Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

تهريب الكحول في السعودية من "مندوب الليل" إلى دهاليز السفارات

آلية جديدة لتوزيع حصص البعثات من "المشروبات الروحية" للحد من التبادل غير القانوني لها... ومصادر دبلوماسية تحدثت إلى "اندبندنت عربية" عن الملابسات

 تظهر ضبطيات الجمارك في البلاد تراجع حالات تهريب الكحول، مقابل نظيرتها المتعلقة بالمخدرات الأكثر خطورة  (هيئة الزكاة والضريبة والجمارك)

تشغل سوق تهريب الممنوعات في دول العالم قطاعاً عريضاً يختلف حجمه ونوعه من دولة إلى أخرى، يبدأ بالتهرب الضريبي إلى الاتجار بالبشر وفنونه التي لا تتوقف عند حد.

وفي السعودية التي عرفت بوصفها بين أكثر دول العالم أمناً، بحسب المؤشرات الأممية، تواجه عصابات التهريب العابرة للقارات والأفراد صعوبة استثنائية في تنمية أنشطتهم، خصوصاً بعد حملات متلاحقة في البلاد ضد الفساد وغسيل الأموال والمؤثرات العقلية والجريمة المنظمة.

لكن على رغم تلك الحملات وآخرها ضد "الكبتاغون" الآتي من سوريا ولبنان، ظل نشاط تهريب الكحول، خصوصاً المغشوش منها والمصنع محلياً المعروف بـ"العرق"، من بين صنوف الاتجار غير القانوني الشائعة، على رغم تكثيف أجهزة التجارة والأمن والجمارك الضغط عليها في المنافذ، حتى صار قضية رأي عام عالجتها السينما في البلاد، لا سيما فيلم "مندوب الليل" الذي لا يزال عرضه مستمراً في دور السينما، وشهد إقبالاً واسعاً من الجمهور السعودي.

الاستيراد غير الخاضع للرقابة

وفي هذا السياق جاءت الخطوة التي كشفت عنها مصادر دبلوماسية، تحدثت إلى "اندبندنت عربية" بأن الرياض ماضية في مواجهة سوق "التبادل غير السليم للسلع الخاصة والمشروبات الكحولية التي تتلقاها سفارات الدول غير الإسلامية داخل المملكة"، طبقاً لإطار تنظيمي جديد، يستند إلى "اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية" لعام 1961، إلا أنه سيكون كفيلاً بالحد من الاستيراد غير الخاضع للرقابة لهذه السلع والمشروبات الخاصة ضمن الإرساليات الدبلوماسية.

 ونقلت "رويترز" عن وثيقة رسمية اطلعت عليها اليوم الأربعاء أن السعودية تستعد لـ"فتح أول متجر لبيع المشروبات الكحولية في العاصمة الرياض سيخدم حصرياً للدبلوماسيين غير المسلمين"، وأنه سيتعين على العملاء التسجيل عبر تطبيق للهاتف المحمول والحصول على رمز التخليص من وزارة الخارجية واحترام الحصص الشهرية مع مشترياتهم.

وتظهر ضبطيات الجمارك في البلاد تراجع حالات تهريب الكحول، مقابل نظيرتها المتعلقة بالمخدرات الأكثر خطورة مثل "الشبو والكبتاغون" التي تُصادر على نحو شبه أسبوعي بكميات تعد بملايين الحبوب، تقدر قيمتها بملايين الدولارات. بينما كانت آخر عملية ضبط للكحول بكميات لافتة، حدثت قبل نحو عامين، حين أعلنت جمارك ميناء الملك عبدالعزيز في جدة ومنفذ البطحاء  عن "إحباط ثلاث محاولات لتهريب كميات كبيرة ومتنوعة من الخمور، بلغت (66312) زجاجة، كانت جميعها مخبأة ضمن إرساليات وردت إلى المملكة من الخارج".

 

وهي على أي حال نسب ضئيلة قياساً بأعوام مضت، قدرت فيها صحيفة محلية سعودية كميات الخمر المهربة من وقائع الحالات التي ضبطتها أجهزة الرقابة في أقل من سنة بـ 312 ألف زجاجة.

لكن استغلال سفارات في السعودية جانباً من حصانتها الدبلوماسية، في تسويق كميات من الكحول لأغراض تجارية خلافاً للقوانين المحلية والدولية، خلق نوعاً من السوق السوداء خارج نطاق السياقات الآمنة.

أبعاد سد الثغرة الدبلوماسية

ويقول المحلل السعودي إياد الرفاعي من جامعة الملك عبدالعزيز إن الخطوة السعودية ضرورية للحد من السوق الموازية ذات الأضرار الأمنية والاقتصادية وربما الاجتماعية كذلك، مشيراً إلى أن الأمر لا يتوقف عند السفارات، فهناك آخرون وظفوا إدراك الطلب على هذا النوع من الممنوعات في الترويج لأنواع مغشوشة وأخرى مصنعة محلياً أو سيئة التخزين أو منتهية الصلاحية وبيعها تحت غطاء أن مصدرها من جهات دبلوماسية موثوقة، "ولهذا كان لا بد من سد هذه الثغرة، حتى لو أدى ذلك إلى استحداث تنظيم للقطاع وفق أي قيود تدرسها الجهات ذات العلاقة في المملكة".

