Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
اقرأ الآن

السيناريو السينمائي "خطة مكتوبة" يبلورها المخرج بصريا

رسم ملامح نظرية فيكون الغرض من الكتابة هو الإعلاء من قيمة الخطاب

حققت السينما الغربية نجاحات كبيرة لأنها تمتلك وسائل إنتاج قوية وإمكانات مادية (مواقع التواصل)

ملخص

السيناريست يوجه الصورة وينحت لها أفقاً مغايراً ومؤثراً في ذائقة المتلقي، بطريقة يغدو فيها الكاتب هو سيد العمل السينمائي وليس المخرج كما دأبت "سينما المؤلف" على الترويج له منذ سنوات طويلة

يعتبر البعض السيناريو بمثابة الأرضية الصلبة التي يشيد عليها العمل السينمائي، ذلك أنه عنصر مؤسس للفيلم، ومن دونه لا يستقيم معنى الصورة وعوالمها. كما أنه عبارة عن لحظة فنية تسبق باقي العناصر الجمالية الأخرى مثل التصوير والمونتاج والإخراج. بهذا المعنى نحن أمام عنصر لا بد منه للحديث عن العمل السينمائي. فحتى في زمن السينما الصامتة يمكن أن نعثر على ملامح السيناريو وقوته على مستوى التأثير في خطية الحكاية وأنساقها وتوجيه الشخصيات صوب منعطفات جمالية. السيناريو عماد الفيلم السينمائي والأساس النظري الذي تقام عليه الصورة. إنه بمثابة العنصر الجمالي الأكثر قوة ووعياً بمسالك الحكاية وتدرجاتها.

لذلك يروم المخرج إلى إعطاء أهمية بالغة للسيناريست، وعياً منه بضرورة وجود نص جيد قادر على توجيه الصورة للبحث عن شعريتها وجمالياتها داخل الفضاء السينمائي، الذي يبلور داخله المخرج سردية الحكاية وعناصرها الجمالية. وعلى رغم التشابه الواضح بين الكتابة الأدبية ونظيرتها السينمائية من جهة اعتماد اللغة، فإن هناك اختلافاً كبيراً من حيث الميكانيزم، وذلك لأن العمل الأدبي له ما يميزه من الخصائص الجمالية، في حين تبقى الكتابة السينمائية تعتمد لغة على أهبة الانتقال إلى الصورة. فيكون هذا الانتقال بمثابة عبور من جنس أدبي يعتمد اللغة للتعبير صوب قالب فني يتوسل الصورة لتكثيف القول.

سيناريوهات محتملة

إن السيناريو عملية أدبية أكثر من كونها فنية، فكتابته تفرض على السيناريست تفكيراً مسبقاً بجوهر الحكاية ومساراتها الجمالية، ذلك أنه عبارة عن خطة مكتوبة يعمل المخرج على بلورتها بصرياً. وتكون هذه الكتابة الأولية عبارة عن عملية إبداع محض، لا ترهن نفسها بالمعارف والنظريات، بقدر ما تنطلق من الجسد وتجعل من السند الأساس في عملية الكتابة. غير أن الجسد وحده غير قادر على التفكير بمعزل عن الواقع الذي ينبثق منه أو التاريخ الذي يحاول استحضار تفاصيله أو الذاكرة التي يعيد نسجها سينمائياً. بل حتى العمل الأدبي، شعراً كان أم رواية، على رغم كونه ينطلق من الذات، إلا أنه ينزع في لحظة ما صوب فيزيونومية الواقع ويشتبك مع مفردات ونظريات رائجة في المجال المعرفي.

