Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

الأمم المتحدة... حصن الضعفاء يهتز مع الريح

الاتهامات والتهديدات وتحركات منع التمويل وحجب الدعم عن المنظمة سلبتها جزءاً من هالة الأهمية وجانباً عظيماً من إرثها الإنساني

باتت هي نفسها في حاجة إلى من يمد لها يد المساعدة، ويقيها شر الوقوع في خانة الوهن، ويجد حلاً لأزمتها الوجودية (أ ف ب)

ملخص

 جرى العرف أن تهب المنظمات الأممية وتسارع الجمعيات الحقوقية وتركض الوكالات الإنسانية وتبادر دول الغرب الديمقراطي الإنسانية الخلوقة لضبط الأحوال المعوجة ونجدة الضعفاء والمقهورين والمسلوبة حقوقهم والمغلوبين على أمرهم، فكيف تغيرت الحال؟

الأحداث والعناوين والتقارير تقول كثيراً، "طالبان" عادت أقوى مما كانت، عام دراسي بلا طالبات في أفغانستان، الجولاني يحكم سوريا وسط ترحيب العالم، غزة تخضع للإبادة، "حماس" تتفاوض باسم الفلسطينيين، "حماس" تسلم ست رهائن لكن إسرائيل تؤجل تسليم الأسرى الفلسطينيين، حرب روسيا في أوكرانيا تدخل عامها الثالث، أوروبا تتحدث عن عقوبات، وترمب يتهم زيلينسكي "الديكتاتور" بأنه السبب في الصراع، جماعة الحوثيين استهدفوا مقاتلة أميركية "أف 16"، هجمات الحوثيين على السفن كبدت مصر خسائر تقدر بـ6 مليارات دولار، أكثر من 22 ميليشيا وجماعة مسلحة تنشط في 28 صراعاً في 16 دولة أفريقية.

جرى العرف أن تهب المنظمات الأممية وتسارع الجمعيات الحقوقية وتركض الوكالات الإنسانية وتبادر دول الغرب الديمقراطي الإنسانية الخلوقة لضبط الأحوال المعوجة ونجدة الضعفاء والمقهورين والمسلوبة حقوقهم والمغلوبين على أمرهم، ولو نفسياً، أو عبر استقبال المهاجرين واللاجئين، أو عقد الاجتماعات العاجلة، أو الدعوة إلى قمم طارئة، وربما إصدار بيانات والإعلان عن مبادرات وتوجيه مبعوثين وتخصيص موارد لإشهار المواقف الغاضبة جراء التعرض لعنف هنا أو الوقوع في قبضة قهر هناك.

كان هذا هو حائط صد العالم، ولو نفسياً، وكانت هذه الإجراءات هي حائط مبكى الشعوب المقهورة والصدر الحنون للأقليات المغبونة، حتى وإن لم يسفر معظمها عن تحركات حقيقية وإصلاحات فعلية على أرض الواقع.

اليوم، تجد دول العالم وشعوبها نفسها وقد وقفت هذه المنظمات والهيئات والجمعيات والوكالات معها على الضفة ذاتها، حيث معظمها لا حول له، وأعتاها بلا قوة أمام صلف دول وتبجح ميليشيات وعجرفة جماعات وإطلاق يد كيانات تفعل ما تشاء في مناطق عدة من العالم.

الدفاع يحتاج إلى دفاع

شعور عام يعتري كثراً في شتى أرجاء الأرض بأن خط الدفاع الناعم عن الحقوق المسلوبة، وصوت من لا صوت لهم من شعوب المعمورة، باتت هي نفسها في حاجة إلى من يمد لها يد المساعدة، ويقيها شر الوقوع في خانة الوهن، ويجد حلاً لها في أزمتها الوجودية.

اليوم، غاب حائط الصد الأمم أو هكذا يبدو، وكثير من الساحات الدولية والإقليمية والوطنية متروكة لقمة سائغة لصناعة موازين قوى جديدة أو ترسيخ قواعد هيمنة لا تمت بصلة إلى المواثيق الأممية والقواعد الدولية.

