ملخص
يعود التوجه إلى اقتراح المحارق في كل مرة تبلغ فيها أزمة النفايات الذروة في غياب الحلول المستدامة الأخرى التي يمكن أن تشفي غليل المواطنين في مواجهتها وتجنبهم أمراضاً كثيرة يتعرضون لها بسبب تكدس النفايات في الشوارع وفي مناطق معينة. اليوم، عادت وزيرة البيئة تمارا الزين وطرحت في أحد اللقاءات التلفزيونية فكرة إقامة محرقة في لبنان كحل جذري لأزمة النفايات استناداً إلى تجارب ناجحة أشارت إليها لدول في هذا المجال.
يمتد تاريخ أزمة النفايات في لبنان إلى أكثر من ثلاثة عقود في ظل سوء إدارة واضحة لهذا الملف، مما أدى إلى تفاقم الأزمة عاماً بعد عام، بدلاً من أن تتوافر الحلول لها. ويبدو الفساد من الأسباب الواضحة لهذه الأزمة المتفاقمة، وما يبدو واضحاً أن طرح فكرة إقامة المحارق يعود، في كل مرة، تشتد فيه الأزمة أو تبرز فيها الحاجة إلى طرح حلول سريعة لمعالجتها. وتعود المشكلات المرتبطة بها إلى فترة الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990، وإنشاء مطمر النورماندي (بيروت)، وغيرها من الحقب التي أدت إلى تفاقمها، ولاحقاً وجدت مطامر مثل تلك التي أقيمت في برج حمود والناعمة (جبل لبنان) لتزيد الوضع سوءاً بغياب الحلول البعيدة المدى.
المحرقة أسرع الحلول
يعود التوجه إلى اقتراح المحارق في كل مرة تبلغ فيها أزمة النفايات الذروة في غياب الحلول المستدامة الأخرى التي يمكن أن تشفي غليل المواطنين في مواجهتها، وتجنبهم أمراضاً كثيرة يتعرضون لها بسبب تكدس النفايات في الشوارع وفي مناطق معينة. اليوم، عادت وزيرة البيئة تمارا الزين وطرحت في أحد اللقاءات التلفزيونية فكرة إقامة محرقة في لبنان كحل جذري لأزمة النفايات استناداً إلى تجارب ناجحة أشارت إليها لدول في هذا المجال.
وأدى هذا المقترح إلى استنفار المنظمات البيئية والجهات المعنية في مواجهة حل مرفوض جملة وتفصيلاً. وكان مشروع قانون المحارق قد طرح من وزارة البيئة ومجلس الإنماء والإعمار في عام 2010 ضمن الخطة الوطنية الشاملة لمعالجة النفايات الصلبة التي اعتبرها متخصصون في مجال البيئة أشبه بالكارثة الوطنية. لذلك، حصلت تحركات عديدة لوقف المشروع وتعزيز العمل على خطة مستدامة لإدارة النفايات الصلبة في البلاد من دون أن تنجح أية مساعٍ لإيجاد حل فاعل. واستمرت الأزمة بالتفاقم سنة بعد سنة، وبقيت النفايات تتكدس في الشوارع، بما أن الحلول الموقتة لمعالجة النفايات كانت تشهد في كل مرة انهياراً كارثياً، ولم ير المواطن أي تطبيق للنظريات كافة التي طرحت من وقت إلى آخر لمعالجة الأزمة. وكان المجتمع المدني يقف بشراسة ويقود معارك في مواجهة مشروع المحارق من عام 2010 كحل للتخلص من النفايات. وأثمرت هذه الجهود بإقرار قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة عام 2018 الذي ألغى فكرة المحارق في المادة الثانية منه، مؤكداً مبدأ التدوير واسترداد الطاقة من العوادم غير الخطرة ذات القيمة الحرارية وصولاً إلى التخلص من العوادم في المطامر الصحية، وفق ما أكد رئيس "جمعية الأرض" بول أبي راشد في بيان صادر عن الجمعية.
