ملخص
مع توسع حرب الرسوم الجمركية تتزايد المخاوف من الانكماش مع تقلبات عنيفة في الأسواق واهتزاز ثقة المستهلكين
رغم إجراءات البنوك المركزية العالمية للسيطرة على التضخم المرتفع، وبعد رفعها أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية تسببت في تجاوز الدين العالمي حاجز الـ100 تريليون دولار، بدأت البنوك خفض أسعار الفائدة لكن تبعات حرب الرسوم الجمركية دفعت إلى تجدد مخاوف الركود الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق.
في التعاملات الأخيرة، سحب المستثمرون استثماراتهم بكثافة من صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع الماضي، تزامناً مع استمرار المخاوف في شأن التأثير المحتمل للسياسات التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترمب على الاقتصاد العالمي.
وأظهرت بيانات مجموعة بورصات لندن، أن المستثمرين باعوا ما قيمته 29.7 مليار دولار من صناديق الأسهم العالمية خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى أسبوعي منذ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2024، وواجهت صناديق الأسهم الأميركية أكبر موجة بيع أسبوعية في ثلاثة أشهر، بلغت قيمتها 33.53 مليار دولار.
وباع المستثمرون ما قيمته 1.11 مليار دولار من الصناديق الأوروبية، إلا أن هذا لا يزال أقل من صافي المبيعات البالغ 5.35 مليار دولار في الأسبوع السابق، مما عزز بعض التفاؤل مع موافقة البرلمان الألماني على حزمة إصلاحات الديون لتعزيز أكبر اقتصاد في أوروبا.
اهتزاز ثقة المستهلكين مع تقلبات في الأسواق
في السياق رجح تقرير حديث، أن يجدد عدم اليقين في شأن السياسات الأميركية على الصعيدين التجاري والمالي المخاوف من الركود، وأن يؤدي إلى تقلبات في السوق وتدهور في ثقة المستثمرين والمستهلكين، وهذا يسبب تغيراً كبيراً في توقعات النمو.
وذكر "بنك قطر الوطني" في تقريره الأسبوعي، بتخفيضه في وقت سابق من العام الحالي توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي إلى 1.5 في المئة، من 2.2 في المئة، لافتاً إلى تأثر النمو العالمي عام 2025 بصورة كبيرة بما سيحدث في الولايات المتحدة. وأوضح التقرير، أن التغيير الذي حدث في الإدارة الأميركية، قوبل في مستهل الأمر بتفاؤل المستثمرين، نظراً إلى التوقعات بمزيد من الإعفاءات الضريبية وإلغاء القيود التنظيمية بشكل كبير.
وهذه الخلفية الإيجابية التي سادت منذ انتهاء الانتخابات الأميركية حتى يناير (كانون الثاني) الماضي، انعكست أيضاً على الأسواق الرئيسة، إذ أشار الارتفاع الكبير في الأسهم والدولار الأميركيين، جنباً إلى جنب مع انتعاش العائدات طويلة الأجل "سندات الخزانة الأميركية لـ10 أعوام"، إلى صعود توقعات النمو الأميركي وتفوق أداء الولايات المتحدة على بقية العالم.
وقال التقرير، إن انعكاساً مفاجئاً حدث في معنويات السوق في فبراير (شباط) الماضي، إذ أطلقت الإدارة الأميركية الجديدة بعض مبادراتها السياسية الجديدة. وفي غضون أسابيع قليلة، تلاشت "تداولات الأسهم عالية النمو" التي تزامنت مع بداية ولاية ترمب، مع تراجع كل تحركات السوق الرئيسة إلى مستويات ما قبل الانتخابات.
وفي نهاية فبراير وبداية مارس (آذار) الجاري، تغيرت الأخبار المرتبطة بالنمو أيضاً من سيناريو "عدم الهبوط" والمخاوف من فرط النشاط والتضخم إلى المناقشات حول الركود الوشيك.
