Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

الشاعر أبولينير رسم الطريق أمام رواد السوريالية الفرنسية

أعماله الكاملة في الشعر والسرد والنقد اكتملت في مجلة من 1824 صفحة

الشاعر الفرنسي الرائد أبولينير في منزله (متحف الشاعر)

ملخص

" أبولينير، جمال كل آلامنا، شعر، سرد، نقد، مسرح" كتاب ضخم صدر حديثاً في باريس (مجموعة بوكان، 2025، 1824 صفحة) يستعيد من زاوية دراسية جديدة وللمرة الأولى كل أعمال الشاعر والقاص والكاتب المسرحي والروائي والناقد الفني، رائد السوريالية، الفرنسي الجنسية والبولندي الأصل غييوم أبولينير (1880-1918)، أعده وقدم له الأستاذان الفخريان في اللغة والآداب الفرنسية في جامعة السوربون وفي المدرسة العليا للمعلمين ديدييه ألكسندر وميشيل مورا.

يشتمل كتاب" أبولينير، جمال كل آلامنا، شعر، سرد، نقد، مسرح"، إلى جانب النصوص الأصلية والنظريات الشعرية، على قراءة شبه كاملة لكتابات الشاعرالفرنسي الرائد غييوم أبولينير من الشعر والنثر إلى المسرح والنقد، ترافق كل القصائد والنصوص بمقدمات توضيحية تسلط الضوء على تنوع أعماله. فتضع الأشعار في سياقاتها، مبرزة رهاناتها، مستندة إلى مجموعة من الدراسات القيمة المزودة بهوامش وحواش تغني علاقتنا بأعمال كنا نظن أننا نعرف كل خباياها، فضلاً عن فهارس وبيبليوغرافيا تحيل إلى كل الكتابات والتفاسير التي تناولت أعمال الشاعر الذي ترك بصماته على الشعر الفرنسي والعالمي، بعدما لمع اسمه في الأوساط الأدبية، شاعراً شغوفاً بالتجديد، وصحافياً كبيراً، وناقداً فنياً ارتبط اسمه بكبار رسامي ومصوري وكتاب عصره.

ما يلفت انتباه القارئ عند تناوله القصائد والنصوص الأكثر دلالة من أعمال الشاعر التي يشكل مجموعها متن الكتاب، أن أبولينير لم يكن كاتباً غنائياً أو شكلياً، أو كاتباً يتنقل بين الغنائية والشكلية، ذلك لأن كتابته قامت على علاقة ثالثة بالزمن، فبالنسبة إلى الشكليين كان ينبغي للقصيدة أن تحدث قطيعة ذات دلالة في التاريخ، وبخاصة في تاريخ الأشكال، أما بالنسبة إلى الغنائيين فقد كان ينبغي للقصيدة أن تحدث قطيعة ذات دلالة في الوجود نفسه، أي في زمنية الشاعر الذاتية وتفاعله مع العالم، لكن أبولينير لم يسعَ مطلقاً إلى إحداث تغيير في تاريخ الشعر الفرنسي بقدر ما كان يسعى إلى توفير تجربة مثيرة لقرائه.

كتب أبولينير الشعر الحر والقصائد الكلاسيكية الموزونة والنصوص النثرية والمسرحية والقصص والروايات والمقالات النقدية، التي نظر إليها كلها كأشكال أدبية ممتازة قادرة على التعبير، مشدداً على أن أياً منها يجب ألا يضحى به لمصلحة الآخر. هكذا تعايشت في أشعاره الأوزان الشعرية التقليدية مع الأشكال الجديدة للقصائد، فقد قال الشاعر عام 1917 "إن كل الأشكال الأدبية جيدة، إذ يمكن للبيت الشعري أن يكون حراً أو موزوناً أو يتخذ شكل كاليغرام"، فغييوم أبولينير جرب الكتابة وفق كل الأساليب الأدبية الحديثة، وناصر كناقد فني أنصار مذهب التكعيبية والاتجاهات التجريدية المبكرة في الفنون التشكيلية، لكن انفتاحه على الأشكال الأدبية المختلفة واهتمامه بالتعبير عن الذات وبناء الواقع داخل الشكل ومن خلاله، كما هي الحال في مفهوم "الرسم الخالص" الذي تحدث عنه الرسام الفرنسي روبير دولوني (1885-1941)، حمله على القول إن الدور الاجتماعي للشعراء والفنانين العظماء يتمثل في "تجديد المظهر الذي تتخذه الطبيعة في أعين البشر باستمرار".

الشاعر الرمز

غير أن من المثير للاهتمام أن الشكليين والغنائيين على حد سواء جعلوا من غييوم أبولينير رمزاً لهم، إذ رأى فيه الشكليون مجدداً كبيراً، بينما نظر إليه الغنائيون كعاشق وله، فهناك أكثر من أبولينير، التجريبي الذي يتبدى في قصيدة "منطقة"، والعاشق المتأمل في حياته الذي يتبدى في "جسر ميرابو"، المستعيد ذكرى علاقة حب عاصف مع المصورة ماري لورانسان التي هجرته، فاندثر حبهما مع مرور الزمن، كجريان مياه النهر تحت الجسر الذي ارتبط بذكريات الشاعر.

أن تنتمي هاتان القصيدتان للديوان نفسه، بل وأن تتتابعا فيه، يبدو أنه لا يزعج على الإطلاق الشكليين والغنائيين، فكل طرف منهما سعى إلى الادعاء أن أبولينير لو نجا من الإنفلونزا الإسبانية بعد إصابته بجرح في الرأس أثناء الحرب العالمية الأولى، لكان قد أعلن هو نفسه الانتماء إلى تياره، متناسين أن أبولينير نفسه أكد في مقال له بعنوان "الروح الجديدة والشعراء"، أن "الجدة في الشعر والكتابة تكمن في عنصر المفاجأة، المحرك العظيم للشعر والأدب".

