ملخص
هل نرغب في اكتشاف معنى الحياة وتذوق الشعور بالفرح؟ هل السعادة هي غاية الحياة القصوى؟ ما السعادة؟ وكيف نصل إليها؟ هل هي في متناول الجميع؟ هل هي نتيجة قرار شخصي أم أن تحقيقها خارج عن إرادتنا؟ عن هذه الأسئلة وغيرها يجيب كتاب المفكر وأستاذ الفلسفة في جامعة باريس - نانتير الفرنسي إيف روكوت (مواليد 1953) وعنوانه "اليوم السعادة، اكتشاف معنى الحياة" الصادر حديثاً في باريس عن منشورات سيرف (2025).
كتاب "اليوم السعادة، اكتشاف معنى الحياة" عبارة عن دليل للتأمل وتحقيق الذات، يفتح أمام قرائه، سواء كانوا في بداية حياتهم أم في مرحلة متقدمة من البحث عن المعنى، آفاقاً عملية لعيش حياة أكثر هدوءاً وسعادة. وقد صمم كدفتر سفر دون فيه رجل يتكئ على عصاه تفاصيل سعيه وراء السعادة التي وجدها بعد جهد طويل قرب ينبوع ماء.
كان هذا الرجل قد سافر قبلاً متنقلاً من محطة قطار إلى أخرى، مستجوباً الحكماء واللاهوتيين والفلاسفة والعلماء، مدوناً أفكارهم وتعاليمهم، واضعاً في جيبه الأمامي التعاليم والأفكار الروحية السامية، وفي جيبه الخلفي مختلف الأفكار والسموم التي تقض مضجع الحياة. وفي ترحاله من "حال الطبيعة" التي عاش بحسبها الأجداد، إلى صعوده في قطارات الشرق والغرب منقباً في الثقافات والحضارات المختلفة، ووصوله إلى "وادي العسل"، غاية رحلته المنشودة، جمع في طريقه المفاتيح الأربعة للسعادة وهي الإبداع والحرية والطاقة الخلاقة والمصالحة مع الكون.
هذه هي الصيغة البسيطة التي يكتشفها هذا المسافر في "وادي العسل". لعلها تمثل ما من أجله وجد الإنسان، لأن ما يميز البشر عن سائر الكائنات الحية بحسب المؤلف، ليس الذكاء الذي تملكه بعض الحيوانات، بل الإبداع والحرية والقدرة على الخلق والابتكار والعيش بتناغم مع الطبيعة.
الكتاب شيق يأخذنا برفقة هذا المسافر الذي يشبه كل واحد منا في رحلة استكشاف للنتاج الفكري والثقافي الذي راكمته الإنسانية عبر التاريخ، لنتعرف من خلاله على معتقدات الأجداد القدماء في أفريقيا، وعلى حكمة الروحانيين في آسيا، وعلى أفكار الفلاسفة والمدارس والتيارات الروحية والفلسفية الكبرى في أوروبا، في شرح ومناقشة لأهم التجارب والنظريات المتعددة التي تناولت موضوع الحياة السعيدة. كل ذلك في قالب روائي يدخل القارئ بسهولة إلى عوالم الفكر والأديان والفلسفة، إذ يتداخل في الكتاب السرد بالأدب، والتاريخ بالأديان والأفكار بالتيارات الفلسفية المختلفة التي أوصلت في نهاية المطاف المسافر إلى خواتيم سعيه أي "وادي العسل". فهل سنصل، نحن قراءه إلى هذا الوادي ونتخلص من الخوف والشعور بالذنب والشقاء؟
البحث عن الجذور
تبدأ إذاً رحلة البحث عن السعادة باستكشاف جذورها كما تبدت في المعتقدات الأفريقية التقليدية التي ربطت بين الفرد والمجتمع والطبيعة، وتحديداً في تنزانيا، حيث تعرف المسافر على الإحيائية، أي الاعتقاد بوجود الأرواح في كل الكائنات الحية والجامدة، ورأى الأدوات والمساكن التي تعد أول أشكال الإبداع والروحانية البشرية، فتمكن من وضع يده على المفتاح الأول للسعادة وهو ضرورة التفاعل مع الطبيعة والعيش بتآلف معها. ذلك أن المعتقدات والأساطير الأفريقية المتعلقة بأصل العالم ومصير الفرد بعد الموت والتي يستعرضها الكتاب تعلمنا أن السعادة ليست مجرد هدف شخصي، بل هي جزء من علاقة جماعية أوسع. لعلها تتلاقى بمعنى ما مع الحكمة الآسيوية التي نغوص مع المؤلف في تعاليمها المتحدثة عن التوازن الداخلي والانسجام مع الكون كما تتجلى في البوذية والطاوية والكونفوشية وغيرها.