 

 منظمة الأمم المتحدة والهيئات والوكالات والصناديق والبرامج والمجالس التابعة لها طرف رئيس وأصيل في شؤون الأرض وسكانها، وهي ضالعة في الأزمات وحاضرة في الكوارث وفاعلة (أو تجاهد من أجل الفعل) في مشكلات وأزمات تلوح في الأفق من تغير مناخ وتلوث هواء وانتشار وباء وتجدد صراع وغيرها.

غالب سكان الأرض يعرفون أن الأمم المتحدة حاضرة في حياتهم بشكل أو بآخر. كوارث طبيعية أو مصائب من صنع الإنسان، أسعار طاقة، شح منتجات غذائية، كلفة معيشة، جفاف أراضٍ، شح مياه، انتشار أمراض، انعدام مساواة بين الرجال والنساء، عوار في العدالة، أنظمة صحية عاجزة، انفلات أوضاع أمنية، والقائمة تطول بطول مشكلات البشر وحاجاتهم وتطلعاتهم.

أفنت الأمم المتحدة ومنظماتها أعوامها الـ80 وهي تلفت الانتباه هنا، وتحذر هناك وتطالب بتفعيل قرارات أممية هنا وهناك.

اليوم تجد المنظمة الأممية نفسها، أو هكذا يراها كثر، في أزمة حقيقية، بعدما وُجهت اتهامات بالإرهاب أو التحيز أو كليهما إليها من قبل إسرائيل، بل وقول كثير من المسؤولين الإسرائيليين إن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "شريك في الإرهاب"، لمجرد أن منظماتها ذكرت عبارة "إبادة جماعية" غير مرة في إشارة إلى ما جرى في قطاع غزة.

زد من الشعر بيتاً

بعدها بأسابيع قليلة، زاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الشعر الموجه للأمم المتحدة بيتاً، أو بالأحرى أبياتاً، أعلن انسحاب أميركا من "مجلس حقوق الإنسان" المعادي للسامية، ووصف "أونروا" و"منظمة الصحة العالمية" بـ"المؤسسات الفاسدة"، وتسبب قراره بالانسحاب من المنظمة في عجز مالي خطر يهدد قيامها بأدوارها الصحية الطبية والوقائية. الأخطر من ذلك أن ترمب عبر عن امتعاضه من أداء المنظمة الأممية، واصفاً إياه بأنه "لا يرقى إلى مستوى الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها"، وإنها هكذا (بهذا السوء) منذ زمن.

انسحاب أميركا من "منظمة الصحة العالمية" ومناشدة مديرها تيدروس إدهانوم غيبريسوس، الدول الأعضاء إقناع ترمب بالعدول عن رأيه لم يسفر عن شيء بعد. حجب التمويل عن "وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (أونروا) دعماً لحظر إسرائيل لها باعتبارها "إرهابية" وبعض من موظفيها "إرهابيين" لم يؤد إلى انتفاضات عالمية أو موجات غضب دولية. تجميد المساعدات الخارجية الأميركية، وهي المانح الأكبر لغالب الهيئات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، لم يحرك كثيراً من المياه الراكدة في الرأي العالم العالمي أو الإعلام الغربي الحيادي المستقبل. إعلان أميركا عن تفضيل منظمات أممية أكثر من غيرها، وأن هذه المفضلة هي التي ستحصل على الدعم مثل "يونيسيف" وبرنامج الغذاء العالمي لأنهما "مثالان على البرامج التي تجعل أميركا أكثر آمناً وقوة وازدهاراً" على حد قول سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة إليز ستيفانيك، لم يثر غضباً حقوقياً أو امتعاضاً إنسانياً بالقدر المتوقع.

حتى مضي الرئيس الأميركي قدماً في توجيه مزيد من الانتقادات اللاذعة للأمم المتحدة لم يقلب الدنيا رأساً على عقب، قال ترمب إن "هناك كثيراً من الصراعات التي نعمل على تسويتها، أو في الأقل نحصل على المساعدة لتسويتها، لكن يبدو أننا لا نحصل على أي مساعدة على الإطلاق، على رغم أن هذا هو الهدف الأساس من الأمم المتحدة"، مؤكداً "لأكون صادقاً، لا تُدار (الأمم المتحدة) بشكل جيد، هم لا يقومون بالمهمة"، ولم تتصاعد أصوات الغاضبين.