إنتاج الكهرباء من النفايات
فإذا كانت تصريحات وزيرة البيئة في شأن إنشاء محرقة في لبنان لإنتاج الكهرباء من النفايات استناداً إلى تجربة دبي "الناجحة" لها أسس علمية، بدا الإعلان عنها مباشرة بعد حصول الحكومة على الثقة وعبر حلقة تلفزيونية صادماً، خصوصاً أنها لم توضح التفاصيل العلمية المقنعة التي تستند إليها. وبدا أنها تجاهلت العواقب البيئية والصحية والاقتصادية الخطرة للمروع وفق البيان الذي أصدره ائتلاف إدارة النفايات اعتراضاً على قرار مماثل. واعتبر أيضاً أن قرار الوزيرة "تجاهل نتائج التقييم البيئي ونسف العمل المؤسسي ويهدد بالعودة إلى السياسات العشوائية التي أغرقت لبنان في أزمات متتالية". ودعا الوزيرة إلى احترام النقاش العلمي بوجود الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، مشيراً إلى أنها عملت بتصريحها على إلغاء الجهد المؤسسي في إدارة النفايات لتروج لحلول غير مناسبة فقط لأنها معتمدة في دول أخرى، في وقت "لبنان ليس مهيأ لاعتماد المحارق كحل لأزمة النفايات بما أن أكثر من نسبة 60 في المئة من النفايات الصلبة فيه هي مواد عضوية ذات نسبة رطوبة عالية ما يجعلها غير مناسبة للحرق من دون الحاجة إلى كميات ضخمة من الوقود الإضافي".
وجاء في البيان أيضاً أن لبنان يفتقر إلى بنية تحتية قادرة على مراقبة الانبعاثات السامة وإدارة النفايات الخطرة الناتجة من الحرق، مما يجعل مشروعاً مماثلاً مصدراً لخطر كبير على الصحة العامة والبيئة، إضافة إلى أن "المحارق تهدد الصحة العامة وتفاقم أزمة التلوث بحسب اتفاقية ستوكهولم، بما أن محارق النفايات تعتبر أهم مصادر انبعاثات الديوكسين والفوران، وهما من أشد المواد السامة والمسرطنة. كما أن بيروت تعاني أصلاً مستويات تلوث هوائي تفوق بأضعاف الحد المسموح به عالمياً".
أما كلف المحارق فتعتبر باهظة وقد تتجاوز 160 دولاراً للطن الواحد كما جاء في البيان، وهي أضعاف كلفة الفرز والتدوير والتسبيخ. أما الطاقة المستخرجة من المحارق فستكون ضئيلة بالمقارنة مع الأضرار البيئة والصحية.
فرصة لمواجهة الأزمة
وفيما تعذر الحصول على رد من قبل وزيرة البيئة تمارا الزين حول الدوافع العلمية التي دفعتها إلى التقدم بالاقتراح، لفت المهندس الكيماوي داني الحلو الذي سمته وزيرة البيئة لتوضيح الأسس التي يمكن الارتكاز عليها في تطبيق المشروع، إلى أن تسمية المحرقة المتعارف عليها في اللغة العامية ليست دقيقة، مشدداً على أن التعريف الأدق للمشروع هو "التفكك الحراري الذي يعتبر أساساً في لبنان وليس اختيارياً، وهي خطوة أساسية لا بد من الإقدام عليها. أما كل الأصوات المعارضة التي تتحدث عن التلوث والكوارث البيئية التي قد تنتج منها، فيطلب منها تقديم الحلول بدلاً من المعارضة العشوائية".
في الحديث عن "التفكك الحراري"، أشار الحلو إلى وجود 13 من العناصر التي يجب التدقيق فيها وبمستوياتها وهي:
- الدخان الأسود
- الرماد
- ثاني أكسيد الكبريت
- أحادي أكسيد الكربون
- فلورايد الهيدروجين
- كلورايد الهيدروجين
- ثنائي أكسيد النيتروجين
- الزئبق
- الكادميوم
- الرصاص
- الديوكسينات
- النيكل مع الزرنيخ
- الكروم مع القصدير والأنتيمون والنحاس والمنغنيز
وتابع الحلو، "وهي مجموعة انبعاثات الغاز التي ثمة معايير دولية تخصها وتحدد مستوياتها على صعيد عالمي ولا يمكن تخطيها، وما دام هناك احترام لمعدلات هذه الانبعاثات التي تحددها المعايير الدولية في المحرقة لا مشكلة فيها، لكن الاعتراضات على هذه الفكرة تنبع من انعدام المعلومات العلمية التي تقدم حولها"، مضيفاً أن "المطلوب، في المرحلة الحالية، البدء بفرز النفايات ما بين تلك العضوية والصلبة والمخلفات السامة الطبية والصناعية. في المرحلة الحالية، لن ينطلق المشروع بمحرقة لمختلف النفايات، بل الانطلاقة ستكون مع المخلفات السامة من الرعاية الصحية في المستشفيات وتتخطى معدلاتها 25 ألف طن، وتلك الناتجة من المصانع وتتخطى معدلاتها 188 ألف طن، كمرحلة أولى، وفق ما نقترحه. وفي حال نجاح التجربة يمكن الانتقال في مرحلة أخرى إلى باقي أنواع المخلفات. فلا بد من جمع النفايات الصادرة عن المستشفيات والمصانع لأنها خطوة جوهرية لتفادي تفاقم أزمة النفايات. وهو مقترح علمي نتقدم به كمجموعة لمعالجة صنفين من أربع من النفايات الموجودة في البلاد، وانطلاقاً من ذلك، يمكن اللجوء إلى المحرقة لأنه ما لم يتم التخلص من هذه النفايات، نحن ذاهبون إلى كارثة بيئية حقيقية ولا مفر من ذلك. فحتى اللحظة ترمى النفايات بطريقة عشوائية في الطبيعة وتسبب أمراضاً كثيرة. وعبر إقامة المحرقة لهذين النوعين من النفايات ما يتبقى هو نسبة اثنين في المئة من حجمها، فيتخذ القرار عندها في شأن معالجتها والتصرف بها محلياً أو إرسالها إلى خارج لبنان. فيكون جزء كبير من المشكلة قد عولج. وما يمكن أن نؤكده أنه ما من انبعاثات سامة أو أخطار في محيط المحرقة حيث تقام، وهذا ما يجب أن يدركه الناس".