ثم يواصل هذا المسافر بحثه عن السعادة بعد مغادرته أفريقيا على متن قطار الشرق السريع المتجه إلى المحطة الثانية من سعيه وهي محطة مصر وسومر، حيث يكتشف حقيقة التقدم الروحي، والذي سيتم تأكيد أهميته في محطات الشرق الأقصى، حيث الهندوسية والبوذية والكونفوشية والطاوية والشنتوية.
في سومر، مهد الكتابة، سيرى المسافر بأم عينه كيف أن البشرية اعتقدت أنه حكم عليها بالشقاء من قبل الآلهة وأنها غير قادرة على تغيير واقعها، لكنه سيدرك لاحقاً أن الاستقرار وتقدم المعارف هما نتائج ثورة روحية غير مسبوقة حطمت الإحيائية ومكنت الإنسان من إدراك أنه غير محكوم بالشقاء، وأن وجوده ليس كوجود عناصر الطبيعة الأخرى.
لكن بعد مغادرته هذه المحطة، منطلقاً باتجاه الهند، سيكتشف في بلاد الهندوسية تقدماً جديداً، يتمثل بالاعتراف بـ"الأنا" والطاقة التي تحكم العالم، وسيدرك أن هذه الروحانية التي تقلل من شأن معاناة البشر، تعلم أن خلاص الإنسان لن يكون إلا بتناسخ الأرواح وإذابة "أناه". وسيواصل هذا المسافر رحلته باتجاه أقاصي الشرق، ليكتشف البوذية وتعاليمها التي تعترف بحقيقة معاناة "الأنا"، وقولها بالرحمة والتعاطف وفرح العيش مع الآخرين، لكنه سيلاحظ بأسف أيضاً أنها تدين "الأنا" وتعدها مسؤولة عن شقائها بسبب أفعالها والعواقب الأخلاقية الناتجة منها. لذا تطلب البوذية من "الأنا" أن تنظر إلى معاناتها كفرصة لتحقيق الخلاص من خلال تذويب نفسها في الكون بغية الوصول إلى النيرفانا.
على جمال هذه التعاليم، لم يرتوِ غليل هذا الرجل الباحث عن السعادة وسيواصل ترحاله باتجاه الصين، حيث سيتعرف، ونتعرف نحن برفقته، على الطاوية والكونفوشية والشنتوية وغيرها من العقائد. وبعد اطلاعه على أفكار وتعاليم هذه الأديان والفلسفات، سيقفل هذا المسافر عائداً إلى الغرب، سالكاً طريق القدس، المحطة الأكثر تقدماً في رحلته، حيث سيكتشف المفتاح الثاني للسعادة، عنيت السيطرة على الطبيعة وتطوير المعارف والتقنيات، بغية مواجهة الشقاء الناتج منها وعن أفعال البشر. وها هو ذا سيتوقف منبهراً أمام تعاليم الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلام، لا سيما وصايا المسيح المتعلقة بمحبة القريب، متذوقاً طعم السعادة.
مفكرون وفلاسفة
لكن السرد لا يتوقف هنا، إذ يرى المسافر أن هذا الحب للآخر ما هو إلا وصية، مما يعني أن "الأنا" ما زالت قادرة على العصيان. لذلك، سيواصل سعيه مستقلاً قطار "الغرب السريع"، حيث سيلتقي في أثينا بمفكرين وفلاسفة عظام، بعضهم من تلامذة أفلاطون وأتباع أرسطو وأبيقور والرواقيين ناهلاً من تعاليمهم التي يستعرضها المؤلف بأسلوبه الجميل. وعلى متن القطار نفسه المتجه إلى روما، سيتذوق هذا المسافر نفسه طعم العسل مع شخص يدعى أغسطينوس ثم مع أحد تلامذة ابن رشد... وعند توقف القطار في باريس، قرب باحة السوربون، سيذهل بتعاليم توما الأكويني، وسيبدأ بالتمييز بين اللذة والفرح والنشوة والتأمل والسعادة المطلقة. وها هو ذا، أثناء تناوله الطعام في "حانة الإنسانويين"، سيكتشف المفتاح الثالث للسعادة، وهو محبة النفس والاستمتاع باللحظة الحاضرة، لكن هذا المسافر سيظل غير راض عن اكتشافاته. وسيواصل بحثه عن كيفية الخلاص من بؤس العالم، متسائلاً عن ماهية "الأنا، متحدثاً مع الديكارتيين، متابعاً ترحاله على متن القطار المتجه إلى لندن، حيث سيلتقي الليبراليين والنفعيين، الذين يستعرض تعاليمهم وتفاسيرهم لمعنى الحياة. ثم سيعود إلى باريس ليكتشف أفكار فولتير وروسو، ومنها سينتقل إلى ألمانيا، حيث سيتذوق بعض العسل مع تلامذة الفلاسفة الألمان العظماء، أمثال كانط وفيشته وهيغل ونيتشه وماركس، لكن لا أحد من هؤلاء سيروي عطشه. لذا سيقرر متابعة سفره بحثاً عن مفاتيح السعادة، وسنواصل نحن القراء التعرف معه على فكر غوته وبرغسون وماكس بلانك وسواهم، لكنه في لحظة إشراق، وبعد رحلة مضنية، سيجد المفتاح الرابع للسعادة التي تكمن بحسبه في الطاقة الخلاقة والعيش بتناغم مع الكون.