المهمة برأي أميركا

و"المهمة" كما تتصورها الإدارة الأميركية في ما يتعلق بحرب روسيا في أوكرانيا عبرت عنها في الذكرى الثالثة لاندلاع الصراع. اقترحت أميركا قراراً خاصاً بها في الأمم المتحدة وصفه وزير الخارجية ماركو روبيو بأنه "قرار تاريخي بسيط"، وهو لا يدين روسيا باعتبارها الطرف المعتدي، أو يعترف بسلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها، لكن يتفق مع وجهة نظر ترمب – بحسب ما قال روبيو – بأن على الأمم المتحدة أن تعود إلى غرضها التأسيسي، كما هو منصوص عليه في ميثاقها، للحفاظ على السلام والأمن الدوليين، بما في ذلك التسوية السلمية للنزاعات.

ودق وزير الخارجية الأميركي على وتر "سوء أداء الأمم المتحدة" بقوله، إنه إذا كانت المنظمة الأممية ملتزمة حقاً غرضها الأصلي، فإن هدف السلام الدائم، على رغم مصاعبه، يظل قابلاً للتحقيق.

وهدف السلام لم يتحقق في اليمن بعد، وهو يظل حلماً بعيد المنال في السودان، وهدفاً مرجواً في كثير من الدول الأفريقية حيث ترتع جماعات وميليشيات مسلحة، والوضع في ليبيا ليس بأفضل، وغيرها كثير من أماكن الصراع التي صدرت حولها قرارات أممية لم تنتقل إلى مرحلة التفعيل.

 

تغير المناخ واستخدام الوقوف الأحفوري وحقوق الأطفال والمساواة بين النساء والرجال ومواجهة الأوبئة وإنهاء الاستعمار وتأمين الغذاء والقضاء على الفقر وضمان حقوق اللاجئين وتطويق المواد المخدرة وتجارة السلاح والاتجار في البشر والجريمة المنظمة العابرة للحدود وسلامة الأطفال والشباب على الإنترنت ومكافحة الإرهاب ونزع السلاح من المدنيين بعد الحروب، وغيرها كثير من قضايا الأمم المتحدة يجد نفسه في مهب رياح السياسة العاتية المتغيرة وقيد التحولات في موازين القوة ومعايير الهيمنة.

على رغم عقود طويلة من الانتقادات الموجهة للمنظمة الأممية، سواء لمطالبتها بعمل مزيد من أجل توقيف عدوان، أو إنهاء صراع، أو إنقاذ مدنيين، وأحياناً اتهامها بأن الفعاليات والمؤتمرات والورش وإصدار التقارير وغيرها من الأنشطة النظرية تفوق الآثار الفعلية الناجمة عنها على أرض الواقع، فإن "الأمم المتحدة" ظلت محتفظة بمكانتها كمنظمة أممية، وبتفردها ككيان قادر على انتقاد الأنظمة، وتوجيه مطالبات بالتغيير والتحسين إلى الحكومات، وتطبيق العقوبات لدعم التحولات السلمية، وردع التغييرات غير الدستورية، وتقييد الإرهاب، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز عدم الانتشار النووي.

الصورة الذهنية للمنظمة الأممية تعرضت لهزات عنيفة في الأشهر القليلة الماضية، وتحديداً منذ اندلاع حرب القطاع. تراوح التغيير ما بين التعاطف مع المنظمة التي وجدت نفسها في مرمى النيران الإسرائيلية، ومساندتها المواقف الداعمة لأهل غزة، أو معاداتها لاعتبار هذا الدعم انحيازاً لـ"حماس" وتأييداً لها، على رغم إعلان أمينها العام أنطونيو غوتيريش غير مرة تضامن المنظمة مع "جميع ضحايا الهجوم الإرهابي الذي شنته (حماس) في إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ومع أحباء هؤلاء الضحايا"، ومطالبته بالإفراج الفوري عن الرهائن قبل أشهر طويلة، كذلك فإن إشارته إلى أن "الحرب التي أعقبت هذه الهجمات الرهيبة لا تزال تعصف بحياة الفلسطينيين في غزة، هم وشعب لبنان" أججت موجات الرفض والاستياء بين الجبهة الأخرى المؤيدة للحق الفلسطيني.

