نوفل) ووالدتهما (حبيبة)، ووالدهما (حمودة)، يحيا أفرادها حياة ملؤها التخبّط والخيبات والآلام. وعبر قراءة الرواية ندرك أنّ الكاتبة منخرطة، بالممارسة، في نهج روائي معاصر، لا تتوانى فيه عن إتاحة الفرصة لأصوات عديدة، أي لشخصيات من الرواية، تتولّى بدورها بسط وجهة نظرها، بل سرديّتها في ما خصّ المسألة أو العقدة التي تدور حولها الأحداث. وبالعودة الى متن الرواية المؤلفة من أربعة أجزاء متعادلة تقريباً من حيث حجمها، وتيتناوب على تسيّدها ثلاث شخصيات، تظهر على التوالي: ناديا، الفتاة البكر، والمقيمة في باريس مع حبيبها فيليب، وهو وإن يكن مولوداً من أم فرنسية، فوالده جزائري على الأرجح، ومعارفه الأوائل من العرب. وتحكي كيف أثّرت تربيته العسكرية – وهو جندي فرنسي لمهمات قتالية في الخارج، وهو من فوج "الغرباء" على الأرجح.
وكيف أنّ ممارسته القتال ضدّ الإرهابيين وجنود العدوّ حفرت في نفسه ندوباً وعقداً لا تكاد تمحى. وبعده تماما يخرج فيليب، حبيب ناديا وزوجها، ليروي سرديته الخاصة عن علاقته بناديا، وعن الكوابيس التي ملأت حياته، وكادت تفضي به إلى الجنون. وفي الجزء الثالث تظهر شخصية ليندا، وهي الصغرى بين إخوتها وأخواتها، لتروي بدورها حكاية خيبتها، وهي الفتاة المتعلمة والحائزة شهادة جامعية في العلوم، بعد أن أغرتها إعلانات السفر الى الإمارات بداعي العمل مزيّنة شعر.
الراوية ناديا
في الجزء الأول من الرواية، يظهر صوت الراوية ناديا، تسرد بعضاً من سيرتها في تسع سنوات فاصلة، كما أشارت أعلاه؛ وفيه تروي كيف أنّها لاذت بالفرار من أمام زوجها المفترض فيليب، بعد تعرّضها للصفع والضرب على يده، إثر نوبات من كوابيس التهديد بالقتل والخطف تهزّ كيانه، حيناً بعد حين. وذلك نتيجة خوضه الحروب في صفوف فيلق الغرباء، واقترافه العديد من عمليات قتل الأعداء، ومقتل صديقه المقرّب ماتيو، على يد الجماعات الإرهابية التي زعمت دولته رصدهم لتهديدهم مصالحها في كلّ من إفريقيا وآسيا. ولا يلبث فيليب هذا، بعد حفلة المطاردة بحقّ زوجته وأفعاله العنيفة التي يؤدّيها، تكسيراً وتهشيما في المنزل وركلاً لها، أن يعود الى رشده، فيطلب الغفران من زوجته الهاربة بطفلها يوسف، هروبَ مريم العذراء بطفلها عيسى برفقة خطيبها يوسف من ظلم هيرودوس. ومع ذلك، تعِدُه زوجته، الخائفة من تصرفاته وتقلّبات مزاجه، بأن ترسله إلى الطبيب النفسي لمعالجته. وفي سياق سرد الراوية ناديا سيرتها، نعلم استباقاً أنّ أختها ليندا- وهي الشخصية الثانية من حيث الأهمية- هاجرت من تونس بلدها الى الخليج (الإمارات) للعمل هناك في مركز طبّي، اعتماداً على شهادة اختصاصها بالكيمياء، وليس على ميلها الجارف الى الغناء. ولكنّ الرياح تجري بغير ما تشتهي؛ إذ لم تحظ بسوى مهنة مصففة شَعر، وسط مزاحمات ومنافسات غير عادلة ولا أخلاقية. كما أنها تعرّفنا، نحن القرّاء، الى أخيها نوفل، الذي لم يكمل تعليمه بسبب إصرار والده، وبات سائق شاحنة نقل كبيرة، يأتي بالمال الكافي لأمه حبيبة، بعد هروبها، بصحبة كامل عائلتها -ابنتاها وابنها- من وجه سطوة الأب وظلمه وعنفه.
