ملخص
تعتبر كل الدساتير والقوانين الإنسانية العامة، وخصوصاً التي تتعلق بالدول ذات الشعوب المؤلفة من خلائط ثقافية وعرقية ودينية، أن تحقيق "السلم الأهلي" أو "التعايش المشترك" شرط بالغ الأهمية لبناء دولة موحدة ومستقرة.
سمعنا جميعنا بعبارة "السلم الأهلي" مرات كثيرة، بمناسبة ومن دونها، فهي عبارة متداولة في بلادنا العربية وتحديداً منها الدول التي تتميز بتنوع ديني وإثني وعرقي مثل لبنان وسوريا والعراق، وقد ترافقها عبارة "العيش المشترك"، وهذه عبارة يستخدمها اللبنانيون كثيراً، وحدها أو مضافة على "السلم الأهلي"، وذلك منذ توقيع "اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990، ثم راح العراقيون يستخدمونها أيضاً بعد إسقاط نظام صدام حسين في عام 2003، "ولببنة" النظام السياسي العراقي كما قيل عبر توزيع المراكز السلطوية على الطوائف والمذاهب والعرقيات الكبرى في البلاد، وتحديداً منها الشيعة والسنة والأكراد، والآن بدأ السوريون يستخدمون العبارتين، ولو أن عبارة "السلم الأهلي" ما زالت في الصدارة عند السوريين، لأن العيش المشترك في ما بينهم بعد سقوط نظام بشار الأسد لا يزال بعيداً ريثما يجري إرساء النظام السياسي المقبل، الذي أظهر الإعلان الدستوري ملامحه، وحدد السنوات الخمس المقبلة بكونها مرحلة انتقالية سيتم خلالها إرساء القواعد الأساسية لإطلاق عجلة الجمهورية العربية السورية القادمة.
السلم الأهلي في الشرائع الدولية
تعتبر كل الدساتير والقوانين الإنسانية العامة، وخصوصاً التي تتعلق بالدول ذات الشعوب المؤلفة من خلائط ثقافية وعرقية ودينية، أن تحقيق "السلم الأهلي" أو "التعايش المشترك" شرط بالغ الأهمية لبناء دولة موحدة ومستقرة. وغالباً ما يشير مفهوم "السلم الأهلي" في هذه الدساتير والقوانين المحلية أو العالمية إلى حالة من إيجاد حلة من الاستقرار والانسجام داخل المجتمع، إذ تتعايش المجموعات المختلفة بسلام وتتعاون لبناء الدولة، متجاوزة الخلافات التفصيلية التي قد تؤدي إلى النزاعات، ويمكن القول إن هذا أبسط تعريف يمكن إعطاؤه لمفهوم السلم الأهلي حول العالم. ويمكن إضافة التعريف الأكاديمي الذي يعرف "السلم الأهلي" إليه بمحاولة حل النزاعات داخل المجتمع المتنوع بوسائل سلمية، مع احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.
أما "التعايش أو "العيش المشترك" فيشير إلى قدرة المجموعات ذات التعبيرات المتناقضة على العيش معاً بسلام، عبر الاعتراف والاحترام المتبادل للاختلافات الثقافية والدينية والإثنية. وتتضمن المواثيق الدولية مبادئ تدعم هذه المفاهيم، على سبيل المثال، تنص المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على تعزيز "احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع من دون تمييز"، وكذلك يهدف "القانون الدولي الإنساني" الصادر مع الإعلان العالمي لإنشاء منظمة الأمم المتحدة، إلى حماية الأشخاص المدنيين غير المشاركين في الأعمال العدائية، لتعزيز البيئات التي يمكن أن تزدهر فيها مفاهيم السلم الأهلي والتعايش المشترك.
لبنان وسوريا والعراق
تستخدم مفاهيم "السلم الأهلي" و"التعايش المشترك" في المشرق العربي كأدوات لتعزيز الوحدة الوطنية ومنع النزاعات الطائفية والإثنية، ولكن استخدامها كعبارات ومفاهيم ذات مضامين لا يبرز إلا بعد نزاعات دموية بين الجماعات المختلفة التي تشكل باجتماعها شعوب هذه الدول، وحين يصبح بناء "السلم الأهلي" ضرورة حتمية لضمان عدم عودة العنف تحت شعارات مثل إيجاد الفرصة لخلق مستقبل أفضل للأجيال القادمة عبر تعزيز دور العدالة والقانون وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الانتماء من دون المواطنية، وتكريس الحوار واحترام حقوق الإنسان. ولكن الإعلان الشفوي أو الكتابي لمثل هذه النوايا لا يعني بالضرورة أن التمنيات تصبح وقائع على الأرض، ففي الدول الثلاث المذكورة لا تزال حتى اليوم عملية إرساء سلم أهلي وعيش مشترك من دونها صعوبات كثيرة على رغم المحاولات الكثيرة والحثيثة من أجل ذلك، ويمكن القول إن التعبير العنفي عن هذا التعايش والسلم الأهليين لا يزال سائداً حتى اليوم في هذه الدول الثلاث.