وتصل كلفة إقامة المحرقة إلى ما يقارب 5 ملايين دولار، بحسب الحلو، "ومن المفترض أن يتأمن التمويل من القطاع الخاص، على أن تخضع العملية لإدارة مشددة ودقيقة من قبل وزارتي البيئة والصحة والمجتمع المدني، وأن تنشر مستويات انبعاثات الغاز منها بشفافية تامة بحيث يمكن لأي كان الاطلاع عليها، والتأكد ما إذا كان هناك تخطٍّ للمعايير الدولية". ويضيف أن تجارب المحارق في الخارج كانت ناجحة، وأنه يمكن تحليل الانبعاثات محلياً بعكس ما يشاع، "أما التجارب التي فشلت فترتبط بسوء الإدارة وغلبة المصالح. ويكفي أن المشروع يسمح للبنان بمواجهة هذه الأزمة، ويساعد على خفض الفاتورة الاستشفائية والحد من معدلات الإصابة بالأمراض، إضافة إلى ما ينتج منه من تحول إيجابي في الطبيعة والبيئة مع تراجع معدلات النفايات الضارة التي ترمى فيها. بالتالي هي خطة مستدامة تظهر إيجابياتها على المدى البعيد، تماماً كما تعمل الدول المتقدمة على استراتيجيات وخطط مستدامة بعيدة المدى بدلاً من التركيز على الربح السريع والمصالح الخاصة. ويسهم ذلك في تحسن في مختلف القطاعات في الزراعة والماء وفي الفاتورة الدوائية والاستشفائية"، علماً أن التعرض للمخلفات الخطرة والسامة يسبب مشكلات صحية عديدة منها ما يرتبط بالجهاز التنفسي والجلد، ومنها ما يؤثر في الجهاز العصبي، إضافة إلى ما قد يسببه ذلك من ارتفاع في خطر الإصابة بالسرطان. وقد لوحظ ارتفاع في معدلات الإصابة بأمراض معينة في محيط المناطق الصناعية والمطامر العشوائية.
وشدد الحلو على أن هذه الخطة لا تتطلب فرز النفايات "بل يكفي الانطلاق بالمشروع باتفاق الدولة مع شركة متعهدة مجهزة بمحرقة، وحائزة على الرخص كافة من وزارة البيئة، فتتولى جمع النفايات من المستشفيات كافة على مختلف الأراضي اللبنانية، مع لوائح واضحة بالمواد شهرياً. وتجمع النفايات وتدمر في المحرقة مع تبليغ وزارتي البيئة والصحة بكميات النفايات وما دمر، مع إصدار وثائق لكل مستشفى بالنفايات والكميات التي دمرت، أما ما يتبقى من رماد منها، فيتخذ قرار بتحويله لإنتاج أسمنت أو أسفلت، أو بإرساله إلى الخارج لتدميره خارج الأراضي اللبنانية".
أما في شأن انبعاثات الغاز في عملية تدمير النفايات في المحرقة، فتتبع معايير دولية يجب التقيد بها كأي بلد في العالم ويمنع تخطيها تحت أي ظرف من الظروف، وألا يكون على المتعهد تسديد غرامات، وينطبق ذلك على نفايات المصانع للتخلص منها، وفي حال نجاح هذه التجربة، يمكن الانتقال في خطة مختلفة إلى النفايات الصلبة والعضوية، وفق ما يوضح الحلو.