يناقش كتاب إيف روكوت إذاً العقائد الدينية والفلسفات الأوروبية وتطورها متوقفاً عند ربطها بين العقل والسعادة، متأملاً في مفهومي الحرية وتحقيق الذات، مستعرضاً أفكار الفلاسفة الذين شكلوا فهمنا الحديث للسعادة، داعياً إيانا إلى تجاوز الانقسامات بين العقلانية والروحانية بغية بناء رؤيتنا الخاصة للحياة السعيدة بأسلوب روائي سهل. وبعد التعرف على هذه المعتقدات والأفكار والنظريات المختلفة، يأخذنا هذا الكتاب الجميل إلى الحاضر ومخاوفه وأعبائه. ولئن كان لا يقتصر مضمونه على الاستكشاف الثقافي والتاريخي لمفهوم السعادة، فإنه يقدم تحقيقاً نقدياً للعناصر التي تعرقل أو تدعم السعادة، مجيباً على الأسئلة الآتية: ما الأوهام التي تضللنا؟ وما العلاجات التي تواجه الخوف والشعور بالذنب؟
على تتالي صفحات "اليوم السعادة، اكتشاف معنى الحياة"، التي تستعرض الحقب الزمنية المختلفة ورؤيتها للسعادة، نتعلم كيفية التعرف على الأنبياء الزائفين والتمييز بين الحلول المقترحة لإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للحياة، من خلال "وصفة السعادة"، التي يقدمها المؤلف والتي تحرر الإنسان من الخوف والشعور بالتعاسة، حتى وصوله إلى إدراك جوهر الفرح والخلود. تختتم الرحلة كما سبق وأشرت، في مكان رمزي يدعى "وادي العسل"، وهو عبارة عن استعارة للدلالة عن حال من الرضا الكامل، حيث لا وجع ولا خوف ولا ذنب. فهل سنجرؤ كبطل الكتاب على ركوب القطار الهادئ الذي يقودنا إلى الفرح والسرور الداخلي؟
نقرأ كتاب إيف روكوت بشغف كرحلة استكشافية وكمرجع شامل في فلسفة الأخلاق، لكنه أكثر من ذلك بكثير. إنه قصة العلوم والتقنيات والتنمية الاقتصادية والفن والميتافيزيقا والتقدم الروحي والفكري واكتشاف الوصفة التي تواجه بها الإنسانية قوى الشر والتدمير، والتي هي في الوقت عينه أعمدة روحية تقوم عليها السعادة.
يؤكد روكوت أن السعادة ممكنة التحقق، هنا والآن، وأنها ستدوم إلى الأبد. ذلك أن الإبداع والحرية والطاقة الخلاقة والمصالحة مع الكون ما هي إلا مرادفات الخلود.
كتاب إيف روكوت ملحمة روحية كثيفة، لكنه أيضاً ملحمة شخصية ورحلة إرشادية. نقرؤه كما نقرأ سفراً أسرارياً يكشف لنا شيئاً فشيئاً عن حقائق الحياة. فيه يتحدى المؤلف بعض المسلمات والأفكار المعاصرة مثل التشكيك في ارتباط فلاسفة عصر الأنوار بالحريات الفردية، وانتقاد الأوهام التي تحملها الإيكولوجيا الراديكالية والتكنولوجيا ومعارضته "للنظرية الفرنسية" والعلموية والووكية قاطعاً دابر "الفزاعات" التي يستخدمها "أنبياء الشؤم"، كاشفاً لنا عن أن تحقيق السعادة وتحرير الطاقة الإبداعية لكل فرد منا، أي الوصول إلى "وادي العسل"، لا يمكن أن يكون إلا من خلال الانطلاق من الطبيعة البشرية الإبداعية الحقيقية، علماً أن كل فرد منا يمكنه أن يكون سعيداً على طريقته لامتلاكه طبيعة مبدعة.
في هذا الكتاب كثير من الرموز والأسرار التي أتركها للقارئ، مثل معنى عصا المسافر وأسماء الشوارع والحانات وصوت الأجراس وماء الينبوع و"تعال!". ليس ثمة صفحة فيه من دون لغز. هو في آخر المطاف دائرة معارف في الأدب والفلسفة والعلم واللاهوت.