ويرى أن استناد اللائحة المنتظر اعتمادها إلى "اتفاقية فيينا" مهم، إذ "يعني من الناحية السياسية أنه إجراء له غطاء قانوني، في وقت تنص المعاهدات الدولية على أن السفارات هي أرض خارجة عن سيادة الدول التي تقع فيها المقار، وبذلك تكون كما لو أنها جزء من أرض الدولة صاحبة البعثة، لكن ما يحدث من تعاملات باسم هذه السفارات إذا كان خارجاً عن القانون العام للدولة، فإنه يكون غير مسموح به".

ماذا تقول "اتفاقية فيينا"؟

وتشير "اتفاقية فيينا" في 1961 المنظمة للعلاقات الدبلوماسية في عدد من موادها إلى أن الحصانة التي تكفلها للبعثات الرسمية والإعفاءات ليست من دون قيود.

ففي المادة الـ42 منها تؤكد أنه "لا يجوز أن يقوم الممثل الدبلوماسي في الدولة المعتمد لديها بأي نشاط مهني أو تجاري في سبيل الكسب الخاص"، بينما شددت المادة الـ36 على أن الإعفاءات المنصوص عليها في الاتفاقية في ما يتعلق بالسلع تشمل فقط "الأشياء الواردة للاستعمال الرسمي للبعثة والأشياء الواردة للاستعمال الشخصي للممثل الدبلوماسي أو لأعضاء أسرته الذين يعيشون معه، وتدخل فيها الأصناف المعدة لإقامته".

وتلفت إحدى بنود المادة نفسها إلى أنه حتى إعفاء الممثل الدبلوماسي من تفتيش أمتعته الشخصية يكون هو الأصل، "إلا إذا وجدت أسباب قوية تدعو إلى الاعتقاد بأنها تحوي أشياء لا تمنح عنها الإعفاءات المذكورة في البند (1) من هذه المادة أو أصنافاً محظوراً استيرادها أو تصديرها بمقتضى التشريع أو تكون خاضعة لتعليمات الحجر الصحي للدولة المعتمد لديها...".

ونقلت صحيفة "عرب نيوز" السعودية عن مصادرها أن اللوائح الجديدة التي أقرتها الجهات المختصة في المملكة، لن تؤثر في حاجة الدبلوماسيين الفعلية، إذ "سيتم ضمان حصول جميع دبلوماسيي السفارات غير الإسلامية على هذه المنتجات والمشروبات الروحية الخاصة ضمن حصص محددة وعبر عملية منظمة تحظر أنشطة التبادل غير القانونية".

المشروبات ليست لكل السفارات

ولدى اتصال "اندبندنت عربية" بدبلوماسيين من دول عدة، اختلفت الإجابات والتفاعل نحو التوجه الجديد، وأفاد مسؤولان في سفارتين عضوين في منظمة التعاون الإسلامي بأن الإعفاءات في هذا الصدد من جانب السعودية "لا تشمل الدول الإسلامية حتى إن كانت تضم أقليات غير مسلمة، أو تسمح في بلدها الأم ببيع الكحول".

وأضاف أحدهما بشرط عدم ذكر اسمه أنه "منذ تأسيس السفارة لم نطلب استيراد أي نوع من المشروبات، احتراماً لقوانين البلد المستضيف، على رغم شغف بعض الأفراد".

وفي معظم دول التعاون الإسلامي يسمح بتداول ما يسمى "المشروبات الروحية" وبيعها وفق بنود تختلف من دولة إلى أخرى مثل قصرها على الفنادق الراقية وأسواق المطارات الحرة والمناطق التي يملكها في الأصل ويرتادها عادة أجانب.

وسألت "اندبندنت عربية" المتحدث الرسمي للاتحاد الأوروبي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لويس ميغيل عما يعنيه التوجه الجديد في المملكة بالنسبة إلى بلدان منظمة الاتحاد، فلم يجِب.

بينما رد ملحق في إحدى دول الاتحاد، قائلاً "سمعنا منذ وقت أن هناك إجراءات يتم درسها في هذا الموضوع، إلا أننا لم نرَ أي شيء ملموس حتى الآن. لكن يبدو مما فهمنا أن السلطات في الرياض تتطلع إلى معالجة هذه المشكلة لفترة من الوقت".

خطوة تقنين وضبط لا تزعجنا

أما أحد أشهر الدبلوماسيين المقيمين طويلاً في الرياض، فقال لنا إنه لا يرى التعليق باسمه مناسباً لحساسية الموضوع بين أوساط السلك في إحدى أكثر عواصم العالم نشاطاً في الوقت الراهن.

وأضاف "لا شك في أنه إجراء ممتاز لتقنين الموضوع وضبطه لأن هناك سفارات تستغل الأمر خارج العرف الدبلوماسي المتبع".