اقرأ المزيد

ثمة عديد من أنواع السيناريوهات، الأول ينطلق من الجسد حيث تكون الكتابة عبارة عن حكايات شخصية واقعية، فيكون السيناريو عبارة عن شهادة حياة. ويسجل المشاهد كيف أن هذا النوع يعطي أهمية للشخصيات، بحيث يروم إلى رصد مصائرها وغربتها داخل المجتمع. هكذا تبدو الكاميرا ملتصقة بمسامها وأفكارها. أما النوع الثاني فيكون الواقع سنده. وغالباً ما يرصد السيناريست تحولات هذا الواقع في علاقته بالشخصيات والأمكنة، ذلك أن السينما فن يتميز بقوة في الاشتباك مع الواقع، لأنها الوسيط البصري الأكثر قدرة على خلق تواشجات جمالية مع فكرة الواقع. ولنا في تاريخ السينما عديد من الأفلام الناجحة التي انطلقت سيناريوهاتها من الواقع. بحكم أن التجذر في براديغم الواقع يعطي للفيلم هويته البصرية المتجددة، ويجعله عملاً سينمائياً يعبر بقوة عن ذاكرته. أما النوع الثالث فيحاول المزج بين فتنة الجسد وجينيالوجيا الواقع، ثم العودة للرأسمال الرمزي المتمثل في المفاهيم والنظريات، إذ يتعمد فيه السيناريست رسم ملامح نظرية، أي يكون الغرض من الكتابة هو الإعلاء من قيمة الخطاب. لهذا يعتبر النقاد أن الأفلام ذات النزعة الخطابية ذات دلالات أيديولوجية في عمقها، لأن الصورة تكون مركبة وحاملة لأكثر من دلالة ومعنى. ويتميز هذا النوع من السيناريو بقوته الخطابية في تفكيك الواقع وتكسير حواجز وسياجات الذات أمام الصورة. وغالباً ما يفضل النقاد هذا النوع من السيناريو الذي تشتغل به "سينما المؤلف".

جماليات الكتابة

حققت السينما الغربية نجاحات كبيرة، لأنها تمتلك وسائل إنتاج قوية ولها إمكانات مادية تجعلها تحقق نجاحاتها باستمرار، ولأن منطلقات أفلامها مبنية على أرضية صلبة على مستوى الكتابة، إذ نادراً ما تعثر على سيناريوهات رديئة إلا في حالة بعض الأفلام الكوميدية الهزلية الموجهة إلى التلفزيون. فغالب الأفلام الناجحة فازت سيناريوهاتها بجوائز عالمية وأصبحت تكتسب بعداً جمالياً وحدها. بل إن كثيراً من السيناريوهات قد تمت إعادة إصدارها في كتب بسبب قيمتها الفنية وملامحها الجمالية. ففي الثقافة الغربية هناك جوائز كبيرة مخصصة للسيناريوهات وتحظى باحترام كبير من قبل لجان ومؤسسات. كما نعثر في السينما الأميركية على عديد من التجارب التي توازي في تجربتها بين كتابة السيناريو والإخراج في آن واحد، إذ وفق هذا المنزع الفني تحاول بعض التجارب البحث عن جماليات الحكاية والعبور بها صوب الصورة مع ضرورة الحفاظ على نفس حرارة النص.

هناك أفلام سينمائية أسهم كتاب السيناريو في نجاحها أكثر من المخرج. فأحياناً تكون الحكاية أعمق بتفاصيلها ومساربها، في حين تبقى الصورة ضعيفة في القبض على ملامح لقطة أو جمالية مشهد. إن قوة السيناريو تسهم إلى حد كبير في رسم ملامح جمالية مغايرة للصورة، بل إنها تدفعها ضمنياً للبحث عن المطلق في السينما. فكلما كان السيناريو جيداً يمارس سلطته على المخرج وينزع عنه قداسته للصورة، ذلك أن السيناريست يوجه الصورة وينحت لها أفقاً مغايراً ومؤثراً في ذائقة المتلقي، بطريقة يغدو فيها الكاتب هو سيد العمل السينمائي وليس المخرج كما دأبت "سينما المؤلف" على الترويج له منذ سنوات طويلة.

المزيد من ثقافة