الـ"سوبر منظمة" تعاني

الاتهامات والتهديدات وتحركات منع التمويل وحجب الدعم التي تُوجه إلى الأمم المتحدة سلبتها جزءاً من هالة الأهمية، وأفقدتها جانباً من إرثها كـ"سوبر منظمة" على غرار "سوبر مان" القادر على مواجهة الجميع.

فقدت الدول التي تناصب الأمم المتحدة العداء جزءاً من سمعتها، لكن الأمم المتحدة أيضاً فقدت جانباً من هيبتها، وهو ما أدى إلى أسئلة حول حاضر ومستقبل المنظمة ووكالاتها، وكذلك حول مصير الشعوب التي كثيراً ما اعتبرتها حائط صد لها، والأنظمة التي تتعامل معها على أنها حكم يعتد به في خلافاتها مع الدول الأخرى، حتى وإن كانت قراراتها غير ملزمة، باستثناء تلك الصادرة عن مجلس الأمن.

موقف سكان الأرض من الأمم المتحدة ليس واحداً أو متسقاً، وذلك منذ تأسيسها عام 1945. السياسة والخبرات الوطنية ومؤثرات الرأي العام والثقافة وغيرها تؤثر سلباً أو إيجاباً في موقف الشعوب والدول من الأمم المتحدة، لكنها ظلت مرتبطة على مدى عقود بمكانة متفردة، وقدرة – وإن اختلف البعض حول تقييمها - التأثير في مجريات الحروب والصراعات، والضغط على أنظمة متهمة بالقمع أو الاضطهاد، والتخفيف من حدة أزمات الكوكب من فقر ومرض وظلم وكوارث طبيعية أو من صنع الإنسان، ويكفي الصورة الذهنية التي صنعتها مواثيقها، وتصدرها مشاهد الغوث والمساندة في مصائب الأرض وكوارثها وأزماتها.

هذه الصورة وتلك المكانة تغيرت بفعل حرب القطاع، وما نجم عنها من تعقيدات وتطورات ومخططات. بعد أسابيع من العملية التي قامت بها "حماس"، نشرت مجلة "فورين أفيرز" تحليلاً عنوانه "كيف فقد العالم ثقته في الأمم المتحدة؟"، وجاء فيه أن الأمم المتحدة بدت في الفترة الأخيرة غير قادرة حتى على الاستجابة لأزمات متوسطة المدى، مثل أعمال العنف في السودان وناغورنو قره باغ والانقلاب في النيجر وغيرها.

 

التقرير أشار إلى آراء دبلوماسية رجحت أن التوترات بين روسيا والغرب في شأن أوكرانيا، وهي القضية التي كانت موضوع عشرات المناقشات غير المثمرة في الأمم المتحدة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، قوضت المناقشات حول قضايا غير ذات صلة في أفريقيا والشرق الأوسط، وقتها حذر الأمين العام غوتيريش من أن "صدعاً كبيراً في نظام الإدارة العالمي يلوح في الأفق".

ورأت المجلة أن الحرب بين إسرائيل و"حماس" تهدد بتوجيه رصاصة الرحمة على صدقية الأمم المتحدة في قدرتها على الاستجابة للأزمات، وتوقعت أن تواجه الأمم المتحدة في المستقبل القريب معضلة استمرار إسهامها في تحقيق السلام والأمن، وذلك في وقت تتقلص الأرضية المشتركة بين القوى العظمى يوماً بعد يوم.

وبعيداً من الحلول التي اقترحها المقال التحليلي لإعادة بعث الدور الفعال للمنظمة الأممية، وبينها التركيز على عدد محدود من الأولويات، وتسليم إدارة الأزمات الأخرى لمنظمات مختلفة لديها القدرة على ذلك، فقد أشار إلى مربط الفرس، وهو استمرار دور ومكانة الأمم المتحدة كمكان وكيان يستطيع فيه الخصوم مناقشة خلافاتهم وربما الخروج بحلول ما.