محاولات دمج المواطنة بما قبل المواطنية
ولو أردنا تعداد العبارات المكتوبة أو الشفهية التي تصدر عن مؤتمرات الحوار أو عن الاتفاقات المعقودة بين مختلف أطياف المجتمعات اللبنانية والعراقية والسورية فيمكننا اختصارها بمجموعة من الشعارات المكررة، مثل ضمان حقوق متساوية لجميع المواطنين بغض النظر عن خلفياتهم لتكريس الشعور بالانتماء والولاء للدولة، أو شعار تطوير قوانين تحمي حقوق الأقليات وتمنع التمييز، مع ضمان تطبيقها بصورة عادلة، أو شعار تعزيز برامج تعليمية تشجع على فهم وقبول التنوع الثقافي والديني، وترسخ قيم التسامح والاحترام المتبادل، أو شعار تشجيع الحوار بين المجموعات المختلفة ومعالجة المظالم التاريخية من خلال عمليات المصالحة الوطنية من أجل بناء دولة موحدة ومستقرة في مجتمعاتنا المتنوعة دينياً وإثنياً، وتعزيز "السلم الأهلي" و"التعايش المشترك" من خلال سياسات شاملة تعترف بالتنوع وتحمي حقوق جميع المجموعات، وفهم السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية الفريدة لكل دولة من هذه الدول التي تضم مزيجاً متنوعاً من المجتمعات، بما في ذلك مختلف الطوائف الإسلامية مثل السنة والشيعة والعلويين والدروز والأيزيديين والإسماعيليين وغيرهم، وكذلك الطوائف المسيحية مثل الكاثوليك والأرثوذكس والأرمن والإنجيليين وغيرهم، وكذلك المجموعات العرقية غير العربية وعلى رأسها الأكراد الموجودون في سوريا والعراق، وقليلون منهم في لبنان، مع أقلية من التركمان، وهم مواطنون في هذه الدول من غير العرب.
لكن السؤال الأهم: كيف يمكن الوصول إلى تحقيق مثل هذه المقولات أو الشعارات أو المفاهيم المشتركة في دولة كلبنان يقوم نظامها السياسي على الطائفية، وهو نظام لتقاسم السلطات السياسية والإدارية والأحوال الشخصية والقانونية والتمثيل البرلماني، وفقاً للانتماء الديني للمواطنين اللبنانيين الموزعين على طوائفهم الـ18 المعترف بها؟ فهذا النظام الذي يضمن التمثيل الطائفي للحفاظ على ما يسمى "الوحدة في إطار التنوع" يقوم من جهة معاكسة بترسيخ الهويات الطائفية على حساب المواطنية، مما يعوق بناء هوية وطنية لبنانية موحدة، وهذا الأمر ما زال واضحاً في لبنان حتى اليوم وبصورة أكثر حدة، إذ بدأت مجموعات من اللبنانيين تدعو إلى التقسيم الفدرالي للبنان.
حالة لبنان المنقولة إلى العراق ثم سوريا
الانقسام اللبناني كان بدأ بعد أن أعلن الجنرال الفرنسي غورو قيام دولة لبنان الكبير في أيلول (سبتمبر) 1920، بعد وضع أسس النظام السياسي القائم على توزيع المناصب الأساسية في أجهزة الدولة بنسب محددة بين الطوائف. وهذا النظام الذي كرسه بعد الاستقلال ميثاق وطني غير مكتوب، جرى على أساسه تنظيم الحكم. وأدخل هذا النظام لبنان في سلسلة من الاضطرابات أظهرت هشاشة التركيبة السياسية التي أنتجها، كما أظهرت عجز هذه التركيبة عن تأمين أسس السلم الأهلي، فدخلت البلاد منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي في أتون حرب أهلية أنهكت قواها وأسفرت عن مقتل نحو 120 ألف إنسان معظمهم من المدنيين، ونزوح مليون تقريباً.
في سوريا التي كانت محكومة بنظام عسكري استخباري حزبي فولاذي منذ وصول "حزب البعث" إلى السلطة، راح النظام السياسي يتحول إلى ما يشبه النظام اللبناني، وهذا ما صار يطلق عليه في العلوم السياسية بصورة شبه رسمية "اللبننة". وأسهمت الحرب الأهلية السورية منذ عام 2011 مساهمة كبيرة وعميقة في بروز الانتماءات الطائفية السورية، إذ كانت مختبئة تحت عباءة النظام التوتاليتاري.
أدت الحرب الطويلة والعنيفة بين مكونات المجتمع السوري، التي توزعت بين النظام العلوي وجيشه الرسمي، وفصائل سياسية مسلحة محسوبة على الطائفة السنية، إلى تفاقم التوترات الطائفية بين السوريين، مما أدى إلى استخدام العنف، وكان آخرها تعرض الطائفة العلوية لهجمات مستهدفة في الساحل السوري، على رغم سقوط نظام الأسد وحلول نظام جديد محله يرفع الصوت عالياً في إعلان الرغبة في إنشاء دولة سورية يتساوى فيها جميع السوريين. وهذا ما يجعل الرغبات البارزة في الشعارات التي تتناول السلم الأهلي والعيش المشترك بعيدة من التنفيذ في الواقع، وكأن هذه الرغبات، ولو كانت صادقة، ستصطدم سريعاً بالانقسامات العميقة داخل المجتمع، الذي لم يهيأ أو يحضر عملياً لنبذ الانتماءات السابقة أو الأقل من المواطنية.
في العراق، كان المشهد مشابهاً منذ سقوط نظام صدام حسين الذي أدى إلى هيمنة الطائفة الشيعية على الحكم، مما أدى إلى تهميش المجتمعات السنية وتأجيج تمردها في مناسبات مختلفة، بعدما واجهت جهود تعزيز المصالحة الوطنية تحديات كبرى بسبب انعدام الثقة المتجذر الذي خلفه نظام "البعث" الصدامي خلال عقود من حكمه الحديدي، الذي طاول، بقسوته، الشيعة والأكراد أكثر من غيرهم من الأقليات العراقية الأخرى. وأسهمت "لبننة" النظام السياسي العراقي، أي توزيع السلطات السياسية على أسس طائفية، في إعاقة بناء هوية وطنية متماسكة حتى اليوم.