اقرأ المزيد

ويعتبر المحلل الرفاعي وهو أيضاً أستاذ للعلوم السياسية أن دواعي الإجراء المرتقب، "يرجح أنها تمت بعد رصد عمليات غير قانونية، إذ إن تسهيل خروج هذه المشروبات خارج السفارات كما هو مشاهد في عدد من الحالات التي وقفت عليها شخصياً، أمر يمنعه القانون السعودي بالضرورة، وله أضرار اقتصادية وأمنية لا يمكن التنبؤ بها"، مشيراً إلى أن الإجراء قد يكون بداية هيكلة هذا القطاع الذي ظل ينمو خارج نطاق التشريعات الاقتصادية والقانونية في البلاد، واستباق خروجه عن دائرة السيطرة.

ومن بين الجوانب التي يرى مراقبون أنها عجلت بتدخل السلطات في الحد من ازدهار السوق السوداء في هذا الحقل، الخشية من تهديدها سلامة السياح الذين فتحت لهم أبواب البلاد على نطاق واسع، مدفوعين بتجربتها ومعايشة فعالياتها الرياضية والترفيهية عن قرب.

سياحة من دون كحول

وفي معرض تعليق صحيفة "ذا تايمز" البريطانية على حياة اللاعبين الأجانب في البلاد، تشير إلى أن حظر استهلاك الكحول في المملكة لا يمثل مشكلة أو عائقاً بالنسبة إليهم، وسط عدد من الامتيازات الأخرى والرفاهية التي يعيشون "بلا حدود"، بحسب وصفها.

ويضيف التقرير "حتى لو كانوا يريدون الكحول، فمن السهل الحصول عليها، إما من خلال التهريب أو الاتصالات الدبلوماسية، مع توقع تخفيف القيود بصورة أكبر خلال الأعوام المقبلة كجزء من رؤية السعودية 2030".

وأوضحت وزارة الخارجية البريطانية في آخر تحديث موجه إلى مواطنيها الراغبين في السفر إلى السعودية عبر موقعها الإلكتروني أن الكحول من الممنوعات الرئيسة في البلاد، حتى وإن كان مصدرها خارجياً، في تحذير ضمني من سوقها السوداء غير مأمونة العواقب الصحية فضلاً عن الأمنية والقانونية.

ولم تعانِ السياحة السعودية أي كساد بسبب حظر الكحول أو سواها على عكس المراهنات الغربية، بل شهدت أسرع وتيرة تعافٍ في المنطقة بعد كورونا بنسبة 156 في المئة في أعداد السياح الوافدين خلال عام 2023، مقارنةً بـ2019، وفقاً لتقرير منظمة السياحة العالمية، بينما سجل القطاع نمواً تاريخياً في الربع الأول من العام الماضي بلغ 64 في المئة.

وتعاقب اللوائح السعودية مهرب الكحول بغرامة تبلغ 83 ريالاً (22 دولاراً) للزجاجة الواحدة، لكن محامين سعوديين لفتوا إلى أن هذه العقوبة يمكن أن تضاعف في حالات تكرار التهريب أو حدوث أضرار ناجمة عنه.

لكن آراء يتم تداولها على خجل في وسائل التواصل الاجتماعي ترى أن فرض قيود صارمة على السلعة المثيرة للجدل داخل البلاد والسماح بتداولها في نطاق ضيق، أخف ضرراً من رواجها القائم حالياً عبر السوق السوداء، بما يحدثه من استنزاف للاقتصاد الوطني.

"مندوب الليل" يزيح الستار

وتناول فيلم "مندوب الليل" ظاهرة تهريب الكحول بوصفها ملاذاً للثراء السريع، تحتكره عصابات خفية، مما أغرى الشاب (بطل الفيلم فيصل الدوخي) الذي طرد للتو من وظيفته بتجربة هذه النوع من النشاط بمحض الصدفة، وهو الذي لم يتبقَّ له غير توصيل وجبات المطاعم عبر التطبيقات، حين أوصل "بيتزا" إلى أحد العملاء في مجمع راقٍ شمال الرياض، ليكتشف أن العميل ينتظر طلباً آخر، باهظ الثمن تبين أنه قوارير مسكر.

استطاع الشاب تتبع موصل السلعة الثمينة حتى وقف أمام متجره المتخفي في حي قديم بالمدينة، تسلل إليه في غفلة من العمال ووجده عبارة عن مصنع لتعبئة الكحول، فسرق مجموعة من القوارير المعبأة فيه، ليقوم ببيعها إلى زبون المجمع الراقي الذي اكتشفه صدفة عند توصيل "البيتزا".

وهكذا تجاوز الشاب وأسرته الضائقة المادية سريعاً، قبل أن تتفاقم الأمور من جديد، حين تكتشف عصابة التهريب حيلته وتطارده حتى كاد يفقد حياته، وتنقلب حياته مجدداً رأساً على عقب.

 

المزيد من تحقيقات ومطولات