اليوم، تغير كثير من مكونات المعادلة. مثلاً، بعد حشد أميركا وحلفائها كثيراً من أوجه الدعم لأوكرانيا في مواجهة روسيا، تأتي الإدارة الأميركية الجديدة وهي تحمل أوكرانيا مغبة وقوعها في قبضة الحرب.

من استمرار الصراع في أوكرانيا، وانقلاب أحد أكبر موازين الدعم والمساندة لأوكرانيا عبر ما أعلنته أميركا من مواقف تبدو داعمة لروسيا، واستمرار الحرب في غزة حتى حصدت حياة أكثر من 47 ألفاً وما يزيد على 111 ألف مصاب، ناهيك بتدمير القطاع بشكل شبه كامل، واستمرار غيرها من الحروب والصراعات، تصاعد الشعور العام بأن الأمم المتحدة في مأزق، وأن أحد أخطر جوانب المأزق هو شعور شعوب الأرض، لا سيما المنكوبة والمظلومة والمقهورة والمحتلة أو المعرضة لذلك، بأنها فقدت جزءاً كبيراً من حق الشكوى، ومنصة التعبير عن الظلم، وصوت الوصول إلى العالم، حتى وإن لم يسفر كل ما سبق عن تحركات على أرض الواقع.

التخلي عن أفغانستان

على سبيل المثال لا الحصر يشعر قطاع عريض من الأفغان بأن العالم تخلى عنهم. اعتقد بعضهم أنه بعد الانسحاب المفاجئ للقوات الأميركية من أفغانستان عام 2021، وعودة "طالبان" – التي كانت تصنفها الحكومات والتقارير الغربية كـ"ميليشيات إسلامية أصولية" وفي أقوال أخرى "جماعة إرهابية متشددة" - إلى الحكم، وكأن عقوداً من الصراع والحرب لم تكن، أن العالم سينتفض للدفاع عن الشعب الأفغاني وحمايته من السقوط في قبضة "طالبان"، وأن الأمم المتحدة ستتزعم هذه الانتفاضة، ولكن هذا لم يحدث.

تستمر الأمم المتحدة في التعبير عن القلق مما آلت إليه أوضاع النساء والفتيات، أو تحذر من عزلة أفغانستان تحت حكم "طالبان" وتفاقم الأزمة الإنسانية وغيرها، لكن تظل الأوضاع على حالها، بل ويبدو الأمر وكأن العالم، ومنظماته، قد تقبلوا الأمر في أفغانستان، أو الواقع الأممي الذي يرفع راية "ما باليد حيلة".

مقترحات لا أول لها أو آخر تتواتر على رأس المنظمة الأممية؟ الطريق إلى الأمام يتلخص في إصلاح هيكل المنظمة، وإعادة النظر في أولويات العالم في ضوء العقد الثالث من القرن الـ21 وليس بمقاييس منتصف القرن الـ20، وتمثيل أفضل لآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعديل هيكل مجلس الأمن الدولي، وتعديل أدوات التمويل ومصادره، ومواكبة حاجات مواجهة حروب العصر السيبرانية وعبر الـ"سوشيال ميديا" والأخبار الكاذبة وتجييش الرأي العام، ووضع أسس جديدة للعلاقة بين المنظمة ودول العالم، لا سيما الكبرى، والبحث عن سبل إعادة الثقة بين الدول وبعضها بعضاً، وبين الدول والمنظمة، وتقليص هامش البيروقراطية في هيئات المنظمة وتوسيع رقعة الاستقلالية، والتوقف عن سن أهداف ألفية بعيدة المنال، والتركيز على قضايا وكوارث تشغل حياة الشعوب ومصائرها على أرض الواقع، وغيرها كثير من النصائح والمقترحات.