في الواقع، يشير نموذج التنبؤات الذي وضعه بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، حالياً إلى انكماش عميق بنسبة 2.4 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي الأميركي في الربع الأول من عام 2025، وهو تدهور حاد مقارنة بالتوسع الذي بلغت نسبته 2.3 في المئة خلال الربع السابق.
وتساءل التقرير في تحليله عن التغيرات الجذرية التي أدت إلى هذا التدهور في النشاط وتوقعات السوق، مرجعاً ذلك إلى عاملين رئيسين، أولهما أن التعريفات التجارية أصبحت أولوية سياسية للحكومة على نحو أكبر بكثير مما كان متوقعاً في السابق لتشمل المناقشات حتى الآن تعريفات جمركية بنسبة 25 في المئة على كندا والمكسيك، و20 في المئة على الصين، و25 في المئة على جميع واردات الصلب والألمنيوم، و"تعريفات شاملة" و"على أساس المعاملة بالمثل" على جميع الدول والمنتجات.
تفاقم أزمة عدم اليقين من التجارة العالمية
التقرير أشار إلى أنه بالنظر إلى هذه المناقشات مجتمعةـ فإنها تمثل زيادة كبيرة في عدم اليقين في شأن السياسة التجارية. ووفقاً لمؤشر عدم اليقين في شأن السياسة التجارية، الذي يقيس التكرار الشهري للمقالات التي تناقش عدم اليقين في شأن السياسة التجارية كنسبة من إجمال عدد المقالات الإخبارية في الصحف الأميركية الرئيسة، فإن عدم اليقين في شأن التجارة أعلى بالفعل مما كان عليه خلال ذروة "الحرب التجارية" مع الصين خلال ولاية دونالد ترمب الأولى "2017 - 2021".
ويؤدي ذلك إلى تعطيل خطط النفقات الرأسمالية من قبل الشركات الكبرى والمستثمرين الأجانب المباشرين، إذ يتعين إعادة تصميم سلاسل التوريد وإعادة تقدير هياكل الكلفة. وتعد التعريفات الجمركية شكلاً غير مباشر من الضرائب التي تؤثر سلباً في الدخل المتاح للأسر، مما يشكل ضغطاً على الاستهلاك الإجمالي، ومن ثم، تضعف الرسوم الجمركية تفاؤل السوق، مما يؤدي إلى انخفاض الاستثمار والاستهلاك والنمو.
ورأى التقرير لدى تناوله العنصر الثاني، أن التحول المفاجئ في الأولويات المالية يؤثر أيضاً بشكل سلبي على توقعات الطلب والنمو.
وفي الأعوام الأخيرة، انتهجت الولايات المتحدة سياسات مالية توسعية، مما أدى إلى زيادة عجزها إلى نحو سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز أدائها الاقتصادي.
في الوقت الحالي، وبينما يعد الفريق الاقتصادي التابع للإدارة الأميركية الجديد عملية ضبط مالي كبيرة لخفض العجز إلى ما يقارب ثلاثة في المئة، قد يتباطأ النمو الأميركي بشكل ملحوظ. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المبادرات السياسية التي أطلقتها الحكومة لتعزيز الادخار والتحسين، مثل تلك التي تنفذها وزارة الكفاءة الحكومية، عُدت مفرطة في القسوة، مما ولد حالاً كبيرة من عدم اليقين والقلق والمعارضة.
وتثير التهديدات بالتسريح الجماعي لموظفي القطاع العام الأميركي مؤشراً سلبياً بخصوص ثقة المستهلك، إذ تعد الحكومة الأميركية أكبر جهة توظيف منفردة في البلاد بفارق كبير، وتوظف نحو 3 ملايين مدني وتحشد نحو 1.3 مليون عسكري في الخدمة الفعلية، ولذلك، يؤثر التقشف المالي والمبادرات التي ترعاها وزارة الكفاءة الحكومية سلباً على الاستهلاك والطلب الكلي الإجمالي، مما يرجح أن يكون مثبطاً للنمو.