العنف الذكوري
وكما يبدو، من سياق متن الرواية، أنّ الكاتبة تتطرّق إلى مسألة، بل معضلة العنف الذكوري، سواء من ناحية الأب (حمودة)، في العائلة النموذجية التي اختارتها الكاتبة إيناس العباسي، ممثّلة لصورة العائلة في الطبقة الفقيرة، الذي لا يتوانى عن ضرب زوجته (حبيبة) متى خطر له ذلك، وإرسالها الى الحقل للعمل الشاقّ فيه، وإجبارها على ممارسة الجنس باعتبارها شرطاً لازما للزواج، في مقابل استمتاعه بمدّخرات زوجته وأجرها من عملها المضني، في نوع من العبودية الكاملة. وسواء من ناحية زوجها (فيليب) الذي يعاني الحيرة لمعرفة والده البيولوجي، ما دامت أمه متعددة العلاقات. وفوق ذلك يتبدى غارقاً في دوامة من عقَد الارتياب من زوجته ناديا، ومن أيّ طيف عدوّ، يتهيأ له أنه على وشك الانقضاض عليه، جرّاء انخراطه في حربٍ ضروس أتت على توازنه النفسي والعصبي. وعندئذ، يطلق عنفه الذكوري على أشدّ ما يكون. وبناء عليه، لا تجد المرأة -في الحالتين- سبيلاً لها سوى الفرار من سلطة (الزواج، والأبوة) المخوّلة ممارسة العنف، لا الرقّة ولا اللين، من السلطة المعنوية والمجتمعية السائدة.
سردية فيليب
بدوره يروي فيليب بسرديّته، أو بوجهة نظره التي شاءت الكاتبة أن تقررها له وتحمّلها خطابها أو آراءها في إشكالية الانتماء الى أرض غريبة، والعيش في بيئة غربية عنصرية بالمقام الأول؛ فالراوي هنا، يبسط للقراء مأساته، في كونه مولودا من امرأة فرنسية من "الأقدام السوداء" (أي الفرنسيين المستوطنين الجزائر، والمرحّلين عنها الى فرنسا، إبان الاستقلال) غير المرحّب بهم بعامة، ومن أبٍ تجهله الأمّ أو تتجاهله. ولعلّ عقدة الهويّة تفعل فعلها عند شخصية فيليب – ومن الطبيعيّ أن يكون لها هذا الأثر في بنيان النفس السويّة - فتضيف إلى وسواسه القهري، نتيجة طبيعية لموت أعزّ صديق ورفيق سلاح له يدعى "تيو" في إحدى هجمات العصابات الإرهابية على فرقتهما، وشعور بالملاحقة والتآمر عليه من الأعداء والمقرّبين منه، على حدّ السواء، عاملاً آخر لتفجّر عنفه الذكوري على امرأته ذات الجذور العربية المعروفة، والمنتمية إلى بيئة متضامنة في ما بين أفرادها، بخلاف بيئته وعائلته النواة. ويروي فيليب في سرديته الموجزة كيف أنه لمّا تقاعد من عمله كمحارب مرتزق انخرط في جمعيات وهمية كثيرة، مثل جمعية قدماء المحاربين من شمال أفريقيا، وجمعية البحارة، وجمعية المحافظة على الإرث الوطني، وغيرها. ومع ذلك، بقي لديه الخوف، بل الرعب، في أن يتخلّى مجتمعه عنه. ولا يخفف عنه سوى كونه والداً لطفله يوسف، الذي يشتدّ حرصه على راحته، وحسن تربيته. ولكنّ هذه العقد والوساوس ما كانت لتتلاشى، فيعود إلى سابق اتّزانه، إلاّ بعد أن رزق من ناديا بفتاة أسمياها آماندين: "أعجبني الاسم. وهكذا دخلنا مرحلة جديدة من حياتنا. أصبح كلّ شيء يدور حول آماندين. لم تكن الأدوية ولا المهدّئات التي أنقذت فيليب، بل ابنتنا آماندين"(ص:218).