أخطار إقامة المحارق
في مقابل المعطيات التي قدمها الحلو شدد المهندس البيئي والصناعي زياد أبي شاكر على أخطار إقامة المحارق في لبنان بعدما أثبتت تجارب مماثلة فشلها في دول أخرى، باستثناء الدول التي تملك كل الإمكانات اللازمة لإدارتها بالصورة المناسبة بطريقة مشددة.
وكان أبي شاكر عمل طويلاً على الملف وصولاً إلى متابعته وتصويره لتجربة الدنمارك مع المحرقة ونقلها عبر وثائقي مصور في ظل النقاش حول هذا الموضوع في لبنان. ففي إحدى المناطق فيها قام بزيارة محرقة أقيمت منذ أكثر من 26 سنة للحصول على كل الأجوبة المتعلقة بالتحديات في تجربة مماثلة، علماً أن الدنمارك كانت ترمي، قبل عقود، النفايات في البحر، وهي تدفع حتى اليوم بعد عقود، ثمن الأخطاء التي ارتكبت. أما المحرقة التي أقيمت فتحرق 800 طن من النفايات يومياً بالحرق المباشر ولا وجود لفكرة التفكك الحراري أبداً كما يعتبر فريق الخبراء الذي زاره أبي شاكر. وبعد متابعة مختلف مراحل التشغيل خلال 10 أيام، تبين ما لهذه التجربة من تحديات لا تعد ولا تحصى وما تتطلبه من إدارة متشددة في بلاد لها الإمكانات لذلك والمختبرات لتحليل الغازات والانبعاثات والرماد الذي تخلفه عمليات الحرق. أما في لبنان فلا تتوافر حتى القدرة والمختبرات للقيام بعمليات التحليل المطلوبة. أما تأهيل هذه المختبرات، فتصل كلفه إلى ما يزيد على مليون ونصف المليون دولار.
وأكد أبي شاكر أن الأخطار المرتبطة بالمضي بمشروع إقامة المحارق ليست بيئية فحسب، إنما مالية أيضاً لاعتبار أن هذه المنظومة مكلفة للغاية من حيث البناء، فيما لا يسمح وضع لبنان بالمضي بمشروع مماثل وتحمل كلفه الباهظة، إضافة إلى ما له من محاذير بيئية وصحية، "ينتج لبنان ما لا يقل عن 6000 طن من النفايات ولا يمكن لأكبر محرقة أن تتولى ما يزيد على 1500 طن، إضافة لما لهذه العمليات من كلف باهظة وشروط لإدارتها. وتتخطى كلفة مشروع مماثل ما لا يقل عن مليار ونصف المليار دولار. أما الدول التي نجحت في مشروع مماثل فلها قوانين بيئية صارمة وهي في غاية التشدد في موضوع الانبعاثات وتتعامل معها بجدية. أما تجربة دبي فلم تقدم لنا تحاليل الانبعاثات حتى نتأكد ما إذا كانت ناجحة فعلاً. وحتى في الدنمارك، لم يكن هناك قبول لفكرة إحضار الرماد المتطاير إلى أية منطقة لخطورته. لذلك، أقيم اتفاق لنقله إلى جزيرة غير مأهولة".
المعطيات العلمية
بعد اجتماعه مع وزيرة البيئة وعرضه كل المعطيات العلمية التي لديه في شأن أخطار إقامة محرقة، أشار أبي شاكر إلى أنها أظهرت تجاوباً ودعت إلى اجتماع آخر مع خبراء لتقديم عرض علمي في هذا الشأن. أما الحل الوحيد الذي يجده الأفضل لمواجهة الأزمة فهو اللامركزية في معالجة النفايات فيكون كل قضاء مسؤولاً عن النفايات لديه، كما تقام معامل لفرز النفايات مع تركيز على تلك العضوية التي ترتفع معدلاتها بصورة خاصة في لبنان. وما ينتج من ذلك يمكن الاستفادة منه كسماد في الزراعة، ويمكن بهذه الطريقة فرز المواد البلاستيكية وفق المعايير المطلوبة، لكن التحدي الأكبر في عدم توافر الإمكانات المادية لدى البلديات، مما يجعلها في حال عجز عن القيام بهذه المهام التي كان بعض البلديات قد باشر بها في مراحل سابقة، علماً أن مثل هذه العمليات لا تتخطى كلفتها نصف ما يجلبه إنشاء محرقة لها أضرار بيئية كارثية لا بد من التحسب لها، بحسب أبي شاكر.