الشعر إذاً فضاء للمفاجأة، والمفاجأة لا تكون في إحداث قطيعة مع الأشكال الشعرية التقليدية، ولا في التحدث عن حياة الشاعر الشخصية والعاطفية، بقدر ما تكون في جعل لحظة القراءة نفسها لحظة تفجر وتدفق لحدث غير متوقع يعلي من جوهر النص ودراميته الخاصة.

هكذا أبرز المشرفان على هذا الكتاب أهمية ترتيب قصائد أبولينير في ديوان "كحول" مثلاً، الذي استغرقت كتابته 15 عاماً من عمر الشاعر. و"كحول" عبارة عن مجموعة شعرية تجريبية فيها بعض الشعر الحر وكثير من العناصر الحداثية، تتناوب فيها القصائد الطويلة والقصيرة، كأن نقرأ "جسر ميرابو" مباشرة بعد قصيدة "منطقة" في امتداد زمن يشكل في الوقت عينه المساحة التي تجري فيها الأحداث، والتجلي الذي ينكشف فيه النص نفسه.

من هذه الزاوية يقول لنا معدا الكتاب إن القصيدة الأولى في "كحول"، بتغيراتها المستمرة في الأماكن، والقصيدة الثانية "جسر ميرابو"، بتعدد إيقاعاتها، تتقاطعان على رغم تعارض أسلوبهما لتشكلا فضاءً دينامياً تتوالى فيه المفاجآت بلا انقطاع، لا سيما على مستوى الشكل كالكاليغرام، مستندين في تقديمهما أعمال أبولينير الشعرية إلى رسالة تحمل تاريخ الـ15 من مارس (آذار) 1918، رد فيها الشاعر على الصحافي والناقد شارل موراس الذي اتهم أبولينير أن الكاليغرام "خدعة" بسيطة، لا تجعل من شعره شعراً إبداعياً حديثاً، فيقولان لنا إن غييوم أبولينير خاطب موراس قائلاً: "هل تعتقد يا عزيزي أن ’السوناتا‘ أو أي شكل شعري قديم آخر كان ليحدث التأثير نفسه الذي أحدثه الكاليغرام؟ بالتأكيد لا، الكاليغرام أحدث المفاجأة، والمفاجأة على رغم أنها ليست جوهر الفن والأدب، عنصر حديث ومهم فيهما".

روح العصر الجديد

المفاجأة والتغيير هما إذاً "محرك" لروح العصر الجديد الذي نجح معدا الكتاب في إبرازه في أعمال غييوم أبولينير، مشددين على أن الجمال كما يقول الشاعر في أحد أبيات قصيدة "نشيد الشرف" الذي استل منها العنوان، يصف آلامنا، فذلك فقط لأن هذه الآلام اتخذت لها شكلاً يشبه إلى حد بعيد الندبة التي تركها ذاك الجرح في رأس الشاعر من جراء إصابته بشظية في الحرب العالمية الأولى التي نظر إليها كأجمل كاليغرام رسمه في حياته، بعدما تطوع في الجيش، آمِلاً نسيان خيباته العاطفية، ودفاعاً عن فرنسا.

اقرأ المزيد

شدد معدا الكتاب أيضاً على اعتبار العديد من النقاد أبولينير كأحد كبار الشعراء الفرنسيين في القرن الـ20 الذين أحدثوا في الشعر الفرنسي انتفاضة جديدة، إن على مستوى شكل القصائد أو على مستوى الصور الشعرية والملاءمة بين الواقع والخيال.

ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، يخصص الأول للشعر ويضم قصائد من "موكب أورفيوس" و"كحول" و"كاليغرامات – قصائد السلام والحرب (1913-1916)" وقصائد نشرها أبولينير بنفسه وأخرى نشرت بعد وفاته. ويتناول القسم الثاني النصوص السردية ومنها "الأسواط الـ11 ألفاً" و"الهرطوقي وشركاه" و"نهاية بابل" و"الشاعر المغتال" و"القصص المستبعدة من "الشاعر المغتال"، و"المرأة الجالسة" وسواها. ويحتوي القسم الثالث على مجموعة كبيرة من المقالات النقدية التي تناول أبولينير فيها أعمال فنانين تشكيليين تكعيبيين، والكتابات الأدبية والمراجعات للعديد من الكتب والتعليقات حول مواضيع مختلفة.

أما القسم الرابع والأخير فيخصصه الباحثان لنصوص أبولينير المسرحية أي "في أية ساعة سيغادر القطار إلى باريس؟" و"ثديي تيريسياس"، و"لون الزمن"، من دون أن أنسى الدراسات الشيقة والعميقة التي ترافق كل أقسام الكتاب، الذي يكشف ليس فقط عن شاعر متألم من الحب وجراح الزمن والحرب والاندفاعات الإيروسية، بل أيضاً عن روائي وكاتب مسرحي تمتزج لديه الرومانسية بالخيال، والإباحية بالضحك والسخرية، والثقافة الموسوعية بالمعرفة العميقة، كذلك يمكننا أن نقيس مدى تأكيد أبولينير، كناقد أدبي وفني، لمكانته كممثل للشعر الحديث، من خلال العديد من المقالات التي كرسها للرسم والأدب والموسيقى والرقص والحرب والحب والحياة الاجتماعية والسياسية.

 في الختام، إن هذا الكتاب الغني بجهاز نقدي غير مسبوق، الذي يتيح لنا قراءة مجمل أعمال أبولينير، يسلط ضوءاً جديداً على من عرف كيف يغني "جمال كل آلامنا".

المزيد من ثقافة