 

المؤكد أن إصلاح الأمم المتحدة أو تحديثها أو تمكينها أو إعادة هيكلتها أمور قابلة للطرح والنقاش والاختلاف والاتفاق، لكن مشاعر القلق والخوف التي تعتري كثيراً من شعوب الأرض جراء اهتزاز مكانة المنظمة، وتسليط الأحداث الضوء على ضيق ذات يدها، وتعرضها للانتقاد اللاذع والاتهام المباشر مع استخدام أدوات "الإصلاح والتهذيب" من منع تمويل وحجب دعم وتواتر مناشدات مديري وممثلي وكالاتها المختلفة تارة لاستمرار التمويل، وأخرى لحشد الدعم من أجل الاستمرار، وثالثة لنشر الإعلانات من أجل التبرعات، ورابعة تعرب عن الأسف جراء الاتهامات الموجهة إليها أو نقص التمويل الذي تعانيه، وخامسة تتمنى تحسن الأحوال وتهدئة الأوضاع حتى تتمكن من القيام بعملها ولسان حالها يقول "ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".

في سبتمبر (أيلول) الماضي، نشرت مؤسسة "بيو" البحثية المتخصصة في بحوث الرأي العام، نتائج استطلاع أجرته في ربيع 2024 عن رأي الناس في 35 دولة بالأمم المتحدة، قال 58 في المئة من المستطلعة آراؤهم إنهم يحملون وجهة نظر إيجابية تجاه المنظمة، في حين قال 31 في المئة إن وجهة نظرهم سلبية.

مواقف الشعوب

اللافت أن مواقف الناس من الأمم المتحدة تراوحت بشدة بحسب الدولة، ولأسباب معظمها تطغى عليها السياسة. النصف أو أكثر من الأفراد في دول مثل اليونان وإسرائيل واليابان وتونس وتركيا يحملون آراء سلبية تجاهها. أما إسرائيل، وعلى رغم أن غالب الإسرائيليين يتمسكون بوجهات نظر سلبية تجاه الأمم المتحدة على مدى أعوام، فإنهم كانوا الأكثر تعبيراً علن انتقاد ورفض المنظمة في 2024 بين باقي الدول، إذ قال 76 في المئة إنهم ينظرون إليها بصورة سلبية، وكان من الطبيعي أن تكون النسبة 82 في المئة بين اليهود الإسرائيليين و53 في المئة بين العرب الإسرائيليين.

وكان لافتاً أيضاً انخفاض شعبية المنظمة وزيادة أعداد المنتقدين لها في بريطانيا، إذ قال 62 في المئة إنهم ينظرون بإيجابية إلى الأمم المتحدة، بعد ما كانت النسبة 72 في المئة العام الماضي، كذلك الحال في أستراليا وفرنسا وألمانيا والمكسيك ونيجيريا وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية والسويد، إذ انخفضت وجهات النظر الإيجابية تجاه الأمم المتحدة.

كذلك زادت نسبة الأميركيين الذين يرون المنظمة بصورة سلبية، فبلغت 52 في المئة بعد ما كانت 57 في المئة عام 2023. فقط الأرجنتينيون والهنغاريون أبدوا وجهات نظر أكثر إيجابية تجاه المنظمة مقارنة بالعام السابق.

يشار إلى أنه جرى العرف أن تتحكم الأيديولوجيات التي يعتنقها الأفراد في مواقفهم تجاه الأمم المتحدة، فالواقفون على اليسار أكثر تأييداً لها وقبولاً لوجودها وإيماناً بدورها، في حين دأب القابعون على اليمين على أن يكونوا الأكثر رفضاً، وإن كان هناك من يشذون عن قاعدة الانتماء الأيديولوجي.

الطريف أن ساحات النقاش الرقمي باتت عامرة بأسئلة على غرار "هل تثق في الأمم المتحدة؟"، "هل تحب الأمم المتحدة؟"، "هل الأمم المتحدة عدو أم صديق؟"، "هل تثق في الأمم المتحدة أكثر أم حكومة بلدك؟". أكثر الأسئلة سوداوية هو "هل تعتبر الأمم المتحدة عربة إسعاف العالم أم تكريم الإنسان؟ (نقل الموتى)"، وأكثرها طرافة كان "هل توافق على تزويج ابنتك من شخص في الأمم المتحدة؟".

المزيد من تحقيقات ومطولات