جهاد ليندا
ولئن أفردت الكاتبة إيناس عباسي الجزء الرابع من روايتها بشهادة الشخصية الثالثة، المسماة ليندا، فإنّها سعت ربما الى تأخير خطابها الذي نظنّه أقرب الى رؤيتها الفكرية والخلقية؛ إذ تبسط ليندا سرديّتها، على أنها الفتاة الأكثر تعلّماً من أخويها الباقيين، وأنها كانت تسعى الى تحقيق أحلامها المؤجّلة، وذلك بنجاحها في الوصول الى إمارة الفجيرة، في الإمارات. وكيف أنها أبرمت عقداً للعمل "حلاّقة" سيدات في صالون نسائي، يضمّ عاملات فيليبينيات وهنديات ومغربيات، وفلسطينيات وسوريات، وهي التونسية الوحيدة بينهنّ. وذلك بعد أن يئست من إيجاد عمل في اختصاصها العلمي، أسوة بالآلاف من أبناء بلدها وبناته. ولكنّ الفساد والاحتيال، بزعمها، أخذا مأخذاً خطيراً لديها؛ إذ تبيّن لها أن الراتب الذي حصلت عليه، لا يساوي ربع ما تمّ التوافق عليه مع المعنيين، وأنّ صاحب العمل احتجز جواز سفرها، مانعاً إياها من السفر إلاّ بعد تنفيذها بنود العقد وبأقسى الشروط.
وفي خلال سردها بعضاً من تفاصيل إقامتها في الفجيرة، عاملة في صالون حلاقة للنساء، يتسنّى لها أن تعاين التفاوت الطبقي الجارح بين العمال من جنسيات مختلفة، وبين الأغنياء والمرفهين. وعندئذ، تستحضر الراوية في بالها صوراً عن أمها (حبيبة) ذات الذهنية التقليدية، والأمّية، والراضية بقدَرها، والمتمرّدة على سلطة زوجها قبيل فوات الأوان، وموتها بمرض السرطان. ولا تزال حتى تستعرض صوراً عن أخيها نوفل، ونضاله المستميت من أجل أن يضمن حياة الكفاف لوالدته وأخته.
ديستوبيا خاصة
لكنّ ما يميّز الرواية أنها تندرج في عداد الديستوبيا الانتقادية الموجّهة إلى الشخصية العربية بصورة عامة، وإلى فيض الذكورة والعنف في تعاطي الرجل مع المرأة بخاصة. ولئن كان ثمة بعضٌ من النقد غير الجارح لبنية النظام في الدول العربية الداخلة في حلقة الاقتصاد النفطي الحر، فإنها أكثر ما تسلّط نقدها على بنيان الشخصية العربية، سواء أكان رجلاً أو امرأة؛ إذ يملك الرجل (حمّودة)، بحسب ذلك الموروث الخلُقي المغلوط، حقّ التصرّف بملكيّته (المرأة، حبيبة)، واستغلال جنى يديها، وإجبارها، بحكم القانون، على الإنجاب منه، والاستمتاع بالجنس من طرف واحد، ومن دون أن يترتّب عليه أيّ واجب حيال أبنائه وبناته وزوجته الشهيدة الحيّة. وفضلاً عن ذينك المظهرين، انتقادها عنصرية الغرب المتجذّرة في تكوين إنسانها، بحسب الكاتبة. وهكذا لا يتبقى للمرأة المطرودة من الجنّتين سوى الفرار الدائم، واللجوء الموقّت الى ما يحفظ بعضاً من كرامتها الإنسانية.